30 تموز, 2007
وقفة مع د.عزمي بشارة
محمود الريماوي
بين الآراء المتميزة التي حاولت استخلاص الدروس من فوز حزب العدالة والتنمية ،للإفادة منها في الحياة السياسية العربية ، ذلك الرأي الذي ساقه المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة وذلك في مقال نشره الخميس الماضي 26 تموز الجاري في جريدتي "الحياة" و"الخليج" بعنوان : " أسئلة على العلمانيين العرب مع انتصار الإسلام المعتدل في تركيا " .
في رأي الكاتب أن الحزب التركي نجح رغم مناوأة علمانيين وقوميين ويساريين له . ورغم أن حزب العدالة لا يطرح نفسه لبيراليا وديمقراطيا ، إلا أن تركيا لم تشهد مرحلة ليبرالية وديمقراطية مثل حقبة حزب اردوغان وغول . ويود د.بشارة من العلمانيين العرب استخلاص الدرس من هذه التجربة ، بأن يتم الشروع في حوار مع قوى الإسلام السياسي الواسعة ، وأن تميز بينها وبين القوى التكفيرية التي لا تؤمن بالعملية الديمقراطية .ويصف د. بشارة الحركات الدينية مثل حزب الله وحركة حماس والإخوان المسلمين في مصر بأنها حركات "عميقة الخبرة وكثيفة التجربة ولا تحتاج إلى أوصياء بل إلى محاورين متواضعين" .
هذه الملاحظات تأتي بمناسبة فوز الحزب التركي .لكن الكاتب لا يعقد مقارنة ولا يتلمس أوجه شبه واختلاف ، بين حزب العدالة وبين الحركات الدينية الواسعة كما يسميها ، وهذا مأخذ رئيس على أطروحته . إذ أن سياق المقال يوحي بأن الحالتين على تشابه كبير إن لم يكونا متماثلتين .وهو ما حدا بالكاتب إلى أن يدعو العلمانيين العرب لعدم تكرار أخطاء نظرائهم الأتراك . .
لا يعقل والحالة هذه الأخذ بهذا المنطق الذي يذهب د.بشارة . فحزب العدالة لا يصف نفسه كحزب ديني بل يعتبر نفسه حزب المحافظين المعتدلين في بلده ، وعلى غرار المحافظين الأوربيين .بينما الحركات الدينية عندنا تضع الطابع الديني متقدماً على المضمون السياسي . وجمهورها الملتزم بها هو الملتزم دينياً .ونشاطها السياسي يختلط بنشاطها الدعوي ، ومفهومها للمواطنة ذو اساس ديني .
لقد أثار صعود حزب العدالة انتباه مراقبين كثر في العالم ، لمحاولة تلمس الفروق بينه وبين حركات دينية أخرى . مقال د.بشارة يكاد يفيد أن لا فرق يذكر ! . وليس هناك على الإسلاميين العرب ما يتعلمونه من التجربة التركية . الأسئلة ملقاة فقط على العلمانيين .ولدواعٍ منها أن الحركات الإسلامية مثل حماس وحزب الله ن قد تغيرت فأصبحت "عميقة الخبرة وكثيفة التجربة" ..
بأي اتجاه تغير حزب الله مثلا ؟ .لم يعد يستهدف المثقفين الشيعة اليساريين كما كان الحال في الثمانينات على قول د.بشارة . علماً بأن الحزب لم يقدم نقداً ذاتياً لتلك الحالة رغم عمق خبرته وكثافته تجربته.والحال أن الحزب أخذ في السنوات الأخيرة يغلب الطابع الطائفي على طابعه الوطني ، وهو ما يفسر سيطرته الكاملة على مناطق الشيعة وفرض نموذج حياة شبيه بالنمط الإيراني لا النمط اللبناني المختلط ، والذي ما زال قائماً في المناطق الأخرى .
كما تغير الحزب باتجاه الاندراج العضوي في حلف إقليمي . وفيما يدعو د.بشارة الآخرين الى الحوار مع الحركات الدينية فإن حزب الله قطع الحوار مع الأطراف الأخرى ، وقد ارتأى بدلاً من ذلك الاستيلاء على قلب العاصمة ومنع الحياة الطبيعية فيها . وقد دأب على تكرار التلويح بأقامة حكومة ثانية توازي حكومة الأكثرية .
حركة حماس أوقفت الحوار مع السلطة الشرعية وقامت بانقلاب صريح .لو كان حزب العدالة في تركيا تورط بمحاولة انقلاب وهذا مستحيل ، لكان خرج من الحياة السياسية . كيف تكون حماس قد تغيرت وقد انقلبت حكومة الوحدة الوطنية التي كان يقودها هنية على الشرعية ؟ لا شك أنها تغيرت باتجاه احتكار الحياة السياسية بالسطوة المسلحة وبالإعدامات بدم بارد ، وبالأمس فقط كان خالد مشعل يقول في حديث صحفي "نعتذر الى الله عن أخطاء حماس " وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحاسب البشر على ذنوبهم يوم يبعثون ، فإن البشر يحاسبون بعضهم بعضاً في الحياة الدنيا . غير أنه رغم "عمق خبرة حماس وتجربتها الواسعة " فإنها ترفض أن تخضع لمحاسبة شعبها . أي وجه شبه مفترض يبقى بين حركة مثل حماس وحزب العدالة التركي ؟.
يعرف الجميع أن فوز حزب العدالة يلقي أولاً تحدياً على الحركات الإسلاموية العربية ، على الأقل من باب "الشيء بالشيء يذكر " . الخشية أن د. بشارة يود إعفاء هذه الحركات من تجربة المراجعة ، فيمطرها بوابل من الثناء ، ويلقي الأسئلة فقط على من يسميهم العلمانيين .علما أن قوميين ويساريين أتراك نزلوا على قوائم حزب العدالة ، ليس لأنهم تخلوا عن قناعاتهم ولكن لأن حزب العدالة مرن وعصري وديمقراطي حقا ، لا يبطن العنف ولا يظهره .
mdrimawi@yahoo.com