مدونة محمود الريماوي

« | »

العلمانية مشروع سلام اجتماعي

          العلمانية مشروع سلام اجتماعي

                                    محمود الريماوي

" العلمانية مشروع سلام اجتماعي ضروري لكل المجتمعات ، بما فيها المتدينة " . القائل ليس أكاديمياً أو رجل سياسي غربي ، ولا هو مفكر ليبرالي من العالم الثالث ، أو أحد قادة المؤسسة العسكرية في أنقرة .. بل الرئيس التركي الجديد عبدالله غول ، الذي أعلن عقب فوزه مساء الثلاثاء الأول من أمس ، أنه سوف يسارع لقطع صلته الحزبية بحزب العدالة والتنمية ، حيث ينص دستور بلاده على عدم حزبية رئيس البلاد .

وصف كثيرون علمانية حزب العدالة بأنه علمانية مؤمنة ، وهو وصف لا يجانبه الصواب .

والمقصود به الفصل بين الفضاء السياسي والانتماء الديني ، بحيث لا يتم تسييس الدين ولا تديين السياسة .ويتم خلال ذلك الاعتراف بخصوصية المجتمع المسلم ، وحقوق وواجبات سائر المواطنين  ، على أساس المواطنة وليس على أية قاعدة أخرى ، وعلى مدنية الدولة ، وعلى احترام الأديان  . وهو ما يفسر حيوية المجتمع الديني في دول علمانية ، ولكن مع تحريم المساس بالعقائد والمؤمنين وأماكن العبادة  وتحت طائلة العقوبات ، ومع التفاوت في تطبيق أو طريقة تطبيق هذه المعايير بين دولة وأخرى .

لقد كان لافتاً أن أصداء فوز غول كانت ايجابية ، ولم يتم حتى كتابة هذا التعليق رصد رد فعل سلبي لدى جهات وهيئات وشخصيات "معتبرة " . غير أن مثل هذه الردود ظهرت في تركيا نفسها ، حيث قاطعت المؤسسة العسكرية حفل انتقال رئاسة الدولة من الرئيس السابق نجدت سيزار إلى الرئيس الجديد عبدالله غول .وفعل ذلك أيضاً حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة (فاز مرشحه للرئاسة بسبعين صوتاً ) .وهو ما أثار مشاعر الحذر إزاء صعوبات محتملة أمام التعاون بين مؤسسات الدولة . غير أن التزامات غول السابقة وتعهداته العلنية بتكريس الديمقراطية وتوسيعها  والوقوف على الحياد بين الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية  ، تثير الاطمئنان بأن تغيرا دراماتيكياً لن يحدث ، ما دامت هناك تعهدات معلنة بالحفاظ على محددات الجمهورية والنظام ، وفي القلب منها السلام الاجتماعي واستقرار الدولة وحفظ المصالح العليا لوطن .

ولا شك الآن أن التفاعلات بين المؤسسات المتعددة : المحكمة الدستورية والقضاء عموما ، وقيادة الجيش والحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية ، هذه التفاعلات المرتقبة سوف تظل تثير فضول المراقبين ، علاوة على ملايين الأتراك . فهذه التجربة غير مسبوقة فيما تعتبره المؤسسة العسكرية تباعداً أيديولوجياً ، رغم التزامات الرئيس الجديد بأيديولوجية الدولة الأتاتوركية ( نسبة إلى المؤسس قبل ثمانين عاماً كمال أتاتورك ، الذي أنهى نظام الخلافة العثمانية ) .

الواضح أن استقرار هذا البد وتطوره يشكل مصلحة للمنطقة ، ولأوروبا وبقية الدول في عالمنا . وهو ما يدركه خير إدراك أصحاب القرار في أنقرة . نحن كعرب يعنينا نجاح هذه التجربة ، من أجل المضي على طريق البناء الديمقراطي ، وترشيد الأنظمة والمعارضات على السواء ، ومن أجل الإعلاء من قيمة السلم الاجتماعي ومعايير المواطنة . وفي سبيل صيرورة تركيا الجار الجغرافي والسياسي والحضاري ، نموذجاً إلى جانب دول العالم المتقدم يصلح لاستلهامه مع للجار من خصوصية مذكورة .

أما دور تركيا في ضمان السلم والعدل في منطقتنا فهو يستحق حديثاً مستقلاً ، خاصة أن هذه التطورات الداخلية فيها  تتم في الوقت الذي تعصف في المنطقة المخاوف من استشراء التوترات ، بفضل جموح السياسة الأميركية الخارجية ، والعنف الأعمى لدى جماعات أصولية وغير أصولية .

                                                                                            mdrimawi@yahoo.com

 

 

          

تعليقات

Comment Icon

كل الحق ما قلت ...
تقبل تقديري .

Arrow Icon ورقة مطوية | 31/08/2007, 06:16 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba