مدونة محمود الريماوي

« | »

طبول الخرب وحشرجة السلام

طبول الحرب وحشرجة السلام       

                                              محمود الريماوي                                   

 أمام المأزق العراقي تبدو واشنطن مؤيدة هذه المرة من باريس ، وكأنها تنتهج نهجاً "متوازناً" أو متكاملاً : تقوم بممارسة الضغوط ولدرجة التلويح بالحرب على إيران ، وتعد في الوقت نفسه مؤتمر لسلام الشرق الأوسط .في الضغط على طهران يتم التهديد بتحجيم الطموحات النووية الإيرانية ، وتقليص التمدد في العراق ، فيما يتم عبر مؤتمر الخريف إرساء بيئة سياسية مناسبة تحد من تغذية المقاومة والعنف في العراق ، عبر تقديم صورة جديدة للولايات المتحدة ، بوصفها منحازة للسلام لا للاحتلال الإسرائيلي فقط ! .

هذا التكامل يشكو من أكثر من عطب . فالحملة على الملف النووي الإيراني ، انكشفت أهدافها في اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في جنيف : فقد رفضت واشنطن مشروعاً لجعل الشرق الأوسط منطقة نظيفة من أسلحة الدمار الشامل ، بهدف تمكين تل أبيب من الإنفراد بامتلاك هذه الأسلحة ، ومنع أي طرف آخر من التفكير بامتلاكها . هذا الموقف غير المسؤول لا ينعكس إيجاباً على المعضلة في العراق ، ولا يدعم الحملة على الملف الإيراني . بل هو على العكس يمنح مسوغات كافية للطموحات الإيرانية ، ويعزز تطلعات الجار الإيراني لتعزيز نفوذه لدى جاره العراق ، ويقوي روابط أطراف عراقية نافذة بالجمهورية الإسلامية ، علاوة على "الحاجة الأصلية "لهذه القوى  لإقامة توازن في ارتباطها بكل من الولايات المتحدة وإيران .

مؤتمر الخريف مهيأ حتى الآن للفشل ، بفضل الغموض غير البناء في مواقف الطرف الداعي حول الأهداف الفعلية للمؤتمر  .الحملة على إيران أشد وضوحاً بكثير ، من مرامي هذا المؤتمر . وإذا استمر الموقف الملتوي على حاله ، بعدم الرد على التساؤلات فسوف يثير ذلك المزيد من الشكوك ، وقد يؤدي لمقاطعة المؤتمر من أطراف أساسية .ولا يفيد تسرب أنباء حول دعوة سوريا ولبان للمؤتمر العتيد ، فالمهم هو تبيان ما إذا كانت واشنطن تريد حلولاً جدية وجوهرية ذات برنامج زمني ملزم ، أم أنها تسعى لحلول جزئية ومؤقتة ، واستدراج دول عربية للتطبيع مع تل أبيب كمكافأة لهذه الأخيرة ، على استمرار استيلائها على الأراضي العربية وإنكارها للحقوق الفلسطينية الأساسية في الحرية والاستقلال .

إن قرع طبول الحرب ضد إيران مع تزايد استعراضات القوة الإيرانية ، هو الحدث الطاغي المرتسم في أفق المنطقة  ، والذي تلخصه عبارة  قال بها أحدهم: إما أن تكون هناك قنبلة إيرانية ، أو قنابل على إيران ..مع أن طموح شعوب المنطقة أن لا تكون هناك قنابل أو تهديد بها لدى أي طرف . لا طهران ولا تل أبيب ، ولا دينامية فرنسية مفاجئة تتجه وجهة واحدة وترمي للتطابق مع واشنطن .

قد لا تقوم المواجهة بعد شهر أو شهرين أو سنة ، ويتمنى ويدعو المرء أن لا تنشب أبداً ، غير أن استمرار التوتير والتصعيد في الأثناء ، يسخن الأجواء أكثر في بلاد الرافدين ، ويبعد طيف السلام أكثر عن الديار الفلسطينية المقدسة .

وفي نهاية المطاف فالفشل في العراق لا يواجه بمغامرة عسكرية جديدة ، محفوفة بكل أنواع المخاطر وتنقصها المشروعية . الرد الصالح والوحيد هو توطيد فرص السلام وإخلاء المنطقة من الأسلحة الفتاكة ، وإقامة تسوية في فلسطين تستند إلى الشرعية الدولية ، لا إلى أطماع الإحتلال ومناوراته ، وتطمين الأميركيين والعراقيين بنهاية قريبة لاحتلال العراق ، على أن يملأ العراقيون وحدهم "الفراغ " .

mdrimawi@yahoo.com

  

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba