13 ايلول, 2007
رابحون وخاسرون في "المسلسل"
محمود الريماوي
احتفل الأميركيون بذكرى كارثة الحادي عشر من سبتمبر وبالإخفاقات في العراق في الوقت نفسه . هناك رابط بين الأمرين ، فالحملة على العراق اريد بها الرد على ما جرى في حي منهاتن النيويوركي .أدى ذلك الى تموضع القاعدة في بلاد الرافدين . إلى جانب استمرار وحدها عبر طالبان في جبال أفغانستان . وفي النتيجة خسر الأميركيون نحو خمسة الآف جندي في البلدين وعشرات الآلاف من الجرحى ، بينما لحقت كارثة مروعة بالعراقيين وبلادهم .
يراد الآن السعي الى تخفيض ملموس لعدد القوات مع منتصف العام المقبل . الهدف واضح هنا وهو التمتع بفرصة تسعة أشهر لاستمرار الوجود الأميركي وبالسياسة القاصرة نفسها ، مع السعي لأن يكون نصف السنة الأخير من ولاية الرئيس بوش موعداً ل"الحلول " ، والاستجابة لضغوط الرأي العام في الداخل ، بما يحسن حظوظ الجمهوريين بالفوز في انتخابات الرئاسة . ليس هناك بالطبع حديث عن انسحاب من العراق ، أو عن حق هذا البلد في انجاز استقلاله واستعادة سيادته بإجلاء كل القوى الأجنبية عن أراضيه بما في ذلك المرتزقة الأجانب وأفراد القاعدة .
لقد باتت الإدارة تتحدث عن إقامة قواعد على الحدود مع ايران ،بداعي مكافحة التسلل ، ويمكن لها استخدام ذرائع مشابهة لإقامة قواعد على حدود أخرى ، أو داخل الأراضي العراقية . فيما تتحدث طهران عن الاستعداد ل"ملء الفراغ " في حال انسحاب أميركي ، وفي المحصلة فإن استقلال هذا البلد يغدو أمراً خارج الحسابات الأميركية وخارج التنافس المكشوف مع إيران للسيطرة عليه .
الرأي العام الأميركي هو وحده ما يحظى باهتمام نسبي من الإدارة ،بما تصح معه تقديرات ساسة عراقيين حول طبيعة ووجهة المناقشات الدائرة منذ ثلاثة أيام في الكونغرس ، والتي تتلخص بالمنافسة مع الديمقراطيين في الكونغرس الحالي وعلى انتخابات الرئاسة ، ومحاولة البرهنة على صوابية عسكرة السياسة الخارجية .
لذلك لا يبدو غريباً أن المشاعر حيال ذكرى الحادي عشر من أيلول ، تتراوح بين حدي نسيان الكارثة وبين الشعور بأنها متواصلة من ناحية أخرى . العراقيون والأميركيون والفلسطينيون واللبنانيون يخسرون ، فيما قطف الإسرائيليون والإيرانيون الثمرات على مدار السنوات الخمس الماضية .وهم مرشحون لمزيد من الكسب إذا استمرت السياسة الأميركية العمياء في إطلاق أيدي الاحتلال الاسرائيلي تحت مسمى مكافحة الإرهاب ( علما بأن عمر الاحتلال أكثر من أربعة عقود ) وبداعي الانشغال في العراق فيتعاظم العداء للسياسة الخارجية الأميركية، فيما تنظر طهران بعين الرضى للوضع القائم كما لما بعده :فالأميركيون يخسرون مع استمرار تواجدهم ، وطهران تكسب في حال خفض كبير للقوات ووقوع "فراغ أمني " .
واستمرار الصراعات في هذه الحالة وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً يسهم في توطيد التنافس بين الأصوليات الإيرانية والإسرائيلية مع تشعبات كل منهما ، وهو أمر جرى شق الطريق نحوه بفضل اللجوء الى الأدبيات الأصولية للمحافظين الأميركيين ، في الصراع مع أصولية القاعدة وابن لادن وبسبب التحالف المشين مع مشعوذي اليمين الإسرائيلي ، ومنهم من هو في حكومة أولمرت ومن هو على رأس هذه الحكومة ..
والقصد أن القليل هو ما تحقق خلال خمسة أعوام مقابل الكثير من الخسائر . والآن فإنهم في واشنطن يبحث عن حلول تقنية وإجرائية لمعضلة الوجود العسكري في العراق ،مع إبقاء الأفق السياسي على حاله وانغلاقه ، ومع الاستمرار في إدارة الأزمات الأخرى في المنطقة بدلاً من التقدم بشجاعة لحلها .
mdrimawi@yahoo.com