26 آب, 2007
"لتأخذ المخيلة مداها" ! محمود الريماوي
تبشر المعارضة اللبنانية بحكومة ثانية وربما برئيس ثانٍ للبلد . ليس ذلك على شذوذه ، بأمر مستغرب . فحزب الله يدير مناطق خاصة به في الجنوب وفي العاصمة بل في قلب العاصمة ، ويقال إن من لا يريد دفع فواتير الكهرباء والهاتف والماء في تلك المناطق ، فبوسعه الامتناع عن الدفع و"تحت حماية المقاومة" .
تجد الأزمة في لبنان أحد جذورها في إنكار الشرعية البرلمانية والدستورية . وهم لذلك يسخرون من الأكثرية النيابية (التي استهدف أفراد منها بالاغتيال )، وقد بلغت السخرية مداها في قيام رئيس المجلس النيابي بإغلاق المجلس النيابي ، حتى لا "يتذرع "أحد بأكثرية وأقلية ! . ما تفعله حماس في غزة شديد الشبه بأطروحات المعارضة اللبنانية . إنهم لا يعترفون بشرعية سابقة عليهم . خالد مشعل يقول في واحد من أحدث تصريحاته إنهم لم يأحذوا غزة فهي لهم في الأصل ( وفي ذلك خطوة متقدمة على طريق تقسيم الناس بعد الأرض بين غزاويين وغيرهم ) وهو يأخذ على السلطة أنها انقلابية ! .فقد كان يتعين على الشعب أن لا يحرك ساكناً منذ العام 1965 بانتظار انبلاج فجر حماس في العام 1987 ،وإلى أن يشتد عود سامي أبو زهري . وبما أن الشعب أطلق حركة وطنية عارمة أدت لقيام منظمة التحرير ، فذلك لا شك أنه بمثابة انقلاب مسبق على الحركة التي لم تكن قد رأت النور ، وكان الجماعة في الأثناء ينكرون على الشهداء شهادتهم . فازت حماس في الانتخابات ، لكن ذلك لم يشف غليلها ، فعمدت الى تضميخ فوزها بالدم ، وأردفت المنافسة السلمية بانقلاب يستعيد مأثور الانقلابات العربية ، وهو ما كان "ينقص " الشعب في كفاحه لإنهاء الاحتلال.
يُراد في لبنان أن تكون هناك حكومتان تقوضان وحدة البلد والشعب والكيان ، وتعرض الحكومة الثانية الحوار وربما التفاوض مع الحكومة الأولى الشرعية ، تماماً كما فعلت حماس في حركتها "المباركة ". ففي غزة الحكومة السابقة المقالة "تمارس مهامها " بعد أن غادرها الوزراء السابقون ممن لا ينتمون لحماس . ينكر هنية على عباس أن يكون للأخير الحق في إقالته ، بينما بارك هنية من قبل لعباس نفسه ، تكليفه له لهنية بتشكيل حكومة . إنها الذرائعية في أحد أكثر أشكالها تجريبية وفجاجة .
قبل أيام كانت تعقد ندوة لجماعة الإخوان في الكرك ، تحدث فيها زميلان إضافة الى "صقر من صقور حماس " من غزة على الهاتف ، على حد تعبير مقدم الندوة .كان المقدم يسأل عن استهداف حماس وعما إذا كان ما حدث في غزة قابلاً للتكرار في الضفة الغربية . الهواجس الفئوية تطبق على المقدم ، فليس الشعب هو من يستحق الانشغال بواقعه وحقوقه ومصيره ، ولا الأرض المأسورة بل الحركة المباركة حصراً ، مع تمنيات مكتومة ومنتشية وتكاد تكون غير مضمرة ، بتكرار ما حدث فتكون الحركة قد أتمت قسطها للعلى ، بتكريس مبدأ الاقتتال واعتماد النهج الانقلابي طريقاً ، لكي يتحرر الشعب من حصيلة كفاحه الطويل .
في لبنان يهددون بعصيان مدني أو بسواه ، وحيث يجب أن " تأخذ المخيلة مداها " ، كما قال "صقر من صقور المعارضة " هو العماد ميشال عون ، الذي يرى بتواضع جم أنه الوحيد المؤهل بين ملايين اللبنانيين ، للوصول إلى سدة الرئاسة والذي يجب أن يبلغها ، وإلا فلتأخذ المخيلة مداها في توقع ما يمكن أن يحدث !.
كل ذلك يتم تحت راية المقاومة ، ومقاومة المحتل لا شك براء من هذه المطامح الجشعة للسلطة في لبنان كما في غزة ، والتي تهدد السلم الأهلي في الصميم ، وتقوض السنن الشرعية والدستورية .
mdrimawi@yahoo.com