26 تموز, 2007
ليبيا بعد لبنان
محمود الريماوي
النجاح الذي حققته فرنسا في حل مسألة الممرضات البلغاريات ومتعلقاتها ، لفت الأنظار إلى العهد الساركوزي . لقد فشلت من قبل جهود أطراف عديدة لحل هذه المسألة ، والتي لا تنحصر بحياة ممرضات وطبيب ، بل كذلك بحياة مئات الأطفال الليبيين . وها هي الدبلوماسية بشقيها التقليدي والناعم (مهمة السيدة الأولى الفرنسية سيسيليا غلى طرابلس الغرب ) تنجح في ما اخفق به كثيرون ، وخلال فترة قصيرة قياسية ، وذلك بالنظر إلى حداثة عهد الرئيس الجديد .
لم يكم ممكنا توقع حل افضل مما جرى : ترحيل الممرضات الخمس ومعهن الطبيب الفلسطيني ( تم منحه الجنسية البلغارية ) .إنشاء مستشفى خاص في بنغازي لرعاية الأطفال المصابين . والشروع في تطبيع كامل للعلاقات ليس فقط بين فرنسا والجماهيرية ، بل كذلك بين طرابلس وعموم الاتحاد الأوروبي ، ومعنى ذلك أن فرنسا كانت تتفاوض باسمها وباسم بلغاريا ، وعن الاتحاد القاري برمته . ومما يحتسب في الوقت نفسه نجاحاً للدبلوماسية الليبية ،التي تمكنت من كسر ما تبقى من حلقات "الحصار " . والشروع في تطبيع كامل مع المجموعة الأوروبية بما ينهي العزلة المفروضة على هذا البلد .
وواقع الحال أن هذا التطور يعتبر الأفضل بين أحداث هذا الأسبوع في منطقتنا . ومن حسن طالع فرنسا أن لها يد في وصول الأمور إلى هذه النهاية السعيدة . وهذا هو الاختراق الثاني الذي تحققه الدبلوماسية الفرنسية ، بعد نجاحها في جمع الفرقاء اللبنانيين على أراضيها في ضاحية سان كلو .لم يحقق ذلك اللقاء النتائج المرتجاة .غير أنه كسر الحاجز النفسي بين الفرقاء المتصارعين ، وأعاد الإعتبار لخيار الحوار وإمكانيته المتاحة ، ويفترض ان مائدة الحوار التي جمعتهم (جمعت الصف الثاني في واقع الأمر ) ومعهم لأول مرة مثلين للمجتمع المدني وبين هؤلاء الشخصية المرموقة د. غسان سلامة ..يفترض ان هذه المناسبة قد سببت حرجا ايجابيا للمتنازعين إذا جاز التعبير . فإذا كان أمكن جمع الفرقاء على أرض فرنسية فما الذي يمنع التئامهم في ديارهم ؟ .
لقد لوحظ ان باريس استقبلت ممثلين لحزب الله ، في بادرة أوروبية قل مثيلها .علماً بأن فرنسا الشيراكية ثم الساركوزية ، رفضت احتساب هذا الحزب منظمة إرهابية . وما زالت الدبلوماسية الفرنسية تنشط في دفع الملف اللبناني نحو الحل ، وقد تمكنت من اجتذاب دعم إيراني وسوري وسعودي إضافة إلى دعم الجامعة العربية لهذه المهمة . حتى أن الموفد الفرنسي كوسروان زار دمشق قبل أيام ،وبعد سنوات من القطيعة بين البلدين .
والمهم أنه بينما كانت المعارضة اللبنانية تعتبر فرنسا حليفاً للأكثرية الحكومية والنيابية ، فقد بات هذه المعارضة تقر أن الفرنسيين هم جزء من الحل إن لم يكونوا مرجعية للحل . وهو تطور هام ، ما كان يمكن توقع حدوثه قبل شهرين من الآن . والمأمول أن يتلقى الجهد الفرنسي دعما موصولا خلال الأسابيع العشرة المقبلة ، وهي الفترة التي تفصلنا عن استحقاق انتخاب رئيس لبناني جديد خلفاً للرئيس لحود الممدد له .
بات العالم يتبادل التأثير بين أنحائه ومكوناته .وبينما يبدو التأثير العربي في الخارج معدوما ، فإنه من الملاحظ تقلص فرص التأثير العربي في الداخل . وهو ما يجعل المواطن العربي يتخير هذا "التدخل " الخارجي أو ذاك ،كما هو حال فرنسا التي لم يجرب عهدها الجديد بعد ، حظه في التدخل في الصراع العربي الإسرائيلي . والمأمول أن ينجح الرئيس ساركوزي في اقرب الآجال بأن يخلع عنه صورة صديق إسرائيل ( الاحتلال الإسرائيلي ) ، لمصلحة احترام الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي دون سواهما .
mdrimawi@yahoo.com