18 آب, 2007
يوم منسي في حياة حمورابي
محمود الريماوي
حين تأخر وصول حمورابي للمشاركة في أعمال اللجنة القانونية ، فإنه لم يدر في خلد المجتمعين أنه ضل طريقه إلى الفندق ، واتجه بدلاً منه إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ، وذلك لتشابه هيئة المبنيين الحديثين . وما أن بلغ مدخل المؤسسة حتى صادفته سيدة ذات إثارة طاغية ، وقد تعلقت أنظاره بها على غير إرادة أو قرار منه ، مما أربكه وأشعره بالخجل من نفسه ، على أن الأمر أثلج الصدر العامر لتلك السيدة التي بادرت بالكلام بلهفة.
- لا تقل إنك لم تعرفني.
لم يكن السيد حمورابي على معرفة بها ، وقد خمن بفراسته برغم ضعف بصره أنها مذيعة ربط ، وربما تقدم برنامجاً جماهيرياً ، حتى أسعفته ذاكرته المنهكة وفتح الله عليه بالقول :
- من لا يعرف السيدة يسرى اللامعة ، صاحبة الأفضال علينا جميعاً ومقدمة برنامج "سهرة صباحية" ، الذي يبث بين التاسعة صباحاً والثانية ظهراً من كل يوم اثنين، ويعاد بثه في الثالثة من ظهر اليوم نفسه.
تنفست السيدة الصعداء بانتشاء ، وخفضت رأسها بجذل حتى كادت تقبل صدرها المكشوف ، وتمتمت بحديث إلى نفسها من قبيل : ألم أقل لكِ ... والمقصود انتصارها على هواجسها ، وطمأنتها لنفسها بأن برنامجها يستحوذ ، على أعلى نسبة مشاهدة من طرف المشاهدين كافة ، بمن فيهم السيد حمورابي ومن هم على شاكلته ، وهو ما ثبت بالوجه الشرعي غيرة مرة ، آخرها هذه المرة.
شكرته السيدة التي لم تكن لتثبت في وقفتها ، على ثقته التي تعتز بها ، وأبلغته وقد اقتربت منه أكثر من ذي قبل ، بعدم تمكنها من إجراء مقابلة معه هذا اليوم ، لأن الإعداد والتحضير يستغرقان وقتاً طويلاً و" القصة مش لعبة " كما قد يفكر ، وأن كل سهرة منها تقتضي أن تظهر بـ" لوك " جديد ، وأنها أنجزت تسجيل سبع سهرات كي تتمكن من السفر ، وتلبية دعوات إلى البرازيل وحمص وأوروبا . وأنها سجلت سهرة حول تأثير انشغال التلاميذ بدروسهم ، على ممارسة حقهم في استخدام الموبايل . وحلقة ثانية لا يمانع فيها أطباء أن يكثر المرضى الذين يعانون الإمساك من استخدام الموبايل في أثناء تناول وجبات طعامهم . وحلقة ثالثة عن تمييز الجنين في بطن أمه لرنات الموبايل ، وأنه ينمو بصورة أسرع كلما أصغى إلى المكالمات الواردة إلى أمه.
وحلقة رابعة عما يقوله رجال القانون ، حول ما إذا كان لجوء الزوج لاستخدام موبايل زوجته ، يشكل اعتداء على خصوصيات زوجته أم لا . وحلقة خامسة عن شاب معجزة في التاسعة والعشرين من عمره ، يعمل راعياً في صحراء الطوارق، لم يمتلك جهاز موبايل طيلة حياته ومع ذلك فإنه يعيش حياة طبيعية . وحلقة سادسة عن الأساليب الشبابية في تأجيل الرد على المكالمات والمسجات الواردة ، وترك الموبايل يرن رنتين أو ثلاث رنات قبل إسكاته . وحلقة سابعة عن ظاهرة رائعة بدأت تنتشر بين الشبان العصريين ،حيث يثبت الشاب حبه لصديقته بسرقة موبايلها ، وبهذا يسرق قلبها إلى الأبد . وحلقة أخرى نسيت رقمها ، تستضيف فيها خبيراً نفسياً من مدغشقر حيث يفجر قنبلة : إذ أثبتت تجاربه المعمقة أن بإمكان الإنسان وخلاقاً للقناعات العملية السائدة ، أن يعيش بجهاز موبايل واحد ، تماماً كما يمكن له أنت يعيش بكلية واحدة.
وقد وعدت السيدة يسرى السيد حمورابي ، بالاتصال به على موبايلها فور عودتها بعد شهر إذا الله أراد، لتضبيط الموعد وحيث ستوفر المقابلة للسيد حمورابي فرصة التحاور مباشرة مع المعجبين أينما كانوا ، شريطة إن يفتح قلبه لهم ، ويكون معهم كريماً وعلى راحته وبلا عقد ، وليس كما حدث مع كونفوشيوس " الصقيل" الذي اعتذرت في النهاية عن عدم إجراء مقابله معه ، حتى لا يفشل البرنامج " ويطيروني من التلفزيون .. دخيلك ".
لم يستوعب السيد حمورابي الكثير مما تفضلت السيدة يسرى بشرحه ، وقد ظل متسمراً في مكانه على مدخل المؤسسة ، فيما خفت السيدة إلى سائقها ( سائق المؤسسة في واقع الأمر) معتذرة بما يشبه التذلل عن تأخرها ، الذي تسبب به "هذا العجوز الخرفان"، وقد تركت السيدة وراءها سحابة ثقيلة من عطرها ، أطبقت على صدر السيد حمورابي ، الذي كان يجهل إصابته بالربو . وقد سارع شرطي الحراسة فور مغادرتها إلى نهره، بضرورة مغادرة المكان لأن الوقوف هناك ممنوع.
أما اللجنة القانونية في الفندق فقد أتمت في هذه الأثُناء عملها ، إذا أن نصاب الاجتماع اكتمل منذ البداية ، ولم تكن بهم حاجة لانضمام العضو المحترم حمورابي إليهم.
( من المجموعة القصصية الأخيرة للكاتب : " سحابة من عصافير " الصادرة عن دار الساقي ) .
عنجد انا كمان اسمي يسرى والله ماكنت بعرف انو اسمي معروف فعصر حمو رابي هههههههه المهم عيد سعيد
يسرى
| 01/10/2008, 22:13
شكرا لإنمي ويسرى
أرجو أن يبقى ما أكتبه عند حسن الظن
محمود الريماوي
محمود الريماوي
| 02/10/2008, 08:36
الشكر الجزيل ل"ملكة الآهات" أيضاً على الاهتمام .
محمود الريماوي
محمود الريماوي
| 02/10/2008, 08:38
الموضوع كلش حلو