27 آب, 2007
حزب العدالة "يستأثر" بالحكم !
محمود الريماوي
حتى لو لم ينل وزير الخارجية التركي عبدالله غول الأصوات المطلوبة للفوز في الجولة الثالثة من الانتخابات الرئاسية التي تجري في الثامن العشرين من الشهر الجاري ، فالثابت انه هو الفائز دون سواه ، فقد حقق منافس له من حزب الشعب الجمهوري سبعين صوتاً ، بنما نال مرشح آخر لليسار 14 صوتاً .
لا منافس لغول ، إذن فإن النجاح حليفه . يدلل ذلك بين ما يدلل عليه ، على أن النخب السياسية والحزبية وبالذات رموزها "التاريخية " ، غير مؤهلة لا للفوز بل لمجرد التنافس . وهو ما أفسح الطريق ومهدها أمام صعود حزب العدالة والتنمية منذ خمس سنوات . ولحسن الطالع فإن الحزب ذو الجذور الإسلامية هو حزب عصري يحترم علمانية الدولة وتعددية المجتمع ، ويتطلع لانضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي ، أحد أكثر الصيغ الاتحادية تقدما في عالمنا ، وأغناها في النهوض السياسي والاقتصادي والثقافي .
ومع اقتراب غول من الرئاسة ، فإن واقعاً سياسياً غير مسبوق ينشأ في بلاد الأناضول .فثمة حزب واحد هو حزب العدالة ، على وشك تسنم ثلاثة من أعلى أربعة مواقع الدولة : رئاسة الجمهورية ، رئاسة الحكومة ، رئاسة البرلمان . أما الموقع الرابع فهو لقيادة الجيش .
كان القوميون والعلمانيون يستحوذون من قبل على هذه المواقع ، غير أنهم كانوا ينتمون لتيارات سياسية وحزبية شتى .ولو لم يكن في مخيلة أو مخيال أحد أن حزباً واحداً حديث النشأة ، سوف يحقق مثل هذا الصعود وهذا "الاحتكار" ، لأعلى المناصب في جمهورية أتاتورك . مع ملاحظة أن صلاحيات رئيس الدولة قابلة للزيادة وخاصة مع تمتع حزب العدالة بأغلبية مريحة في البرلمان . وسوف تشمل هذه الزيادة تعيين الرئيس لرؤساء الجامعات ، وقد بدأ الآن الحديث عن تغييرات تسمح لطالبات الجامعات باستخدام أية ملابس ملائمة ، والمقصود السماح بارتداء الحجاب .
وربما يروق البعض اعتبار أن هذا التطور المرتقب هو الأهم ، في عهد رجب طيب أردوغان وعبدالله غول !. غير أن الأكثر أهمية بالفعل هو أن حزباً واحداً ، سيقود السلطتين التنفيذية والتشريعية ، إضافة للرئاسة الأعلى . وهي نتائج حققها هذا الحزب برصيد شعبي وبسلوك سياسي رصين ، دون أن تتملكه شهوة انقلاب أو تبدو على زعاماته مخايل محدثي النعمة ، كما هو حال انقلابيين إسلاميين جدد في منطقتنا .
والخشية الآن وحتى قبل فوز غول دستورياً ورسمياً ، أن ينوء هذا الحزب بانتصاره ، وأن يقضم بوعي أو دون وعي من رصيده . فالمشكلة البنيوية الماثلة ، أن التعددية السياسية والحزبية باتت شبه مطموسة ، مع واقع التمثيل الأحادي لحزب العدالة . ومن اقترح على غول وحزبه أن يتم اختيار رئيس توافقي غير حزبي ، لم يجانبه الصواب . فالهدف هو الحفاظ على الصيغة التعددية والإعلاء من شأنها ، باعتبارها من القسمات الراسخة للدولة الديمقراطية . ويعلم غول أن النخب والفاعلين السياسيين والاقتصاديين هم ذو أغلبية علمانية وقومية ، ناهيك عن المنظمات والهيئات الاجتماعية ، وعن الناشطين في حقول الجامعات والإعلام والثقافة والفنون .
غير أن أحداً لا يماري بعدئذ أن الآليات الديمقراطية والدستورية ، قد جرى اعتمادها واحترامها في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه . يبقى أن يغالب حزب العدالة أي هوى أو ضغوط داخلية من أجل الاحتكار ، وادعاء النطق الأحادي باسم أكثر من سبعين مليون تركي ، متعددي المذاهب والمشارب والأعراق ولكنهم يستظلون بمرجعيات دستورية مشتركة .
شكراً على هذه المقالة المفيدة و المليئة بالتفاصيل, أشكرك.