29 تموز, 2007
من وراء فوز حزب العدالة ؟
محمود الريماوي
الحدث التركي ممثلاً بفوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، أثار أصداء واسعة في العالم ومنه العالم العربي والإسلامي . ومع تباين الآراء والاجتهادات حيال هذا الحدث ، فقد التقت آراء عدة حول أهمية النموذج الجديد والعصري ، الذي يمثله حزب أردوغان وعبدالله غول ، وذلك بالاحترام التام للتعددية الثقافية والفكرية في المجتمع، والالتزام بأسس الدولة العلمانية بما لا يضع أي قيد على الحريات الدينية ، وبما يكفل استمرار التداول السلمي للسلطة ، وتكريس مبدأ المواطنة بصرف النظر عن الدين والعرق والجنس ، وبما يضمن عدم استغلال الدين كأماكن العبادة والرموز الدينية لأغراض سياسية ، في ادعاء واحتكار الصواب ، وإدارة التنافس مع الآخرين على غير الاعتبارات السياسية .
بين فيض الآراء الاجتهادات التي طرحت ، يستوقف المرء رأيان جرى سوقهما في الأيام القليلة الماضية . الرأي الأول طرحه قائد الحرس الثوري في ايران ، والذي يعتبر أن إيران كانت ضمناً وراء انتصار الحزب ذي الجذور الإسلامية في بلاد الأناضول . والمقصود أن إشعاع الثورة الإسلامية قد أسهم في توفير ، بيئة أدت إلى تغيير المعادلات السياسية في البلد المجاور .
يجد المرء نفسه يتفق جزئياً مع هذا الطرح . فقد كان لثورة الإمام الخميني تأثيرها لا شك ، في انتشار الإسلام السياسي أو الصحوة الإسلامية في غير مكان . وهو أشبه بتأثير المناخ على سلوك أفراد وجماعات .وقد أدت هذه الصحوة إلى مشاركة فئات اجتماعية في الشأن السياسي والعام ، كلما أتيح لها ذلك في البلدان التي تنعم بحالة ديمقراطية نسبية . غير أن تأثير الثورة الإسلامية لم يتوقف عند ذلك ، فقد أدى لإشاعة أجواء طائفية وتقسيم الدين الحنيف على أيدي بعض رموزه أتباعه إلى "دينين " ، فانتشرت هنا وهناك مفردات مثل الروافض و"الدين الوهابي " وهي تسميات أريد بها تعظيم وتأبيد الخصائص والفروق بين أتباع الدين السماوي الواحد .
علاوة على ذلك ومقابل حالات من الإسلام السياسي المعتدل فقد انتشرت في هذه الأجواء نفسها ، مجموعات متطرفة تكفيرية تناصب مجتمعاتها العداء وتسوغ العنف بمختلف أشكاله، وتبشر بالقطيعة مع العالم مع الإفادة القصوى من منجزاته ، وتعتبر الديمقراطية بدعة أو فرصة ينبغي اهتبالها لمرة واحدة ، من أجل الانقضاض على السلطات واحتكارها بصورة مطلقة ، وإغاظة من يمنون أنفسهم بأوهام ديمقراطية دائمة "مزعومة " ! .
حزب العدالة في تركيا وقف على هذه التجربة واستفاد من أخطاء الزعيم الإسلامي السابق اربكان ، وكذلك من مجمل حصاد تجربة الإسلام السياسي ، وأبدى وفاء منقطع النظير للتجربة الوطنية ولخصائص النظام وخصوصية المجتمع السياسي وبالذات درجة تطوره ، وهو ما جعل هذا الحزب في النتيجة مفترقاً بصورة نوعية ، عما عداه من تجارب "شبيهة " في الداخل والخارج .
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تنأى الحركات الإسلاموية عن هذه التجربة المميزة تجربة حزب العدالة ، وتقيم معها علاقة قطيعة ! . خاصة أن التجربة التركية نبرهن على مدى بعد تلك الحركات ، عن حياة عصرنا وعن حقوق الإنسان ، والمعايير الكونية الضامنة للحريات ودولة القانون والتعددية في مختلف مظاهرها .
واقع الأمر أن تجربة حزب العدالة قامت بين ما قامت عليه على تفادي أخطاء الثورة الإسلامية في الداخل والخارج ، ولم تقم باستلهامها كما ذهب إلى ذلك قائد الحرس الثوري الإيراني يحيى الصفوي .
غداً مناقشة رأي آخر .