25 آب, 2007
استهداف أقليات و..أكثريات!
محمود الريماوي
من حسن الطالع والتدبير أن المذبحة التي تعرض لها الأزيديون في العراق الثلاثاء الماضي 14 آب الجاري ، قد لاقت استنكارا من جهات عراقية عدة منها هيئة علماء السنة ، إضافة ألى هيئات عربية ودولية مثل هيئة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية .لن تؤدي مواقف الشجب هذه الى محو آثار هذه المذبحة التي سقط فيها خمسمائة قتيل ، غير أنها ترفع الغطاء على الأقل عن هذه الارتكابات الفظيعة التي لا سابق لها ، في تاريخ العراق والعالم العربي ، والتي هي أقرب ما تكون الى حملة إبادة سوداء .
لم يعرف عن أبناء تلك الطائفة التعرض للنظام العام ، أو لغيرهم من الجماعات والأفراد ، بما ذلك أتباع الطوائف والديانات الأخرى . ولم يعرف عنهم أنهم شكلوا ميليشيا خاصة بهم وحملوا سلاحاً بوجه أحد ، أو حتى أنهم نظموا أنفسهم في حزب كبقية الطوائف والجماعات الأهلية . ورغم ذلك فقد تم استهدافهم وتشديد النكير عليهم ، بغير تمييز بين رجال ونساء وأطفال ، وذلك من طرف من يوزعون صكوك الإيمان والتكفير ، ومن يناصبون العداء أبناء دينهم الحنيف ، بالقدر الذي يستهدفون فيه أتباع الديات الأخرى ، ومن يقرنون ادعاءاتهم تلك باقتراف شتى أنواع الجرائم ضد الأبرياء .
ومع مواقف الإدانة التي سبقت الإشارة إليها ، فلا شك أن هذه الواقعة المروعة تستحق أن تفتح الأعين والمدارك ،على مدى الكارثة التي تحيق بالعراق والعراقيين ، وعلى حجم الخطر الذي يتهدد مجتمعات ودول المنطقة في حال استشرى وجود مثل تلك الجماعات أو جرى استخدامهم من قبل أطراف أخرى لغايات سياسية ضيقة . فجملة والإبادة والتطهير جاوزت كل حد ، ولم تعد تتغطى بمزاعم سياسية ووطنية أو إيمانية وما شاكلها .
لقد عاشت الأقلية المذكورة بأمن وسلام في مختلف الحقب والعهود الإسلامية ، وفي بلد أكثرية أهله مسلمون ، وقد لحقهم ما أصاب غيرهم في مراحل العسف ، غير أنه لم يتم من قبل استهدافهم كطائفة أو أقلية . ولا ريب أن الفعلة ومن وراءهم بجريمتهم هذه قد حققوا قصب السبق ، وتبوؤا موقع الريادة في إطلاق هذا الصراع الدموي المقيت ، الذي يستلهم صفحات سوداء من قرون غابرة في تاريخ البشرية ، ويستهدف طوائف وأقوام بعينها ، بما يهدد مكتسبات المجتمعات وأهمها الروابط الإنسانية والعيش المشترك والإخاء الوطني ، واحترام حرمة الحياة البشرية والاحتكام إلى قانون عام ، حتى لو لم يكن عادلاً العدل كله .
لقد بلغ وضع بلاد الرافدين من السوء ، بحيث باتت جريمة جماعية نكراء كهذه ، تمر كحدث إعلامي يتصدر المنابر ويستحق الاهتمام به ليوم واحد ، بانتظار المزيد من كوارث أخرى . وهو " إنجاز " اجترحه القتلة الذين رفعوا الجرائم إلى مصاف التطورات الروتينية ، وتم فيه تصنيف البشر من مختلف الملل والنحل ، كأرقام من القتلى أو المصابين والمشردين على لوائح المشفيات وغيرها من الهيئات ، أو كمرشحين للاستهداف الأعمى في دورة جهنمية .
ومن الواضح أن هذه الممارسات الشائنة ، ترمي بعدئذ الى إغلاق كل السبل أمام أية حلول ومخارج من أي نوع للمعضلة القائمة ، ويرمي مرتكبوها ومخططوها إلى إحكام طوق العزلة على العراقيين في وطنهم المدمى ، وذلك بالإيحاء أن لا حلولاً داخلية ولا خارجية ، ما دامت هناك رمال ملتهبة متحركة لا يصمد عليها بشر ولا حجر .
ومن اللافت أن هذه التطورات المأساوية تحدث ، وحكومة المالكي منشغلة بمهام "جسام" من قبيل إعلان التحالف بين من هم متحالفون في الأصل ، وهم حزبا الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والحزبان الكرديان ! . وكأن هذا "الخبر" يستحق اسمه وصفته هذه . فواقع الحال أن هذه الحكومة ، عجزت عن إقامة شراكة سياسية مع بقية المكونات ، فلم تجد من جديد تأتي به سوى تجديد التحالف الرباعي ، والذي وصل في ظله ومع آليات عمله ، ما وصل إليه الوضع في العراق العزيز .
ويعلم القاصي والداني أن لا معالجات أمنية في هذا البلد ، بغير حلول سياسية وطنية وجامعة. هذه الحلول الغائبة حتى الآن ، هي التي ترفع في حال ارسائها ، الغطاء نهائياً عن القتلة .. كل القتلة . وهي التي تضع حداً لحكم الميليشيات، وقوى الأمر الواقع على اختلافها وتضاربها. وهي التي يتعين أن تكفل خلال ذلك استعادة السيادة والاستقلال ، ورؤية نهاية لوجود قوات الاحتلال والمرتزقة الأجانب وتنظيم القاعدة .غير أن الحكومة منشغلة عن ذلك في رص صفوفها وإدامة وجودها، أمام بقية الكتل والتيارات السياسية : ابتداء بالتيار الصدري مروراً بالكتلة العراقية ( إياد علاوي ) وحزب الفضيلة ، وليس انتهاء بجبهة التوافق والحزب الإسلامي وهيئة علماء المسلمين ، ناهيك بالأحزاب اليسارية والقومية والعلمانية .
هذا التقلص المتزايد في التمثيل والتعبير السياسي ، هو الذي بفضي إلى جانب عوامل ودوافع أخرى ، إلى الإنفلاش الأمني وتكاثر الجماعات المسلحة بل الجيوش ، على مختلف مسمياتها واختلاط راياتها . وهو ما يعكس هذه الصورة الكئيبة والتعيسة للواقع العراقي ، من قبيل الانغماس في تطهير عرقي وديني ، والمضي في وضع حد للتعدد الاجتماعي والتقافي باستهداف الأقليات في هذا البلد ، جنباً إلى جنب مع استهداف أكثريات ، وكل ذلك لمصلحة "فرقة ناجية " واحدة .. وكل منهم يزعم الانتساب دون غيره لتلك الفرقة !. والحصيلة هي تناحر أفقي لا حدود لعقابيله .