مدونة محمود الريماوي

« | »

عن التباعد بين الرياض ودمشق

عن التباعد بين الرياض ودمشق

                            محمود الريماوي           

الفتور الذي "تطور" الى تباعد متزايد بين الرياض ودمشق ، يؤشر إلى ما يشبه التحول في الحياة السياسية العربية والنظام العربي . ليس الفتور جديدا بل يعود لأكثر من سنتين .وقد نشأ على خلفية الوضع في لبنان . وليس سراً أن الرياض هي التي أقنعت المسؤولين السوريين بسحب القوات السورية من لبنان ،بعد تواجد دام لنحو ثلاثة عقود  .

وفي واقع الأمر أن دمشق انتظرت بعدئذ تطورا لعلاقاتها مع الرياض  ، وهذه العلاقات لم تكن سيئة بل جيدة . أما الرياض فكانت تتوقع انحسار النفوذ السوري في لبنان .وكلا الأمرين لم يحدثا فدب الفتور في العلاقات ، التي شهدت أفضل حالاتها بعد اجتياح النظام العراقي السابق للكويت والمشاركة معا في الحرب ثم توقيع" إعلان دمشق"  الذي ضم دول الخليج زائد مصر وسوريا .فيما كانت دمشق تتحدث باستمرار آنذاك ، عن مثلث مصري سعودي سوري .

غير أنه في تلك الفترة بل في مرحلة سابقة ، وعلى إيقاع الحرب العراقية الإيرانية كانت تنمو باستمرار علاقة خاصة ومتشعبة بين دمشق وطهران .وهي العلاقة التي دأب المسؤولون في العاصمتين ، في السنوات القليلة الماضية على وصفها بالاستراتيجية . وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى الرياض وخاصة مع صعود جناح المتشددين في طهران وفوز الرئيس أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية ( بالمناسبة محافظون متشددون في إيران ، يطالبون هذه الأيام بمحاكمة الرئيس السابق خاتمي ) .

يلاحظ خلال ذلك أن علاقات الرياض بطهران قد تحسنت ، وقد تم التغلب على مشكلات مهمة خاصة تلك التي تنشأ في موسم الحج . ومنذ أكثر من عام تتعاون الرياض مع طهران لتطويق الأزمة اللبنانية . والرسالة السعودية في هذا المجال واضحة : لا بأس بل لا بد من إقامة علاقات حسنة مع الجار الإيراني ، شريطة أن لا تتقدم العلاقات مع الجار على العلاقات والالتزامات العربية  .

هذا وجه رئيس بل محوري ، في الخلاف الذي بات علنياً بين الرياض ودمشق . الأخيرة من جانبها  تتحدث عن ضغوط غربية متواصلة : أميركية أساساً عليها ، وأن العالم العربي لا يفعل الكثير أو حتى القليل لرفع هذه الضغوط . أما الرياض فترى كما تنبىء مواقف مسؤوليها أنه لا بد من تحسين علاقات بدمشق بالأطراف العربية ، كيما يكون ممكنا مواجهة الضغوط على هذا البد العربي أو ذاك . وفي رأي الرياض كما اومأ المصدر الرسمي السعودي في تعقيبه على نائب الرئيس السوري ، أنه لا بد وقف محاولات النفوذ على الأطراف اللبنانية والفلسطينية والعراقية ، كيما يمكن إعادة بناء العلاقات مع دمشق ، وقد صيغ هذا الموقف بعبارة أقسى في الرد السعودي .

وفي النتيجة فقد تكرست وإلى إشعار آخر حالة التباعد  .وهو ما سيكون له انعكاساته التي تتعدى حدود العاصمتين .فللملكة العربية السعودية كلمة مسموعة داخل مجلس التعاون الخليجي بدوله الست ، وقد دأب هذا المجلس على اتخاذ مواقف جماعية حيال القضايا ذات الأهمية .. كما تتمتع الرياض بعلاقات وثيقة مع سائر الدول العربية والإسلامية . بينما تحظى دمشق بعلاقات وثيقة مع طهران ، وجيدة مع السودان واليمن وليبيا ، وبعلاقات خاصة مع   حزب الله ( وأطراف لبنانية عدة ) ومع حركة حماس .

لن يكون مقدوراً في الأمد القريب التجسير بين البلدين ، وذلك لتباعد الرؤى بينهما والذي يكاد يلامس الاختلاف في الاستراتيجيات .والراجح أن التطورات السياسية في المنطقة من هنا حتى نهاية العام الجاري ، والمواقف العملية  التي ستتخذ بشأن هذه التطورات والنتائج التي ستسفر عنها : مؤتمر السلام المزمع في الخريف ، جنباً إلى جنب مع احتمالات المواجهة ، وانتخابات الرئاسة اللبنانية ونتائج التحقيق في مقتل الحريري ، هي ما سيؤثر أولاً على العلاقات بين الجانبين إيجاباً أو سلباً .

         

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba