18 ايلول, 2007
باريس وطهران وتل أبيب
محمود الريماوي
على الأغلب أن وزير الخارجية الفرنسي كوشنير ، سوف "يصحح " كلامه الذي نسب إليه أمس الأول الأحد ، ودعا فيه ل " الاستعداد للأسوأ ..للحرب مع إيران " بسبب برنامجها النووي .
فإذا كان رئيس الدبلوماسية الفرنسية يرى في التصريح نفسه ، أن الهزيمة قد تحققت للولايات المتحدة في العراق ، فهل تراه يرى أن النصر بات محتماً ومؤكداً في حرب مع إيران ؟ .
السجال مع إيران لن يثمر ما دام يلتزم المقاربة الأميركية للملف النووي . فهذا البلد يقع في إقليم آسيوي تضم بعض دوله وهي الهند وباكستان منشات نووية .إضافة لانتماء إيران لمنطقة الشرق الأوسط حيث تملك الدولة الإسرائيلية العظيمة مثات الرؤوس النووية . إذا كان الساسة الغربيون يرغبون متعمدين تجاهل هذه الوقائع ، فالرأي العام يضع هذه الوقائع نصب أعينه . الطريقة الأميركية لا تفيد بل إنها تنذر بكوارث لا غير .حتى أن وكالة الطاقة الذرية برئاسة البرادعي استهولت التصعيد .
أجل إن إيران سائرة على طريق تطوير قدراتها النووية . من الأفضل التفاوض معها ليس حول هذا الملف فقط ، بل حول تعزيز الفرص السلمية في المنطقة ، والعمل على إخلائها من أسلحة الدمار الشامل . ومهما برع ساسة غربيون في الكلام فإنهم لا يفلحون في التغطية على الوقائع : لقد سمحت الولايات المتحدة عملياً ومنذ عقود بسباق نووي . فلماذا الانتقائية بقصر الاحتجاج على دولة بعينها دون سواها ؟ . هذا سؤال يردده الجميع في منطقتنا . ألأن إيران محكومة بمجموعة متشددة ؟ ومن قال إن دولة الاحتلال الاسرائيلي غير محكومة بمتطرفين دمويين .. لو كان الأمر غير ذلك ، لما استمر احتلالهم لأراضي الغير لأربعين عاماً متصلة ، كيف يتم غض النظر عن امتلاك دولة تمارس احتلالاً وحشياً لأسلحة نووية ؟ هذا لا يبرر لإيران امتلاك هذه الأسلحة .. حسناً ما الذي يبرر لتل أبيب أن تدخل خلسة إلى النادي النووي نادي الكبار ، سوى الابتزاز الإسرائيلي ، والتواطؤ أو الخضوع الغربي لهذا الابتزاز ؟ .
منشآت إيران تحمل تهديداً لدول الخليج القريبة . ذلك صحيح . وبناء عليه يتعين الالتفات إلى تهديد المنشآت النووية الإسرائيلية للدول القريبة من الدولة العبرية .
ما سبق ليس خارج الموضوع ، بل في قلبه وفي صميمه . ليست هناك أسلحة نووية طيبة ومفيدة ، حتى لو كانت في أيدي عقلاء طيبين ، فكيف إذا كانت في أيدي أصوليين يناصبون العالم العداء ، إذا ما تمت دعوتهم لاحترام الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي أو لمجرد الدعوة لوقف جرائم القتل اليومي ، كما هو الحال مع السادة في تل أبيب ؟ .
ليس ما تقدم دفاعا أو تبريراً عن امتلاك محتمل لهذه الأسلحة من طرف الجمهورية الإسلامية ، ولكنه ببساطة دعوة لشمول الهند وباكستان ، والدولة اليهودية ( كما يروق لزعمائها أن يعرفوا دولتهم ) بالسعي الدولي لنزع أسلحة الدمار الشامل . سوى ذلك فلسوف يتم تكرار الأخطاء ذاتها التي ارتكبت في الحملة على الإرهاب ، وذلك بفصل الإرهاب عن البيئة السياسية ، والتمييز بين إرهاب وآخر بمكافحة أحدهما وغض النظر عن الآخر .
الراجح أن كلام كوشنير عن "الأسوأ " يراد به ممارسة مزيد من الضغوط على طهران، وليس بالضرورة قرع طبول الحرب بالمعنى الحرفي للتعبير . الأفضل السعي لدى واشنطن لوضع استراتيجية خروج من العراق ، استجابة لمطالب سبعين بالمئة من الأميركيين ،مع ضمان أن يملأ العراقيون وحدهم "الفراغ " ، والتجند بغير تأخير إضافي لوضع وتطبيق استراتيجية سلام في فلسطين ، وذلك هو وحده الكفيل بتغيير المعادلات والأولويات ، والإنطلاق نحو إخلاء المنطقة من الأسلحة الفتاكة . فمن حق شعوبنا أن تنعم بالسلام الذي يتمتع به الفرنسيون .
mdrimawi@yahoo.com