مدونة محمود الريماوي

« | »

الغلاء والثقافة السائدةظاهرة الغلاء والثقافة السائدة

ظاهرة الغلاء والثقافة السائدة

                                      محمود الريماوي

يخيل للمرء أنه إلى جانب أسباب أخرى مهمة ، فإن انفلات الأسعار  يعكس "ثقافة" أو عقلية باتت تطغى على مجتمعنا . لنلاحظ مثلاً كيف تحولت خدمة التكسي الأصفر إلى وسيلة لابتزاز المواطنين ، بعدما كانت من قبل خدمة منظمة ومحترمة . أصبح السائقون بقدرة قادر أحراراً في انتقاء الركاب وفي عدم التوقف ، وفي الزعم أن العداد "خربان " أو أنهم نسوا تشغيله .

أصبحت هذه المهنة في العديد من الحالات ليس لكسب الرزق الحلال ، بل للتصيد واقتناص الفرص . هذا هو المقصود بعقلية بات تطغى . وهي عقلية يؤمن أصحابها وهو كثرة كاثرة ، بالسعي للربح السريع والكبير ، وليس بإتقان المهنة والتقيد بأصولها وقبول أجورها .وما يحدث مع المواطنين يحدث أسوأ منه مع الزائرين الضيوف ، حيث يتم استغلالهم واستغفالهم لمجرد أنهم لا يعرفون جيداً شوارع العاصمة ، وبعضهم يخطىء في احتساب العملة الأردنية ، وكأي زائر يقصد أي مكان في العالم .

بالطبع ليس كل السائقين .غير أن سعيد الحظ هو من يكون صعوده مع سائق ملتزم ، وحيث نتميز عن غيرنا بعدم توفر المواصلات العامة إلا في بعض المناطق ، ولم يحدث طيلة عقدين مضيا أن كان من مهمة الحكومات ، وضع خطط لإنشاء شبكة مواصلات عصرية ومنظمة وشاملة . والنتيجة ها هي : اختناق الشوارع بالمركبات الخصوصية وسيارات التكسي ،والاضطرار لتشييد الجسور وشق الطرق ومضاعفة عدد رجال المرور والاعتراف بالتلوث البيئي  . ذلك يدل على طريقة تفكير معينة يترك المرء الحكم عليها للقراء .

الجميع يتحدث عن الغلاء هذه الأيام بما في ذلك الأغنياء . فئات عديدة من التجار مسؤولة عن هذه الظاهرة  ، حين يجتهد أفرادها في وضع لائحة الأسعار التي يشاؤون  ، وأحيانا تغييرها حسب مظهر الزبون . ذلك من إفراز عقلية الشطارة والتشاطر والنزوع للثراء السريع وهي ثقافة سائدة . غير أن تجاراً آخرين يتساءلون ما إذا كانت المبالغة في فرض الرسوم المختلفة ، والضرائب على التجار فضلاً عن الإيجارات والنفقات الأخرى ، ذات علاقة بارتفاع الأسعار أم لا ؟ .

هناك شعور بالحيرة إزاء هذه التطورات ، فالحكومات تبحث عن وسائل لسد العجز في الميزانيات ، بفرض رسوم وضرائب ، من أجل أن تتمكن من مواصلة تقديم خدماتها الهائلة والمتشعبة ، والناس تبحث عن وسيلة لسد احتياجاتها فيقع التضارب الذي نشهده .

سمعت تاجراً يتحدث بأنه ما أن ترتفع أسعار سلع ما ، حتى يزداد الإقبال عليها من الناس . "الغالي سعره فيه"  حتى لو ارتفع السعر قبل أيام فقط ! . ألا يعكس نمط الاستهلاك الهستيري  ثقافة معينة وثقافة محددة ، هي من بعض أسباب لتفاقم الأزمة ؟ .

يجري الحديث عن فرض رقابة معينة على المواد التموينية . هذا أمر حين ولا مناص منه . فلا يمكن القبول بتهديد لقمة العيش . ولكن ماذا عن المواد الأخرى : من الملابس والأحذية  الى الأدوية وأجهزة الكمبيوتر والمواصلات الغائبة وسواها من سلع أساسية ؟ . ليس مطلوباً التدخل الحكومي على طريقة الاقتصاد الموجه ، بل أشكال من الرقابة الفاعلة والأمينة  التي تشمل سائر المواد والخدمات الأساسية ولا تقتصر على المواد التموينية  على الأهمية الاستثنائية للأخيرة . مطلوب من الدولة حقا أن تحمي مواطنيها كما دعا جلالة الملك وفق سياسة شاملة يتقاسم فيها الجميع الأعباء كما يتقاسمون الثمرات. وعلى المواطن من الطبقة الوسطى أيضاً أن يحمي نفسه،  بعدم الاستسلام لحمى الاستهلاك .

mdrimawi@yahoo.com

         

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba