مدونة محمود الريماوي

« | »

إطلالة الفاتيكان

إطلالة الفاتيكان

                                  محمود الريماوي

زار مسؤولان عربيان في غضون أسبوع واحد  ،مقر الفاتيكان بالقرب من روما والتقيا بابا الكاثوليك بندكيت السادس عشر . الأول كان نائب الرئيس السوري السيد فاروق الشرع ، والثاني كان الرئيس السوداني الفريق عمر البشير . هاتان الزيارتان تعكسان اعترافاً بالموقع المعنوي ، الذي يتمتع به بابا الفاتيكان رغم أنه أقل اهتماما بالشأن السياسي من سابقه . كما تمثل هاتان الزيارتان إقراراً بأن الأزمة الني نشبت في العام الماضي ، إثر محاضرة ألقاها البابا وتناولت علاقة المسيحية والإسلام بالعقل قد طويت . وتزداد دلالة هذا الأمر مع وقوع الزيارتين عشية شهر رمضان ، ثم في اليوم الثاني لشهر الصيام على التوالي للمسؤولين العربيين .

وإذا كانت زيارة نائب الرئيس السوري قد رمت إلى التخاطب مع مرجعية روحية غربية رفيعة المستوى ، بما يحد من تأثيرات التباعد السوري الأوروبي ، فإن زيارة الرئيس البشير رمت إلى تدشين أول زيارة يقوم بها رئيس سوداني لحاضرة الفاتيكان . علماً بأن زيارات البشير للعواصم الغربية عموماً محدودة .وقد بات واضحا أن القضية المثارة تتعلق بوضع إقليم دارفور في غرب البلاد .

يود السودان أن يحظى بدعم أوروبي ، انطلاقاً من إيطاليا لمبادراته السلمية إزاء متمردي الإقليم . خصوصاً أن اجتماعاً سوف تشهده طرابلس الغرب في السابع والعشرين من الشهر الجاري وبمشاركة الأمم المتحدة ، وسيكون الاجتماع بمثابة تفاوض مع المجموعات التي لم توقع اتفاقية سلام مع الخرطوم في أبوجا (نيجيريا) العام الماضي . ترغب السودان إذن بدعم أوروبي وبتعليق عقوبات اقتصادية عليها ، بعدما وافقت الخرطوم على قرار لمجلس الأمن في يوليو تموز الماضي ، يقضي بتشكيل قوة إفريقية دولية لحفظ السلام في الإقليم ، وذلك كبديل لقوات الاتحاد الإفريقي ، رغم أن جزء من هذه القوات سوف يشارك في القوة المختلطة .

السودان متفائل بأن تنفرج مشكلة هذا الإقليم عبر القوات "الهجينة" ولقاء طرابلس. وقد تعرض لحملة قاسية في الغرب طيلة السنوات الأربع الماضية ، وبعض هذه الحملات قادتها منظمات دينية ، وهو ما يفسر الحرص على زيارة الفاتيكان . وفي واقع الأمر أن المشكلة تركت تتفاقم وتتفاعل ، وجرى التقليل من شأن جوانبها الإنسانية وتداعياتها السياسية ، حتى أصبح التدخل الخارجي مفروغاً منه ، بل مرغوباً به في نهاية المطاف وذلك اتقاء للأسوأ .

ليس معلوماً ما الذي يسع البابا فعله ، لكن مجرد حدوث اللقاء يغير من الجو النفسي الذي يكتنف الأزمة ، خاصة مع الإعلان عن استعداد الخرطوم ، لوقف إطلاق نار فوري مع المتمردين لتسهيل نجاح اجتماع طرابلس .

وفي نهاية الأمر فإن مشكلة دارفور هي من المشكلات التي كان يفترض أنها "نافلة " ، غير أنها سرعان ما تفاقمت حتى باتت في صدارة المشكلات الإفريقية ، وحرمت السودانيين من التركيز على شؤون التنمية في الداخل ، وممارسة التأثير في الخارج ( مع العلم أن جهوداً سودانية بذلت وما زالت ، لتطويق الأزمتين اللبنانية والفلسطينية..) .

يستحق التنويه بعدئذ وبعيداً عن هذه المشكلة السياسية وسواها ، بمدلولات الالتفات السياسي من طرف مسؤولين عرب من العالم الإسلامي ، إلى مكانة الفاتيكان والتماس لقاء بابا الكاثوليك .  من شأن ذلك وضع حد لخرافة صراع بين الأديان ، وبالذات بين الديانتين التوحيديتين الأكبر في عالمنا . فالجماعات المتطرفة وحدها في الغرب و في العالم الإسلامي على السواء ، هي من تسعر خلافات مزعومة وتسيس الدين ، وتعمل على تديين السياسة . ومن المؤسف أن ينساق من يفترض أنهم عقلاء وراء تلك الترهات .

mdrimawi@yahoo.com

 

           

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba