19 آب, 2007
احترام حق العودة دليل اعتدال
محمود الريماوي
تعود قضية اللاجئين مجددا الى الواجهة مع تواتر الأنباء عن اتصالات فلسطينية إسرائيلية "سرية "تمهد لاستئناف التفاوض . محاولة ممارسة ضغوط تتجدد بدورها على السنة ساسة ومعلقين كثر في تل أبيب ، الجامع المشترك في ما يتناولونه : إن إثارة هذه القضية والتمسك بحلها في إطار الشرعية الدولية ، هو تطرف وليس أقل من ذلك . والمتطرف في هذه الحالة هو محمود عباس . أما الاعتدال فيقضي بالنسبة لهؤلاء التنازل عن حق عودة مشردين إلى ديارهم .
المسوغات التي تساق لطي هذا الملف أن الدولة الموعودة هي دولة الفلسطينيين ، والمشردون من هؤلاء يعودون إذا أتيحت لهم العودة إلى أراضي تلك الدولة ،لا إلى الدولة الإسرائيلية . إنه منطق شكلي يبدو مقبولا للوهلة الأولى .غير ان نظرة ثانية تكشف عن فساد هذا المنطق .فالتسوية المطروحة يفترض أنها تاريخية تعالج جميع جوانب الصراع ، بما في ذلك جذوره ومقدماته الأولى ، والتي تعود كما يروق لإسرائيليين القول إلى مائة عام على الأقل .ما دام الأمر كذلك وبما أن التسوية المطروحة تعيد للفلسطينيين 22 بالمئة فقط من فلسطين الانتدابية ،وما دامت هذه التسوية تقفز عن قرار التقسيم لعام 1947 الذي قضى بدولتين عربية ويهودية متقاربتي المساحة ، عليه فإنه لا بد من تدارك ذلك بعودة مشردين إلى ديارهم وديار آبائهم وأجدادهم ، علماً أنهم يعودون في هذه الحالة إلى الدولة الاسرائيلية .وثمة قرار بعودتهم وتعويضهم هو القرار 181 .
وأكثر من ذلك فإن مبادرة السلام العربية تتحدث عن حل عادل وواقعي كما كان الحال في وثقة جنيف ، فيتم بذلك أخذ المحاذير وحتى المبالغات الإسرائيلية بالاعتبار لجهة الوضع الديموغرافي ، ولكن مع التسليم بمنطوق الشرعية الدولية وإقرار حق العودة كمبدأ .بهذا وحده يمكن أن يرتسم حل تاريخي .
الخشية من تفعيل هذا الحق تعود في الأساس إلى الخوف من افتضاح الرواية الإسرائيلية القائمة على التزوير والتضليل بما يتعلق بقيام دولتهم على حساب مشردين تم اقتلاعهم من وطنهم الأم بما في ذلك تنظيم المجازر لأعداد كبيرة منهم وهدم مئات القرى . هذه الخطيئة الأخلاقية هي ما يقض مضاجع اسرائيليين ، يرغبون في دفع العالم لإغماض الأعين عن الحقيقة والتواطؤ معهم على طمس الجريمة الكبرى . ومن ذلك الكذب الصفيق بتصوير تواطؤ الانتداب البريطاني مع العصابات الصهيونية على أنه حرب تحرير للإسرائيليين ، وذلك بتحرير الأرض من أصحابها وإحلال مستوطنين من وراء البحار محلهم .
ترغب تل أبيب في لي عنق الحقائق ودعوة الجانب الفلسطيني "المتطرف " للتخلي عن حق العودة ، أو منحه مضمونا جديدا بحيث يسري هذا الحق على العودة الى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة . وفي حال التوصل إلى ذلك يتم وضع اشتراطات وما لا يحصى من عقبات أمام عودة هؤلاء إلى الدولة العتيدة .
على الجميع أن يستذكروا انه جرت مباحثات طويلة في أواسط التسعينيات بشان عودة النازحين وكان شيمون بيريز يقود المباحثات عن الجانب الإسرائيلي مقابل وفد عربي ضم مصر والأردن وفلسطين . وقد أوقف بيريز المباحثات بعد مواعيد متباعدة لعقد الاجتماعات ، ولم يعد أحد من النازحين إلا بموجب اتفاقيات أوسلو ، بالإضافة إلى أعداد محدودة في إطار ما كان يسمى بلم الشمل .
الآن يراد تكرار الأمر : العودة محصورة إلى الضفة والقطاع ، ثم تصبح هذه العودة بعدئذ مقيدة باشتراطات إسرائيلية ، بينما يظل حق أبناء الأمم من اليهود مطلقاً في التخلي عن دولهم ومجتمعاتهم ، والذهاب إلى فلسطين الانتدابية .
حق العودة شرط لنجاح المفاوضات ، وبرهان على الاعتدال ، ودليل على حسن النوايا .
mdrimawi@yahoo.com