21 آب, 2007
هل الغلاء قدر لا راد له ؟
محمود الريماوي
لعل أكبر ما يجمع الأردنيين هذه الأيام هو الشكوى من الغلاء . فحتى الميسورون يشكون من ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي يستخدمونها . غير أن الاهتمام ينبغي أن يتجه إلى الشرائح العريضة الضعيفة أو من متوسطي الحال .فهناك انعكاس مباشر لهذه الحالة ليس فقط على توفير المتطلبات والحاجات الأساسية ، بل كذلك على السلوك الفردي ومنظومة القيم كالروابط العائلية والنظرة إلى العمل والحاجة لزيادة الدخل من أي الطرق .
لا بد في النهاية من التدخل الحكومي لأجل حماية النسيج الاجتماعي ،بالربط بين سلم الأجور والرواتب وتكاليف المعيشة .حتى لا يتحول الغلاء إلى قدر لا راد له ، وتتوطن تبعاً لذلك قيم تدبير الحال والشاطر بشطارته ومقولات غضب السماء على الناس وسواها .
فلئن كانت موارد الحكومة مهما اتسعت فإنها تظل محدودة ، قياساً إلى حجم الإنفاق من مشاريع وخدمات ورواتب وأجور وزيادة السكان ، كذلك فإنه يتعين الأخذ في الاعتبار أن موارد الناس محدودة أيضاً ، وأن من لا يتمكن من الوفاء باحتياجاته قد يتعرض لما لا يحمد عقباه ( كما في حالة العجز عن سداد قرض بنكي مثلاً مهما كانت قيمة القرض ) .
ولئن كان الغلاء عالمياً كما يردد الخاصة والعامة وكما في ارتفاع أسعار البترول ، فإنه لا بد تبعا لذلك من الأخذ بما تعمد اليه الدول الأخرى خاصة المتقدمة منها ، في تطويق الغلاء وحتى لا ينذر هذا الواقع بأزمات اجتماعية حادة . وللإنصاف فإن الدولة اتخذت خطوات عديدة في هذا الاتجاه بدءا من صندوق المعونة الوطنية إلى إنشاء المؤسسات التي تدعم المشاريع الصغيرة إلى بناء المساكن بشروط ميسرة لذوي الدخل المحدود . علما بأنه لا يمكن التشبه في هذا المجال بالدول الغنية كالدول الخليجية وسواها .غير أنه يمكن الإفادة من تجارب الدول الأخرى بحيث لا يدفع الفقراء أكثر من غيرهم ـ وهم بالكاد يملكون شيئا ـ تبعات التحول المتزايد الى السوق الرأسمالي الكامل الذي يشمل مختلف الخدمات . ومن أوجه الإفادة الاقتداء بما تفعله بعض الدول بربط سلم الأجور والرواتب بمتغيرات تكاليف المعيشة .
لقد أقرت الحكومات المتعاقبة بهذا المنطق مع وضع حد أدنى للأجور ، ومراجعة هذا الحد بين فترة وأخرى , المطلوب هو التمسك بهذا المنطق ابتداء ، ثم الشروع في وضع آليات لهذا الربط المطلوب حتى لا تسود قناعات بأنه لا سقف ولا نهاية لمسلسل الغلاء ، الذي تنتشر حلقاته كما ينتشر الوباء بالعدوى أو بمجرد السمع به .
يكاد لسان حال الأردنيين جميعا ينطق بأن الدنيا قد تغيرت، فبات الفقير يكافح للبقاء على قيد الحياة ، مع اتساع دائرة الفقراء .وهذا الانطباع صحيح مع الاستدراك بأن حاجات الناس تنوعت وازدادت ، وفي الحصيلة ارتفع مستوى الحياة حتى بالنسبة للشرائح الضعيفة .في زمن مضى بل وقبل عقدين فقط ،كان اقتناء التلفزيون يحتسب من الكماليات لدى الفقراء فبات أساسياً في كل بيت ، وكذلك الموبايل وحتى الانترنت الذي يتم استخدامه خارج البيت ، وقس على ذلك السلع والأدوات التي تكثر حيازتها ويكثر استخدامها طردياً ، مع تحسن مستوى الدخل .
الإحساس بالفقر وهو واقع حقيقي لا متوهم ، يرتبط أيضا بارتفاع مستوى الوعي ، والاطلاع على ما يجري في العالم من حولنا وعقد المقارنات ، وخاصة لدى الشبان ومن هم في سن العمل ، فإما أنهم لا يتابعون تطوير قدراتهم الذاتية من أجل الحصول على فرص عمل إضافية أو مختلفة ، أو أنهم لا يتوفرون على فرص العمل رغم تحسن إمكانياتهم ، وهم ممن يقيمون على أطراف العاصمة وخارج المدن الكبيرة ، مما يملي أخذ واقع الشرائح الضعيفة في الاعتبار أولاً قبل أية فئة أخرى .
mdrimawi@yahoo.com