25 تموز, 2007
من المنشية الى طرابلس الغرب !
محمود الريماوي
ليس هناك وجه شبه بين المحنة الصحية لأبناء منشية بني حسن ، وأزمة الممرضات البلغاريات والأطفال المرضى في ليبيا ! ، باستثناء أن الأزمتين صحيتان في الأساس ، والقرار السياسي بشأنهما واجب.
يتمنى المرء نهاية سعيدة للمحنة التي فاجأت الجميع وأشاعت أجواء من التأثر الشديد . إنها محنة أكثر من سبعمائة مواطن ، والنهاية المرتجاة والمطلوبة تقوم أولاً على بذل أقصى الجهود ، للرعاية الصحية لهم حتى ضمان شفائهم بإذن الله ، وبما بشكل تحدياً للنظام الطبي والإداري تتطلب الاستجابة العاجلة ، وهو ما تم الشروع به بالفعل . وتحديث وضمان سلامة شبكات المياه ، ومراقبة الآبار ، والعمل على رفع مستوى الخدمات الطبية ، وزيادة الوعي الصحي في تلك المنطقة في محافظة المفرق ، وتحديد المسؤوليات عن التقصير الذي حدث ، وهو لا شك لم يكن ابن ساعته ، وإجراء المقتضى بذلك . ثم استخلاص الدروس الصائبة مما حدث ، بالتدارك الفعلي والسريع لأوجه القصور والتقصير ، أينما وكلما وجدت وفي سائر المرافق . وبعدما تبين أنه يمكن لأخطاء إدارية أو ضعف في الأداء ، أن يؤدي إلى كوارث لا سمح الله ، إذا ما تم تغليب الاعتبارات البيروقراطية مثلاً ، على دواعي تطوير القطاع العام ورفع مستوى خدماته ومراقبتها، خاصة تلك المتعلقة بصحة المواطن والسلامة العامة .
في ليبيا انتهت مسألة الممرضات البلغاريات الخمس اللواتي احتجزن لثماني سنوات ، ومعهم طبيب فلسطيني ، بنهاية سعيدة لهذا الفريق الطبي ، بانتظار بلوغ نتيجة مماثلة للأطفال . ومن بنود الاتفاق المعلنة تقديم دعم طبي أوروبي للمراكز الصحية في الجماهيرية ، والسهر على الأطفال المرضى ، بما ذلك متابعة معالجتهم من طرف السلطات الصحية للاتحاد الأوروبي.
اتهمت الممرضات بالتسبب بإصابة نحو أربعمائة طفل بالإيدز ، وصدرت أحكام ضدهن ومعهن الطبيب بالإعدام ، ولم تلبث الأحكام أن جرى تخفيفها من " المجلس القضائي العالي " إلى المؤبد ، قبل التوصل إلى اتفاق شامل .
وأياً كان المسؤول المباشر في النهاية عن تلك المأساة ، فإن المهم هو العمل على منع تكرارها ، وتطوير القطاع الطبي بمختلف جوانبه بما في ذلك أساليب المراقبة والمتابعة الصحية ، ومن المعروف أن مرضى ليبيين بحالات صحية شتى وبعضهم ليسوا من الموسرين ، يقصدون العديد من دول العالم طلباً للعلاج .
ذلك أنه أيا كان حجم مسؤولية ذلك الفريق الطبي ( والذي ينكر أفراده أية مسؤولية لهم ) عما حدث ، فالأصل أن لا يسمح نظام الخدمة الصحية والرعاية الطبية بما فيه المراقبة ، بوقوع مثل هذه المأساة التي ترددت أصداؤها الأليمة في الخارج .
وفي القناعة أن السهر على حقوق المواطنين الأساسية ، وفي مقدمها الحق في السلامة وفي الرعاية الصحية ، هو بعض ما يميز الدول والمجتمعات المتقدمة ، رغم تفاوت الإمكانيات هنا وهناك . وحين يتحدث المرء عن الطابع أو المستوى الحضاري لبلد من البلدان ، فإن الأنظار تتجه لمعاينة مستوى الخدمات الطبية ومدى فاعليتها شموليتها .
عندنا فإن ما حدث في بلدة منشية بني حسن ، أثار مشاعر وانطباعات بضرورة الاقتصاد في التغني بمستوى الخدمات والرضا عن الذات ، باتجاه تقصي أوجه النقص ومواطن القصور والعمل السريع على تفاديها . ، والتوجه إلى تعميم الخدمات الأساسية بالمستوى اللائق ذاته هنا هناك ، فلا يكون هناك محظوظون ومن هم اقل حظاً ، وهو ما يتمناه المرء لكل بلد عربي شقيق .
mdrimawi@yahoo.com