30 ايلول, 2007
ديمقراطية العسكر والقبائل
محمود الريماوي
من عجائب التجربة الباكستانية أن رئيس المحكمة الدستورية العليا في هذا البلد افتخار تشودري ، قد أعيد بضغط من العارضة إلى رئاسة هذه المحكمة بعدما أقالته السلطات من هذا المنصب الرفيع .غير أن هذه المحكمة نفسها قضت قبل يومين بحق الرئيس مشرف بخوض انتخابات الرئاسة ، رغم أن الدستور يقضي بأن يكون المرشح للمنصب الأول مدنياً .
يصعب الإلمام بتفاصيل ما يجري في الباكستان وهو بلد كبير يضم نحو مائة وسبعين مليون نسمة . وذلك رغم تفاني محطة "الجزيرة" في متابعة ما يجري هناك ، والإيحاء بأن ما يجري في هذا البلد بالذات ، سيقرر الكثير من مصير آسيا والعالم الإسلامي . وواقع الأمر أن هناك معارضة شديدة للحكم العسكري من أبرز رموزها نواز شريف المقيم في الخارج ، والذي تمت إعادته إلى الخارج في الطائرة نفسها التي أقلته إلى إسلام أباد ، وذلك بعد تهديده في المطار بتقديمه إلى المحاكمة بتهمة غسل أموال ..وكانت المحكمة الدستورية نفسها قد أقرت بحقه مع عائلته بالعودة ..
وقد استطاع مشرف شق حزب الرابطة الذي يقوده شريف ، وهو بالمناسبة حزب الاستقلال عن الهند عام 1947 ومؤسسه محمد علي جناح . وبات هناك جزء كبير من الحزب التاريخي يؤيد مشرف .
أما حزب الشعب بزعامة بتظير بوتو فقد عقدت اتفاقا مع مشرف على عودتها في الثامن عشر من تشرين اول المقبل وعلى تقاسم السلطة معه إذا ما تخلى عن بزته العسكرية .. وبعدما ضمن مشرف هذا التأييد ، انتزع حكماً المحكمة بأحقيته في خوض الانتخابات الرئاسية الأحد المقبل ومع احتفاظه بموقعه العسكري . وهكذا تم عمليا إضعاف شعبية بوتو ، التي انفردت باتخاذ موقف متفاهم مع الحكم .
وفي هذه الأثناء قام مشرف بمناقلات في المناصب العسكرية الرفيعة ، ضمن فيها وجود قيادات موثوقة مقربة منه في هذه المناصب العليا . بينما تتحشد قوى المعارضة في وجه الحكم ، وغالبية هذه القوى الدينية مثل "الجماعة الإسلامية " برئاسة القاضي حسين أحمد وجماعة "علماء الإسلام " بزعامة الأمير فضل الرحمن .
وقد اشتدت نقمة المعارضة بعد المواجهات في المسجد الأحمر ومسجد حفصة ، وكذلك على خلفية مشاركة الحكم الباكستاني في "الحملة على الإرهاب " . علما بان لهذه الحملة طابعاً محلياً صارخاً يتعلق بالوضع الداخلي . فبالنظر لمتاخمة باكستان لأفغانستان وتسلل عناصر من طالبان لمنطقة القبائل الحدودية ، فقد أدى ذلك لانتعاش وضع من التعاطف بل التداخل مع طالبان ، ولدرجة نشأت معها جماعة تدعى طالبان باكستان .
وذلك ما يفسر الارتباك الأميركي تجاه ما يجري في باكستان الإسلامية ، فهناك من جهة قبول بحملة مشرف وهناك من جهة ثانية صعوبة في تسويغ حكمه العسكري .والتحالف بين بوتو ومشرف لم يقيض له النجاح ، فمشرف يرغب في قيادة الجيش وقيادة عموم البلاد ، وكما كان عليه الحال طيلة السنوات الثماني الماضية من حكمه . والمعارضة تستند إلى دعاوي دستورية صحيحة ، لكنها ترغب في نهاية المطاف بإقامة حكم أصولي .
هكذا يبدو هذا البلد خليطاً متداخلاً ، من تشكيلات قبلية وحزبية ومن جماعات ومدارس دينية بلا حصر ، ومن عسكر مدمنين على السلطة ، ومن تجارب ديمقراطية جهيضة . والأيام المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد ومن استقالات لنواب المعارضة ، بعد ان تم اعتقال عشرات من رموز المعارضة ، علماً أن النواب هم طرف في الهيئة الناخبة ولا يشكلون عموم هذه الهيئة ، التي تضم ممثلين منتحبين عن الأقاليم الأربعة .
mdrimawi@yahoo.com