مدونة محمود الريماوي

« | »

مؤتمر الخريف

عن التكتم حول "مؤتمر الخريف"                  

                                      محمود الريماوي

قد يفاجأ كثيرون بأن التحضيرات المتكتمة لمؤتمر الخريف "الدولي " هي تحضيرات جدية ، وقد تنبثق عنها صيغ حلول تأخذ طريقها ولو تدريجياً نحو التنفيذ .لقد حدث مثل ذلك قبل أربعة عشر عاما حين تم التوصل إلى اتفاق إعلان المبادىء ( اتفاق أوسلو )  بينما كانت تجري مفاوضات علنية أخرى في واشنطن ! .والمهم أن ذلك الاتفاق وأيا كان الرأي فيه ، قد شكل تحولاً في مسار القضية الفلسطينية . فحتى معارضو الاتفاق  فإنهم تعاملوا مع تداعياته ، بل استثمروها ابتداء من "الجبهة الديمقراطية" التي شاركت في الحكومة السابقة للسلطة برئاسة اسماعيل هنية ، مروراً بالجبهة الشعبية التي خاضت الانتخابات الأخيرة وأوصلت نائبين يمثلانها للمجلس التشريعي ، وانتهاء بحماس التي شاركت في الانتخابات وشكلت حكومتين ، ثم في سيطرتها على قطاع غزة .

من الواضح أن صيغة السلطة وخاصة بعد تشظيها وازدواجيتها ، تبدو وقد استنفذت أغراضها كصيغة مؤقتة ، تعتمد الدعم الخارجي وإدارة الحياة المحلية . فقد تكاثرت مشكلاتها البنيوية والذاتية ، فضلاً عن استهداف الاحتلال لقدراتها ، وتعطل المجلس التشريعي المنتخب ، ولم تعد  هذه الصيغة توفر حلولاً  تذكر باستثناء توفير الرواتب وإبقاء  دورة الحياة الاقتصادية عند الحد الأدنى من الحركة ، مع فترات تقصر أو تطول من الشلل .

من هنا تتجه الأنظار نحو حل آخر ، يسهم في إقامة دولة أو كيان مع بسط الولاية التامة على السكان ، والمقيدة على الأرض ، بما يسمح بتفريغ العمق النفسي للقضية بعد وضعها على طريق الحل .ذلك هو مضمون رؤية "الدولتين " ، التي طرحها بوش قبل أكثر من خمس سنوات . وهو ما تتمسك به المجموعة الأوروبية ومعها روسيا ، دون معارضة الصين . وإذا ما أذن لهذا الحل بالمضي إلى الأمام ، فمن شأنه تفكيك اشتباك القضية الفلسطينية بتعقيدات المنطفة ، وتغذيتها لعوامل المواجهة هنا وهناك مع الولايات المتحدة الحليفة الدائمة لتل أبيب .

التسريبات لا تنقطع عن اتصالات فلسطينية مع أولمرت وحكومته . وعن تنسيق فلسطيني مع مصر والسعودية تحضيراً لمؤتمر الخريف ، والذي يفترض أن أسابيع معدودة تفصلنا عنه .

ومن آخر هذه التسريبات ما نشرته هارتس عن مباحثات تجري خول مبدأ دولة مؤقتة .وفيما قالت الصحيفة ان الجانب الفلسطيني ، وافق على المبدأ شريطة توفر ضمانات دولية بأن لا تتحول الحدود المؤقتة إلى حدود دائمة ، فقد سارعت رئاسة السلطة إلى نفي هذا الخير ، والتشديد على المطالبة بحل دائم .

يذكر هنا ان خريطة الطريق قد تضمنت بالفعل خل الدولة المؤقتة . غير أن الزمن قد تجاوز تلك الخريطة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ .

هناك إلى ذلك ما سربه وزراء مثل حاييم رامون وكذلك "الرئيس" شيمون بيريز ، عن حل يقوم على تبادل للأراضي . وهو ما سبقت إثارته في مفاوضات كامب ديفيد قبل نحو سبع سنوات ومعنى ذلك أن المفاوضات ، باتت تتناول أمورا جوهرية ذات صلة وثيقة بالوضع الدائم . ولا يعود مستبعداً في ضوء ذلك أن تُنضج الأسابيع القليلة المقبلة تصورات لحل .وهو ما سماه أولمرت في وقت سابق ب"إعلان مبادىء جديد " .وبعيدا عن التسميات فهناك مصالح متقاطعة وباستهدافات متعارضة ، تملي التقدم إلى الأمام نحو اجتراح حل . وهو ما تضغط باتجاهه الأطراف العربية والأوروبية والروسية  وذلك في سياق التمسك بمبادرة السلام الجماعية  وضرورة تفعيلها.

يقال الآن بين ما يقال عن هذه التحضيرات أنها تتم في ظل انقسام فلسطيني ، وأن من الأفضل تبعاً لذلك وقفها . والصحيح أنه يتعين وقف الانقسام وإزالة الأسباب ولظروف التي أدت إليه ، لا إدارة الظهر للتفاعلات والمستجدات الدولية .وقف الانقسام وذلك من أجل بلورة المشروع الوطني بأكبر قدر من الجهد الجماعي ، وبوضع المصالح والحقوق الوطنية قبل وفوق أي اعتبار .

من المهم رؤية الوقائع وممكناتها كما هي عليه . حماس ليست شريكة فقط في السلطة ، بل هي استحوذت على شطر منها .لكن مشروع أو صيغة السلطة ، هو في الأساس مشروع دولي وإقليمي ، علاوة على أنه ثمرة لكفاح وطني مديد وإن كانت هذه الحصيلة منقوصة . ولا يمكن في ضوء ذلك انتقاء التعامل مع النتائج واستثمارها ، مع تجاهل المقدمات بل المحددات . لا يعني ذلك ويجب أن لا يعني الخضوع للإرادة الدولية ، لكنه يعني أنه من غير الممكن التغاضي ، عن التبني والرعاية الدولية لهذا المشروع والقفز عنها ، والمطالبة بعدئذ بدعم العالم ومساندته .

من واجب الطرف الفلسطيني الإفادة القصوى من عثرات اتفاق أوسلو لتداركها ، وعدم الركون لأية نصوص مبهمة أو قابلة للتأويل، حتى لو اقترنت ب"ضمانات دولية ".فالطرف الآخر متخصص في ازدراء تلك الضمانات ، إذا ما تعارضت مع مصالحه التوسعية .وعليه أيضاً اعتبار ما تم التوقف عنده في مفاوضات كامب ديفيد وطابا ( آخر مفاوضات تمت في عهد الراحل ياسر عرفات ) نقطة تصلح للانطلاق منها .على أن يقترن هذا الجهد التفاوضي التحضيري ، بأوسع مشاركة ممكنة وفعلية من القوى السياسية في هذا الجهد ، وما يليه من مفاوضات"رسمية " فذلك هو الضمان لوحدة الموقف ولتحمل مسؤولية  المصير.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba