23 تموز, 2007
الملك في واشنطن :المؤتمر والمبادرة
محمود الريماوي
الزيارة الملكية يوم غد الثلاثاء إلى واشنطن ، تمثل الحدث الأبرز في منطقتنا الغارقة بالجمود والمهددة بالمزيد من التوترات الخطيرة . كان رأي جلالة الملك منذ البداية ، أن نزع الذرائع عن التطرف والإرهاب ، يبدأ ويمر وجوباً بإحراز تسوية عادلة شاملة وفق المرجعية الدولية .لقد قطعت واشنطن منذ ست سنوات وستة أشهر ، طريقاً طويلاً ومتعرجاً زاخراً بالإخفاقات ومفعماً بالمكابرة ، قبل أن تبدأ في تلمس هذه الحقيقة ، والمأمول أن تكون قد بدأت بذلك بالفعل ولو متأخرة .
لقد أدى استفحال النزعة التوسعية الإسرائيلية الى جانب عوامل أخرى أقل أهمية ، إلى ازدهار موجة التطرف وإلى عودة المتشددين إلى الحكم في طهران وإلى صعود حركة حماس . لقد صحت للمرة الألف مقولة أن التطرف يغذي ويسوغ بعضه بعضاً . وأنه من قصر النظر وسوء النية أيضاً ، التركيز على مصدر واحد للتطرف وإغفال مصدر آخر ، إن لم يكن تزيين ذلك المصدر الآخر واحتسابه اعتدالاً مزعوماً كما هو الحال في الموقف من الاحتلال الإسرائيلي المتطاول ، والذي يمني أصحابه أنفسهم بأن يكون أبدياً .
لقد دعا الرئيس بوش الشهر الجاري يوليو تموز الى مؤتمر دولي لسلام الشرق الاوسط . وقد فاجأت الدعوة كثيرين ، وذلك لفرط تنصل الإدارة من العمل الجدي والملموس لدفع المسيرة السلمية المتوقفة ، واكتفائها بنثر الوعود الخلابة والحديث في العموميات والاستغراق في التعامل مع مشكلات فرعية وناشئة ، بدلاً من الذهاب الى جوهر الصراع والتسوية .
رحب الأردن كما بقية العالم بهذه الدعوة ، غير أن الإدارة كتمت بعدئذ ومنذ نحو أسبوعين موقفها من آليات عقد هذا المؤتمر وأهدافه المباشرة والمتوسطة ، والأطراف المدعوة إليه وجدول أعماله ومكان انعقاده في الخريف أي بعد نحو شهرين .
ليس معلوماً الآن سر هذا التكتم في واشنطن ، هذا إذا كان وصف التكتم ينطبق على ما يجري . حتى أن هناك من المعلقين من أبدى الخشية ، بأن تكون تلك الدعوة التي أطلقها الرئيس مجرد زلة لسان ، يجري تصحيحها بتجاهلها وبعدم التطرق إليها ثانيةً ! . ولعل في هذا الرأي مبالغة ، تستند إلى ما يعترف به الرئيس نفسه ، من سهولة وتكرار وقوعه في زلات اللسان ..
ولا شك أن الوضع في الشرق الأوسط هو أشد خطورة من هذه المداعبات اللفظية . والخطر لا يكمن في هفوة لفظية تصدر من هنا أو هناك ، بل يتجسد هذا الخطر في سياسات تجانب الصواب ، وتلقي زيتاً بدلاً من الماء على حرائق كبيرة ، أو يقوم أصحابها بإرجاء عملية الإطفاء وإدارة الظهر للنيران ، بدعوى أن أفضل وسيلة للإطفاء هي ترك النيران تشتعل ، حتى تنطفىء من تلقائها وذلك لتوفير كلفة الإطفاء !.
يتحدث المرء بصورة مجازية ، لعل المجاز يكون أوضح في وصف أمور واقعية جرى إنكارها لأمد طويل . وبالعودة للسرد الواقعي ، فإن المؤتمر الذي دعا إليه مؤخراً الرئيس بوش ، سبق أن دعت إليه فرنسا وروسيا وبريطانيا منذ سنوات عدة وتؤيده الصين . أما العرب فقد اشتقوا من الشرعية الدولية مبادرتهم الجماعية لإحلال سلام شامل . وسبق لواشنطن أن أيدت هذه المبادرة ، لكنها لم تلتزم بشيء لوضعها موضع التطبيق .
الآن فإن العرب يترقبون ما سيقوله الرئيس بوش في القمة الأردنية الأميركية لممثل العرب جلالة الملك ، وما سوف يفعله الرئيس عقب القمة .
mdrimawi@yahoo.com