27 آب, 2007
حكمة الرجل الثمانيني !
محمود الريماوي
يزعم شيمون بيريز رئيس دولة الاحتلال ، أن زعماء عرباً لا تقيم بلادهم علاقات مع تل أبيب ، قد اتصلوا به مهنئين باختياره رئيسا للدولة . قد يكون في الأمر بعض صحة وقد لا يكون . لكن وبالنظر إلى ذمة بيريز الواسعة ، فإن المرء يميل لترجيح الإحتمال الثاني .والواقعة المزعومة التي رواها للجزيرة ( وهي القناة العربية المفضلة لبيريز ) تعيد إلى الأذهان تلك الحكاية المأثورة ، التي تقول إن خبيثاً صادف اثنين من العميان ، يقفان متجاورين على قارعة طريق . وقد تقدم من أحدهما وخاطبه بصوت مرتفع قائلاُ : هاك عشرة دنانير ، ولتقسمها بينك وبين رفيقك . وقد غادر سريعاً وبالطبع دون أن يمنح مخاطبه شيئاً . لكنه أشغل الرجلين في التشاحن ، حول النقود المزعومة التي لم تجر قسمتهما بينهما .
يتمتع الزعماء العرب بنظر حاد ، ويغدقون على غيرهم . لكن بيريز يريد بروايته هذه ، إثارة شكوك كل زعيم عربي تجاه الزعيم الآخر بأنه من اتصل . ورغم صعوبة التأكد من الواقعة المزعومة ، فإنه يكفي الرجل الدمث بيريز إثارة الشكوك والريبة بين من يتحدث عنهم . ثم التشجيع من طرف خفي على التطبيع ، فما دام هناك زعماء آخرون يمضون في هذا الطريق ، فماذا يمنع سلوك الطريق نفسه ؟ .
هذه هي رسالة السلام التي يحملها هذا الرجل ، المتخصص في التلاعب بالحقائق والألفاظ . إنه ركن بارز من أركان الدولة ، التي ما زالت تحتل أراضي الغير منذ أربعين عاماً ، وتنكر على شعب كامل حقه في الحرية والاستقلال على أرضه المحتلة عام 1967 ، وتقوم بالتنكيل به ليل نهار وعلى مدار الساعة .
وبدلاً من المضي على الطريق المؤدي للسلام الفعلي ، بتطبيق القرارات الدولية وإنهاء الاحتلال الاستيطاني والعسكري البغيض وضمان الأمن للجميع ، بدلاً من ذلك فإنه يطلق الأعيبه اللفظية ، عن اندفاع زعماء عرب للتطبيع مع دولة الاحتلال وقبل أن تنهي احتلالها لأراضي الغير .
ولا يكتفي صاحب المشروع النووي الإسرائيلي بذلك فهو يطلق في مقابلته عبر "الجزيرة"، دعوة للأردن للتخلي عن السعوديين على حد تعبيره ! والمقصود البترول السعودي .وذلك بالعمل على الإفادة من الخبرة الإسرائيلية ، في مجال استثمار الطاقة الشمسية . فإذا كانت هذه الطاقة تغني عن طاقة البترول ، فلماذا تستورد تل أبيب نفطاً وغازاً من مصر و من دول أخرى ؟ .
المقصود مرة أخرى هو محاولة طمس الطابع التوسعي للدولة ، التي يقف هذا الرجل الثمانيني على رأسها . فلدى هذه الدولة ما تعطيه من أمور خارقة ، ومن الأفضل نسيان نشأة هذه الدولة وأين نشأت ، وما هو سلوكها الذي لم تنقطع عنه. وقد شبه موشي دايان ذات مرة السلوك المطلوب اتباعه من الدولة العبرية ، بسلوك " كلب مسعور يحرص الجميع على تجنبه" " . وللأسف فقد تم التقيد بهذه الوصية حتى قبل أن يطلقها صاحبها . وفي هذه الأثناء ينثر صاحب مجزرة قانا ، الوعود الوردية حول آفاق السلام . السلام الذي يحتفظ فيه اللصوص بالمسروقات ، وينكرون على الشعب الآخر حقه في بعض أرضه التاريخية ، بل حقه في الحياة .
لقد كان بيريز أحد عرابي اتفاق أوسلو . وبينما دفع رابين حياته ثمناً لتمسكه بهذا الاتفاق ، فقد سارع شريكه بيريز للتنصل من الاتفاق وأيد شارون ثم أولمرت في تقويض الاتفاق ، وهو أول مشروع سلمي بين الأعداء التاريخيين . لكن الرجل بارع للحق وكما وصفه مرة أحد الزعماء العرب ، بإشاعة انطباع بأنه صادق في كذبه ..
mdrimawi@yahoo.com