29 ايلول, 2007
ما الحكمة من طمس الفوارق ؟
محمود الريماوي
من طبيعة الأمور أن تشارك سائر الأحزاب في الانتخابات النيابية التي يقترب موعدها . فهذا الاستحقاق يمثل فرصة ليس فقط للتواصل مع الجمهور ، واحترام المؤسسات الدستورية والسعي للانضمام لها ، بل هي كذلك فرصة للإرتقاء بالتمثيل الشعبي بما تشكله الأحزاب من أطر حديثة ومتطورة نسبياً .
يستذكر كثيرون فترة الخمسينات بما لها وعليها ، مع خلاصة أساسية وهي أن الحياة الحزبية نجحت آنذاك في تطوير المجتمع وفي تعزيز الوحدة الوطنية .يصعب تكرار التجربة بمجرد إبداء حسن النوايا أو إبداء الطموح لذلك أو تقديم تسهيلات حكومية ..غير أنه لا مناص من دور للأحزاب في تطوير الحياة النيابية، رغم أنها أي الأحزاب وفي معظم الحالات لم تتطور كثيراً ، عما كانت عليه قبل أكثر من خمسين عاماً .
تبدي سائر الأحزاب ذات الوجود خارج مقراتها استعدادها للمشاركة ، وقد انضمت جبهة العمل فأبدت مؤخراً مثل هذا الاستعداد . وما يسترعي الانتباه أن أجواء الحملة الانتخابية التي بدأت قبل موعدها الرسمي والقانوني ، لا توحي بجدل بين أحزاب الوسط واليمين واليسار كما هو الحال في التجارب الحزبية .فالجدل محصور في الاقتراب من الحكومة أو الابتعاد عنها . وهو أمر يستحق أن تطرح الآراء حوله ، لكن حيوية التعدد الحزبي تبدو غائبة .
ثمة أحزاب متباعدة أيديولوجياً ، تتقدم باعتبارها قبيلة واحدة ذات أفخاذ متعددة !
طمس الفوارق لا يفيد في إغناء التجربة . وهو ليس من خصائص الحياة الحزبية والسياسية المتطورة ، التي تقوم على التنوع وتمثيل تعددية المجتمع . وتقوم خلال ذلك على نشر الثقافة السياسية ، وتحديد الخصائص وبلورة الرسائل والخطابات الحزبية . ولو لم يكن الأمر كذلك فما هو مبرر نشوء أحزاب يسارية ومحافظة ووسطية وقومية وسواها ، إذا كان هدف حزبيين ورموز سياسية هو التمويه على الفروق ؟ .
على علم المرء تنشأ الجبهات الوطنية العريضة في ظل حالات الحروب والاحتلالات ، لكنها لا تقوم بصيغتها الفضفاضة والدائمة والثابتة في أزمنة السلم والاستقرار ، وفي عهود يتم فيها التطلع لتعزيز تجربة ديمقراطية ، ولاجتذاب شرائح مختلفة من الجمهور ، وفي التنافس المفترض حول الصيغ الحزبية الداخلية ،وعلى تحديد مفاهيم النهوض والارتقاء والتقدم ، وأدوات تحقيق هذا الطموح .
وهكذا وإلى جانب اعتماد أحزاب على النفوذ الشخصي لزعاماتها في المعركة الانتخابية ، حتى يصح نسبة الحزب ل"صاحبه " وليس العكس ، وإلى جانب إخفاء مرشحين كثر لهويتهم الحزبية مخافة الإخفاق واعتبار هذا الإخفاء شرطا للفوز المأمول ، فإنه تبرز واقعة أخرى متصلة وهي محاولة تكتل أحزاب ، التشديد على أن لا شيء في الرؤى والطروحات ، يميز حزباً يسارياً أو قومياً مثلاً عن حزب آخر محافظ ! ، بما يدلل في النتيجة على أوجه قصور وضعف ، تكاد تسلب من المشاركة الحزبية معناها وجدواها .
وبالمناسبة فإن التحشد وعلى هذه الطريقة يكاد لا يحدث إلا عندنا . علماً أنه لم يكن الحال عندنا في الخمسينات على هذه الصورة ، فقد كان القوميون يفلحون في تطهير الفوارق عن الاشتراكيين وهؤلاء عن الإسلاميين الى آخره. ولا شك أن ذلك هو في مقدم الأسباب التي تجعل الجمهور المسيس ينفض عن الأحزاب . والخشية أن لا تؤدي المشاركة الحزبية المنوه بها إيجابياً ، للغرض منها في الانتخابات للمجلس الخامس عشر ، وذلك وسط هذه المعمعة من التشابه والتماثل في الخطابات تحت مسمى المعراضة وكأنها يجب أن تكون بلون واحد وتذهب في اتجاه واحد ، مع اختلاف في الوجوه فقط .
mdrimawi@yahoo.com