17 ايلول, 2007
رؤساء تحرير إلى السجن !
محمود الريماوي
الحكم بسجن أربعة رؤساء تحرير صحف مستقلة في مصر أثار ضجة متوقعة وكبيرة : فالحكم بسجن صحفيين لأسباب تتعلق بمهنتهم أمر قليل الحدوث بل نادر ، في العالم المتقدم الذي نطمح للحاق به . وفي العادة يتعرض صحفيون للسجن إذا تعرضوا ، لأسباب أخرى لا تتعلق بالمهنة ، وحيث التعويض المالي هو المتبع والمعهود في الحالة الأخيرة .
الزملاء الأربعة هم من الجيل القيادي الشاب ( نسبياً ..) وهم : ابراهيم عيسى (الدستور ) وعادل حمودة ( الفجر ) وعبدالحليم قنديل (الكرامة ) ووائل الأبراشي (صوت الأمة ) .
الحكم يقضي بالسجن على الأربعة لمدة عام ، مع غرامة قدرها عشرون ألف جنيه لكل منهم، ولا داع لذكر المبلغ محولاً إلى الدولار فالجنيه جنيه في بلده .
هذه القضية المقلقة تثير الملاحظات التالية .
ـ الحكم ما زال في درجته الأولى وهناك فسحة لاستئنافه . والصحفيون الأربعة طلقاء حتى تاريخه ، وبكفالة مالية قدرها عشرة آلاف جنيه مصري.
ـ حيثيات الدعوى تعود لنشر بعض هذه الصحف أخباراً تتعلق بصحة الرئيس مبارك ، وقد ذهبت إحدى الصحف ، إلى آخر حدود التكهنات في هذا المجال فتحدثت عن نفاذ قضاء الله ، مما يدخل في باب الأخبار غير الصحيحة ، بينما وصفت صحيفة أخرى الحزب الوطني الحاكم بأنه ديكتاتوري ، مما يندرج في باب الرأي .
ـ الأحكام صدرت وفق قانون المطبوعات المصري الصادر في العام الماضي . وإذا كانت هناك تحفظات وهناك منها الكثير، فينبغي أن تتجه للقانون الذي احتكم إليه القضاة ، لا إلى الأحكام التي أصدروها وفق القانون، وقد نال الزملاء أقصى عقوبة يتضمنها القانون .
ـ مبدأ التقاضي هو ما يطمح إليه الإعلاميون وغير الإعلاميين لإرسائه والاحتكام في دولة الحق والقانون ، للبت في النزاعات . في دول أخرى بلا حصر يتم تجاهل هذا المبدأ ، فتتولى السلطة التنفيذية منفردة الإجراءات وإصدار الأحكام وتنفيذها .
ـ في مصر لا يتردد قضاة المحاكم حين الاقتضاء ، في إصدار قرارات وأحكام لغير صالح السلطة التنفيذية .
ـ مصر هي في مقدم البلدان العربية ، التي تشهد حرية تعبير واسعة وراسخة تثير الإعجاب حقاً ، والتي تشمل سائر المطبوعات ، وعلى سبيل المثال فإن إصدار الكتب لا يقتضي موافقة إدارية مسبقة .من باب الإنصاف والموضوعية والدعوة للاستلهام ، أن يشهد المرء بهذا ، وذلك في مقابل الإشارة إلى تقييدات أخرى على إنشاء الأحزاب مثلاً .
في ضوء هذه الملاحظات ، فإن لكل امرىء أن يستخلص ما يشاء من انطباعات وأحكام ، حول هذه القضية المثيرة التي ما زالت تتوالى فصولاً. من الأفضل أخذ العلم بما سبق من حيثيات وأية حيثيات مكملة قبل إصدار التقديرات ، وبما يسمح بتفادي الأحكام المسبقة والمتعجلة.
وفي المحصلة فإن كفالة حرية التعبير والارتقاء بالمهنة الإعلامية ، يشكل رصيداً معنوياً وحضارياً لا غنى عنه ، لكل بلد ينشد التقدم . كما أن الاحتكام للقوانين والسعي لتطويرها وفق القنوات الدستورية ، هو ضمانة لنفاذ العدالة للإعلاميين وللمجتمع بأسره .
mdrimawi@yahoo.com