24 تموز, 2007
كيمياء التغيير
محمود الريماوي
قضي الأمر في تركيا . ثبت أن التغيير الذي عبر عنه حزب العدالة والتنمية ، على درجة من العمق والقبول ، وليس سطحياً أو عابراً .نجحت كيمياء التغيير في تكريس المزاوجة بين علمانية الدولة والمجتمع المسلم في شرائحه العريضة . للعلمانيين قوتهم الماثلة في المجتمع أيضا ، وبالحسبة العددية او النسبية يشكلون النصف ، ويضمون أساساً النخب .
شارك الأتراك بكثافة لا مثيل لها في الانتخابات إذ بلغت نسبة المشاركة تسعين بالمئة . بما يدلل أن الأطراف المتنافسة خاضت معركة بكل قواها وليس أقل من ذلك . صحت توقعات قادة الحزب ، وبالأخص ثنائي اردوغان وعبدالله غول بفوز الحزب فوزاً كاسحاً . غير أن الثنائي نفسه لم تأخذه نشوة النصر ولم يكشف عن نوايا انقلابية : سنتعاون مع الحميع ولن يأخذنا الغرور . سنواصل الكفاح من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي . لن نمس أسس الدولة العلمانية . وعلى الأرجح فإنها ليست باطنية أو أسلوباً في التقية ، كما قد يرغب البعض من إسلاميين وعلمانيين هنا وهناك في هذا الاعتقاد . فتجربة السنوات الخمس الماضية في الحكم ، برهنت على صحة هذا التوجه .
أما نزعة التربص والجنوح للانقلاب على الدولة والمجتمع ، فإن حزب العدالة يترك هذا الذخر ، لحركات اسلامية مشرقية ومغاربية . آخرها حركة حماس التي شعر قادتها أن فوزهم في الانتحابات منقوص ، إذا لم "يضمخ " بالدم والغلبة على الشركاء وعلى عامة الناس ، وإذا لم تُقطع الطريق على أية انتخابات أخرى .
المتشددون العلمانيون في تركيا يجدون أنفسهم الآن وجهاً لوجه أمام الحقيقة .فالاستقرار مرهون بالحفاظ على أسس الدولة والنظام من جهة ، وعلى الاعتراف التام بسائر مكونات المجتمع والحياة السياسية من جهة ثانية وبالتلازم مع الأولى .وخاصة بعد أن نجح حزب العدالة في التفاعل مع قوى ورموز يسارية وحتى قومية ، وفي جذبها نحوه والترشح على قوائمه ، ضمن برنامج وطني مرن فلا تتم مصادرة خيارات القوى الأخرى باسم الائتلاف ، ولا تتم إدارة الظهر لحقائق عالمنا وعصرنا ، أو الميراث الدستوري الحي للبلاد والجمهورية ، ولا تتم مناوأة السياحة مثلاً أو حق الناس في البهجة .
لقد تمت الدعوة للانتخابات وجرى تنظيمها وإعلان نتائجها ، خلال وقت قياسي يناهز عشرة أسابيع فقط ، وبغير تجييش وتهييج للشارع والغرائز، تحت داعي الوطنية أو نصرة الدين الحنيف ، ودون إلحاق أذى يذكر بالنسيج الاجتماعي والنظام العام . ألم تجر الحملة الانتخابات نفسها في ذروة الموسم السياحي ؟ بلى ، وقد نجحت كل الترتيبات نجاحا باهرا ، دون أن تُضار دورة الحياة الطبيعية .
ولن يمضي وقت طويل قبل العودة إلى الاستحقاق الرئاسي ، وهو ما يتطلب حسم ما إذا كان مجلس النواب سيختار الرئيس أم يتم ذلك عبر استفتاء شعبي . والتحدي أمام حزب العدالة يكمن في الحفاظ على الروح الوفاقية وأخذ التعددية القائمة في الاعتبار . فهناك نصف الشعب على الأقل يقف مع الخيار الآخر ، ما يتطلب تعاوناً فعلياً مع حزب الشعب الجمهوري ثاني الأحزاب الفائزة ، وأحد أعرق الأحزاب التركية ، وكذلك مع الحزب القومي الناشىء الذي حل في المرتبة الثالثة . فإذا اتخذ حزب العدالة موقفا غير منفرد وتوافق مع غيره على مرشح مقبول من الجميع ، فسوف يحقق نجاحاً سياسياً معنوياً ، يضاف إلى ما أحرزه بجدارة عبر صناديق الاقتراع .