29 آب, 2007
إنسوا أن القدس محتلة ! محمود الريماوي
اكتشف الاسرائيليون أن مدينة القدس وبالذات الشطر الشرقي منها هي مدينة أديان ، وهي كذلك بالفعل ، لكنهم يريدون بتغليب الطابع الديني على ما عداه ، طمس الجانب السياسي المتعلق باحتلال ذلك الجزء من بيت المقدس ، ووجوب إعادته إلى أصحابه في أية تسوية . ويريدون كذلك صرف الأنظار عن التهويد القسري للمدينة ، بإحلال مستوطنين والتضييق على أبناء المدينة من مسلمين ومسيحيين ، لدفعهم دفعاً نحو المغادرة وهو ما تم بالفعل خلال العقود الأربعة ، وخاصة في الفترة التي تولى فيها إيهود اولمرت عمدة المدينة المحتلة .
هناك مسودة لإعلان مبادىء جرى تسريبها تمهيداً لمؤتمر الخريف "الدولي " ، ويفيد الإعلان أن الإسرائيليين يرغبون في النظر إلى القدس كمدينة أديان فحسب . أما السيادة عليها فليست معلومة ، لكن واقع الحال على الأرض يفيد أن المحتلين يبدون إعجاباً بالغاً بالمدينة ويريدون جعلها عاصمة لكيانهم اليهودي ، وتشديد الخناق على كل ما هو غير يهودي فيها من بشر وحجر ومؤسسات ومعالم .
وحتى في الإطار الديني المحض مع صعوبة فصله عن المحتوى السياسي ، فإن سلطة الاحتلال ماضية في الحفر حول أساسات المسجد الأقصى . وبالنسبة لهم فإن المسجد غير موجود .الموجود فقط هو "الهيكل الضائع" منذ قرون تحت الأساسات ، ولا يعنيهم مدى الأضرار التي تلحق بالمسجد في مدينة الأديان !.
لقد تأسرلت المدينة المقدسة بالسطو والسطوة المسلحة ، وبإرهاب السلطة وقطعان المستوطنين الوافدين من وراء البحار إلى أرض تنكر وجودهم الغريب . ترمي المسودة الإسرائيلية لإدامة الاستيلاء وشرعنته ، باسم الحرص المفاجىء على الأديان ، فيما يقوم الخطاب الصهيوني السياسي والعقائدي ، على ازدراء كل ما هو غير يهودي ولدرجة إنكار وجوده .
من المهم بطبيعة الحال رفض هذا الطرح المقيت ، والتشديد على أن القدس جزء لا يتجزأ من الأرض المحتلة في العام 1967، وأن خصوصية المدينة المقدسة لا تجيز التلاعب بالعقول والحقائق ، بل على العكس فإن هذه الخصوصية تملي بصورة أكبر احترام العدالة والقانون ، وشمولهما لواقع المدينة ومستقبلها .
إن المؤدى الفعلي لما ورد في هذه المسودة ، هو أن تتمتع سلطة الاحتلال ب"حق " منع ابناء المدينة من المسلمين والمسيحيين ، أو السماح لهم بالصلاة في دور عبادتهم ، وفق الاشتراطات التي تراها مناسبة للوصول إلى مدينة الأديان وأداء الشعائر الدينية فيها . أما السلطة والسيطرة والسيادة فتبقى ، بأيدي من قاموا باحتلال المدينة في السابع من حزيران عام 1967 .. بهذه الطريقة يكافىء المعتدون أنفسهم ، ويطلبون من المعتدى عليهم التسليم بهذا المنطق "الروحاني" السديد .
ولعلها المرة الأولى التي يعمد فيها اسرائيليون ، لطرح مشروع سياسي للحل يتضمن دوام الاستيلاء على الشطر الشرقي من المدينة وإقصاء أصحابها، عنها ، بما يشكل تتويجاً بل استئنافاً لحرب غير مقدسة ، تواصلت ضد المدينة وأهلها ومقدساتها على مدى أربعة عقود ، وعلى مرأى من العالم الإسلامي والمسيحي .
من المحظور فلسطينياً التعاطي مع هذا الطرح المتعلق ببيت المقدس . أما الدول والهيئات الإسلامية والمسيحية ، فيتعين عليها أن تجد ما تقوله وتفعله ، إزاء ما تطرحه الأصولية اليهودية التوسعية ممثلة بحكومة أولمرت . أو تعترف بأنه ليس لديها ما تقوله وتفعله .
mdrimawi@yahoo.com