مدونة محمود الريماوي

« | »

غسان كنفاني :حياة ممتلئة وسحر شخصيغسان كنفاني : حياة ممتلئة وسحر شخصي

غسان كنفاني : حياة ممتلئة وسحر شخصي

                                             محمود الريماوي                                  

مع الذكرى الخامسة والثلاثين لغيابه والتي حلت قبل أيام ، بلغ غسان كنفاني الواحدة والسبعين  .. وها هو  يتوفرعلى نضارة باقية وألق باهر، بأكثر مما يتمتع بهما شبان ومكتهلون .

عرفت غسان في بيروت وكنت في العشرين من عمري . وكان هو في  ربيعه الثاني والثلاثين ، وبيننا جبل من الفوارق في التجربة . ولم يمنعه ذلك من المبادرة بمد  خيط إخاء ومودة نحوي ودون سابق معرفة شخصية . فاجأني ذلك ومنحني ما يحتاجه  الشاب اليافع من ثقة بالنفس ومن اعتراف به . فتح لي صفحات ملحق "الأنوار"  الثقافي ، الذي كان يرأس تحريره ،  وبتسهيل من مدير تحرير ذلك الملحق الشاعر روبير غانم ، ثم اصطحبني معه إلى "الهدف" محرراً ثقافياً للمجلة الأسبوعية التي أدارها ، وبقيت فيها لنحو سنتين .

لا أنتوي التحدث عن شخصي الضعيف . غير أني أجد صعوبة في الحديث بموضوعية فحسب .. تائقاً في ذلك لمخاطبة غسان والسلام عليه ، لا مخاطبة القارىء فقط .

في الوقت الذي بدأت فيه تشيع آنذاك ، بعد عام على هزيمة حزيران ومع صعود العمل الفدائي ، صورة نمطية للفلسطيني : المقاتل الجهم ، القروي ، ابن المخيم ، والفقير ، فقد فوجئت بغسان كنفاني ابناً لمدينة .على درجة ملحوظة من الدفء الشخصي ومن الأناقة  الطبيعية والذوق الرفيع. ليست له تلك اللهجة الريفية ( غير المعيبة بالطبع ! ) . حتى أن هناك بُعداً لبنانياً جلياً في شخصيته وقيافته ونبرته  !.وهو ما أورثني دهشة ظلت مكتومة . كنت أعرف أن الفلسطينيين وأنا في الأصل منهم وأحدهم ، ينتمون لمدن وبلدات وقرى ، وكثير منهم يقبعون في مخيمات وبعضهم بدو . غير أن التنميط النضالي رفع من نموذج واحد لسيماء الفلسطيني المناضل ، كما تمت الإشارة إليه قبل أسطر . ولأن غسان مناضل ينشط في صفوف "يسار جذري" ،  فقد أدهشني الأمر ومع دهشة الشاب اليافع  فقد سرني هذا التركيب أو ما يبدوغامضاً محيراً في شخصيته  . وأذكر أني تداولت فيه  في حينه  ، مع  صديقي الشاعر الراحل محمد القيسي . أما غسان نفسه فلم أفاتحه بملاحظتي وانطباعي ، فقد خجلت من ذلك . وهو ما يستحق الخجل بالفعل : فغسان مديني ابن عكا ، سليل أسرة متوسطة الحال إن لم تكن ميسورة  ، ووالده كان محامياً ناجحاً ، وقد انتقل من عكا إلى دمشق فالكويت فبيروت .أي أنه عاش سحابة عمره في حواضر . فلم يكن غريباً أن لا يحمل شيئاً من سيماء الريفيين ولهجتهم وإيقاعهم . ولعل عامين أو ثلاثة أعوام فقط من الضنك عاشهما مع الأسرة في دمشق  ، هي ما أمدته بفرصة الاقتراب والتفاعل  النفسي والذهني ، مع عالم  البؤس الاجتماعي ومع خصوصية التشرد واللجوء ، إضافة إلى تجرعه التجربة بنفسه فقد غادر مدينته عكا ، فتى في الثانية عشرة من عمره .

كان عروبياً شديد القرب والثقة بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر،  كما هو حال حركة القوميين العرب آنذاك وكان نجماً صاعداً فيها ، قبل التحول إلى اليسار والخصومة الأيديولوجية مع "البورجوازية الصغيرة " المنسوب عبدالناصر إليها وفقاً لأدبيات ماركسية ، وكان إلى ذلك يبدو كواحد من اللبنانيين بانشغاله في السياسة الداخلية لذلك البلد  ، وبحكم كتابته للعمود الرئيس على الصفحة الأولى من "الأنوار" ، وكانت تُحتسب الجريدة الثانية في لبنان. ولم يكن بعيداً عن نمط الحياة البيروتية إنما بغير إسراف أو مبالغة . وهو ما أورث الشاب الذي كنته الدهشة  ، وذلك قياساً إلى محورية القضية  الفلسطينية  في إبداعه القصصي والروائي .

في واقع الأمر أن انتقال غسان من الصحيفة اللبنانية الثانية ، إلى مجلة أسبوعية مستحدثة شكل تضحية مهنية كبيرة منه .خاصة أن المجلة وهي "الهدف " كانت لسان حال تنظيم هو الجبهة الشعبية ، مما يرتب على هذه المطبوعة قدراً غير يسير من التقيد بالاعتبارات السياسية والتنظيمية ، والتضحية بالكثير من اعتبارات المهنة ، كالتركيز على المقالات والدراسات بدلاً من الأخبار والتحقيقات . وكالاضطرار إلى نشر مواد مطولة : تقارير وبيانات ، أو حتى القبول بقرارات التنظيم في فرز هذا "الكادر" أو ذاك للعمل في المجلة ، دون كفاءة مهنية  بالضرورة .و كان ينشط في التعويض عن ذلك  بكتابة بعض الأخبار "المثيرة " وتحويل بعض المواد إلى تحقيقات ، وحتى تصميم الغلاف  بنفسه ، والإشراف على عملية الإخراج الفني التي كانت تتم آنذاك بصورة يدوية : القص واللصق ، وإعادة طباعة مادة أو أكثر أحياناً لغايات تغيير حجم ولون البنط ، أو تعديل عرض السطر المطبوع . وقد اصطحبني ذات مرة بسيارته لإيصال عدد صدر تواً من المجلة ولم يوزع بعد ، لزملاء له في وكالة رويتر في بيروت . ولما سألته لماذا يفعل ذلك ؟ لماذا لا ينتظر كي يحصلوا هم على العدد في الغد من المكتبات ؟ .فقد أجابني بأنه بهذه الطريقة يفسح لهم في المجال ، لأن يبثوا إذا شاؤوا خبراً في وقت مبكر ، منقول عن المجلة ومنسوب لها قبل صدورها .وهكذا عرفت لأول مرة السر الكامن وراء تلك الأخبار "الغربية المصدر" التي تبثها وكالات أنباء وتقول فيها : إن مجلة كذا ذكرت في عددها الذي يصدر يوم غد أن.. ! .وكان ذلك "اللغز المهني عن كيف يعرفون " يؤرقني من قبل ! .

لم أتابع في اليوم التالي إن كانت الوكالة نقلت خبراً عن المجلة أم لا . لعلي نسيت ! وفي الأصل لم يكن هناك جهاز للوكالة في المجلة ، فلكونها أسبوعية فلا حاجة بها لالتقاط البث اليومي لوكالات الأنباء . كانت اهتمامي بالأدب أكثر . وأكثر منه التسكع في بيروت مع أصدقاء عراقيين من الموجة الأولى التي وصلت بيروت مطلع السبعينات ومنهم فوزي كريم ، قاسم حول ، جمعة اللامي ، المرحوم شريف الربيعي ، مؤيد الراوي وسواهم . وأدباء وصحفيين لبنانيين وعرب أمثال عصام محفوظ وسمير الصايغ وفاروق البقيلي ومنى السعودي ونبيل أبو حمد وياسين رفاعية . وكذلك الشاعر أدونيس الذي خص الصفحات الأدبية التي اشرف عليها في "الهدف" بمقال له  ، وجعلني عضواً في هيئة تحرير "مواقف" الصادرة حديثاً آنذاك . . وسواهم . لم يكن غسان رئيس التحرير يتدخل في مسار عملي ، رغم حداثة سني وخبرتي .وهو أمر استحق الإكبار في حينه . كان هناك جو شائع أشاعه هو من المثاليات ، من الرومانسية الثورية ، من الروح الجماعي الرفاقي ، من ترقب انبثاق فجر جديد يتطلب الاستعداد للبذل الذي لا يساوي شيئا مهما عظم مقارنة بتضحيات الفدائيين ، وكذلك التواطؤ المشترك بأننا جئنا إلى السياسة من باب الأدب . وكان غسان يصنفني من طرف خفي بأني "حداثي" .واعترف أني كنت كذلك ، وليس بالمعنى الإيجابي بالضرورة  للحداثة. فللإبداع  وتنظيراته  ، شعاراته وادعاءاته كما في السياسة . لقد أدركت من بعد أن القولبة والشكلانية المتعمدة ، ليست دائماً من الحداثة في شيء ، بل قد تكون سلفية مقلوبة . وكان يحترم هذا "الاختلاف" بصورة كلية لا لبس فيها . وللمفارقة فذلك كان يحدث داخل أروقة مجلة ملتزمة التزاماً شبه حديدي .

من عرفوه يدركون مدى حيويته ونضارته وذكائه وحضور بديهته ، وتفانيه  الطوعي في العمل .. الذي يجد فيه نفسه كما لو أنه في بيته وأكثر . فما أن يحل في مكتبه حتى يبدو أنه لن يفارقه . ويسارع إلى تشغيل ورشته مع أول فنجان قهوة . في المجلة  يكتب ما لا يقل عن عشر صفحات ، نصفها أو أكثر بغير توقيع . ويقابل أعداداً هائلة من الناس بمن فيهم أجانب . من صحفيين ومن أنصار اليسار الجديد في أرجاء المعمورة ، وربما بعض الجواسيس المتخفين ، من يدري. لم تكن هناك من سكرتيرة أبداً . ولا مقسم يستقبل ويوزع الاتصالات الهاتفية ، وإن كانت هناك بالطبع أجهزة هاتف . الأوقات القليلة التي كان يتمتع فيها بالوحدة ينكب فيها على الكتابة ، الأدبية أو الصحفية . لا يعيد كتابة ما يكتبه بقلم سائل ملون لعله أحمر ، وبخط منمنم رشيق وصغير الحجم .وكان يُقرأني بعض ما يكتب ومنها فصول من أحد أعماله الأخيرة "الأعمى والأطرش" .. وكان يستغل فترة هدوء ما بعد الظهر ليقصد مجلة "الحوادث" التي لم يكن مقرها على مبعدة من مكاتب "الهدف" . كان يمدح و"يشتم " عن محبة سليم اللوزي صاحب "الحوادث" ، ومن الواضح أنه كان معجباً به كطاقة صحفية جبارة وصاحب قلم سيال .كل ذلك في عام السبعين وليس بعد .  وقد عرفت أنه يكتب في "الحوادث" آنذاك بغير توقيع . والأرجح أنه كان يفعل ذلك من أجل التواصل مع مطبوعة مميزة غير حزبية ، وربما في سبيل الحصول على مكافأة مالية ، تعوض بعض ما فقده حين غادر دار الصياد التي تصدر عنها "الأنوار" وكان الكاتب الأبرز فيها ، إلى مجلة ملتزمة يتقاضى العاملون فيها بمن فيهم رئيس التحرير كفاف يومهم .

لم يكن ثرياً . لم تكن هناك مصادر مالية مساعدة للكتاب والأدباء ، كما حدث بعد فورة النفط . لا أحد يدفع مكافآت ، لا المجلات ولا الإذاعات ولا التلفزيونات المحدودة الانتشار آنذاك ، ولم تكن هناك من جوائز ، وترجمة أعماله نشطت بعد غيابه لا في حياته القصيرة العريضة .وسيارته دائما صغيرة متوسطة العمر، ولم أكن آنذاك أميز بين موديلاتها .غير أنه غني النفس ، وقيافته بسيطة لائقة وجذابة. يرتدي الكرافتة (رباط العنق ) في المناسبات فقط ، ولا يتحدث عن المال أبداً . لا يشكو ولا يشكر . بل هو مولع بالسخرية ، لتنشيط طاقته على العمل وتعبيرا عن نزوع شخصي ، مع قدرة لافتة على التدفق في الحديث واللعب بالألفاظ وتداعياتها ، وتوليد تعبيرات جديدة . وبالطبع فالعلاقات النسائية هي من أفضل مجالات السخرية . لاحظ مرة أن أحد العاملين يسعى وراء صحفية أجنبية كانت تتردد على مكتبه (مكتب غسان) . أما الدون جوان الذي يسعى في مطاردتها ، فكان أصلع مقدمة الرأس وأعلى الجمجمة معاً ، رغم أنه كان شاباً في أوائل الثلاثينات. فقال له ضاحكاً :  من له صلعة في مقدمة رأسه يكون "سكسي" . ومن له صلعة في وسط الرأس فهو مفكر . أما من يكون على صلع هنا وهناك مثلك ، فهو يفكر أنه سكسي ! .

لأن هذا النوع من النكات الذكية اللاذعة يستهويني ، فقد اختزنتها في ذاكرتي وليس لأي سبب آخر . فيكاد الرجل أن يكون نبيلاً مثالياً يُقبل على مهمته باستغراق صوفي ولكن بحرفية عالية ، وتنتظم حياته بصورة توحي أنه يتحمل طواعية ووحيداً تقريباً عبء القضية الفلسطينية . وهو ما حمله على إصدار أول كتاب عن الأدب الصهيوني وأول كتاب عن أدب المقاومة في الداخل:0فلسطين 1948 . وقد ساهم في أواسط الستينات في إيصال القصائد الأولى لمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ، لسهيل إدريس الذي نشرها في مجلته "الآداب ". وأحدثت حينها ضجة كبرى .

ورغم الإرهاق الذي كان يشعر به فلم يكن يتأفف . وقد تمكن من التخلص من التدخين ..من تلك "المجرمة" كما كان يسمي السيجارة ، وإن ظل يحتفظ بين آن وآخر بسيجارة غير مشتعلة بين أصابعه . وكان يحقن نفسه بنفسه كما بدا في الفيلم الذي أنجزه ماجد عبدالهادي  ل"الجزيرة "، لمقاومة السكري والنقرس . وإذ يشيع أجواء من الود الطبيعي والكامل والاحترام المتبادل مع العاملين ، فقد كان يتوتر إذا ما شهد مشادة بين اثنين فيوبخهما بالقول : ألا تعرفان أن صاروخاً إسرائيلياً قد يخترق المكاتب ، ويضع حداً لحياتكما وحياتنا جميعاً ؟ . وهو ما كان يثير خجلهما  فيلوذان بالصمت ويتصالحان .

أجل كان يهجس بالموت اغتيالاً . رغم أن الإسرائيليين كانوا آنذاك بالكاد بدأوا مسلسل اغتيالات الناشطين والرموز .ومع ذلك كان يسير في حياته برضا مفعم بالثقة بالنفس ومع قدر  ملحوظ من الزهو أيضاً . ولم يكن يعرف التزود بمرافق حارس . لم تكن تلك المظاهر موجودة آنذاك ، فالمهم أن الفلسطينيين قرعوا الجدار أخيراً . وكان منهمكاً في محاولة الإجابة لماذا ابتدأت حركة فتح الكفاح المسلح قبل حركة القوميين العرب  ، مع التنويه أنه كان للقوميين مبادراتهم آنذاك التي واكبت إنطلاقة فتح إن لم تسبقها ؟ كما كان منشغلاً في الرد على حملات الفريق المنشق حديثاً (الجبهة الديمقراطية )  وعلى مجلتهم "الحرية" وكان هو من قبل أحد أركانها البارزين .لا أعرف لماذا أتذكر الأمور الصغيرة الدقيقة أكثر من سواها : حين كان في "الحرية" وعلى ما روى ، طلب منه محسن ابراهيم رئيس التحرير ذات مرة ، كتابة خبر نعي لأحد الأشخاص قائلا : أكتب الخبر يا غسان فأنا لا أعرف كيف أكتبه . فأجابه : من قال لك أني أعرف كتابة خبر نعي ؟ . .كان يروي ذلك ضاحكاً وهو الذي بوسعه تسويد صفحة كاملة في جريدة ، وكان يفعل ذلك حقاً في "الأنوار" أسبوعياً ، وسبق له أن ترأس تحرير جريدة "المحرر" وهو في الثامنة والعشرين من عمره ، ساخراً من نفسه أمامنا لعجزه عن كتابة خبر تقليدي ببضعة أسطر .  ومع ذلك احتفظ بصداقات شخصية مع أصدقائه من ذلك الفريق  ، وبالذات بلال الحسن الذي كان يكثر التردد على مكتبه ، حيث يشتد النقاش بينهما أمامي في كل مرة ، فأغادر بعدما يبدو الحديث لي على شيء من الإملال ، إذ يجنح النقاش نحو مسائل تنظيمية داخلية (عائلية كما كنت أصفها لنفسي ساخراً ) في الجبهة قبل أن تنشق .وكنت أتساءل : لماذا يأتي بلال ولماذا يرحب به غسان دائماً ،وهما يدركان مسبقاً أن الخلاف سوف يدب بينهما  ، قبل أن يبرد فنجان القهوة أمام كل منهما. إنها رياضة السياسيين المفضلة كما يبدو . وهو التوتر الخاص بمن تتباعد السبل بين من هم في منزلة الإخوة .

حملت له مرة سلاماً من زكريا تامر الذي زرته في دمشق ، وأجريت معه مقابلة صحفية .ونقلت له ملاحظة من زكريا أذن لي بنقلها ، قال فيها إن غسان كاتب موهوب وجيد ، لكن بعض قصصه كانت تحتاج لكتابة ثانية من مؤلفها . فاجأته الملاحظة وغمغم لنفسه بحديث لم أسمعه .  لم يكن يريد ليبدو سلبياً حيال صديقه . الآن أسأل نفسي : لماذا كان التجارؤ مني بنقل هذه الملاحظة وفيها ظلال من السلبية ، أما كنت في غنى عن نقلها ؟ . إنه طيش الحداثة ..حداثة السن والتجربة .

يذكر فاروق غندور ابن خالة غسان في فيلم ماجد عبدالهادي ، أن غسان لم يكن ينام الليل . في واقع الأمر أنه قبل العاشرة صباحاً كل يوم، يكون قد التحق بعمله نشيطاً مقداماً وفي كامل يقظته . هذا ما لاحظته في مرات نادرة وصلت فيها مكان العمل مبكراً .  إذ كنت أشرع في عملي في الثانية عشرة أو الواحدة ظهراً  بعد سهر الليالي طلباً للعلى. لم يوجه لي مرة ملاحظة على ذلك ، بيد أنه وبضحكة مكتومة لفت انتباهي وكنا في مطعم أم فريد في الطبقة الأرضية من المبنى ، إلى أن "الثورات والتحولات الكبرى والأحداث الهامة تقع في الأغلب الأعم قبل الظهر" كما قال . كانت ملاحظة بالغة الذكاء ، فما حاجتي لأن استيقظ بعدئذ  ، وبعدما يكون العالم قد أعيد ترتيبه في غيبتي ؟! . وتنسجم الملاحظة مع طبيعة العمل ضمن مشروع ثوري تحرري ، ولكن دون حاجة منه لخطابة أو تبشير .

يشعر المرء بالتقدم المطرد في السن ! . وغسان رقمياً بلغ الواحدة والسبعين . على أن الموتى وبالذات الشهداء لا يكبرون . لا يكبر غسان الذي غادر بيته ودنيانا ،  في أوج تفتحه وهو في السادسة والثلاثين ربيعاً . وقد ملأ الدنيا وشغل الناس حياً وشهيداً ، حيث تتوارث وتتعارف أجيال وشعوب ما بينها ، عبر قراءة إبداعه الدائم الإشعاع .

تعليقات

Comment Icon

لم أمل ولم ارغب بالقفز فوق السطور ولم أرغب بانتهاء المقال ولكني اعشق هكذا خواطر رشيقة غير مملة ولا منمقة شكرا محمود الريماوي

Arrow Icon متابع من بعيد | 30/08/2007, 09:11 [الرد]

Comment Icon

شكرا للملاحظة وأرجو أن أبقى عند حسن الظن . وشكراً للانترنت ومدونات البوابة التي تقرب البعيد .

Arrow Icon محمود الريماوي | 30/08/2007, 13:17 [الرد]

Comment Icon

يعطيك العافية
انمي
صور

Arrow Icon منتديات | 28/09/2008, 16:18 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba