21 تموز, 2007
شجون العسكر والإسلام السياسي
محمود الريماوي
مم تشكو باكستان ؟ في واقع الأمر أنها تشكو من الحكم العسكري ، دون أن يكون هذا الحكم سبباً في تعطيل آليات دستورية ما زالت معمولاً بها . من المعروف ان برويز مشرف جاء بانقلاب عسكري ،وقد تعرض لحملة غربية عليه لهذا السبب ، إلا أن أحداث سبتمبر أيلول الأميركية ، وما انبرى به مشرف من مشاركة في" الحملة على الإرهاب" ، أدت إلى غض النظر عن الجنرال وحكمه .
أحداث المسجد الأحمر التي وقعت خلال الأسبوعين الماضيين ، لم تكن ترمي إلى استعادة الديمقراطية ، بقدر ما كانت محاولة لتكريس أسلمة المؤسسات . ولدرجة استخدم فيه مكان عبادة وليس أي مكان آخر ل"الاحتجاج السياسي " .رغم أن باكستان تزخر بآلاف المدارس الدينية ، مما يقل مثيله في بلد آخر . بل إن الهوية الإسلامية هي جزء من الهوية الوطنية للبلاد ، وقد تم الحفاظ على هذه الهوية في سائر العهود ، كما أن التشبث بهذه الهوية كان في أساس انفصال باكستان عن الهند أواخر الأربعينيات . ومع ذلك فقد ارتأت مجموعات من الطلبة بأنه لا بد من تحويل البلد إلى دولة إسلامية ..! .
انتهت هذه الأحداث إلى مأساة كما كان متوقعا ، وكما تنبىء الصراعات عندما تفرغ من طابعها السياسي ، وتتحول إلى صراع بين "الحق والباطل والخير والشر" .وبالنظر إلى الصلات القبلية بين باكستان وأفغانستان وبالذات في مناطق الحدود ، وما أقامه سابقا حكام طالبان من علاقات بإسلام أباد ، وحيث كانت باكستان هي الدولة شبه الوحيدة التي تعترف بهم ، فإنه يسهل في ضوء ذلك فهم "الجهاد من أجل مزيد من الأسلمة لدولة إسلامية " .أما الحكم الذي يدافع عن وجوده ، فلا يملك إلا الخيار العسكري في مواجهة هذا التمرد ، وذلك مع عزلته السياسية في الداخل .
من الملاحظ في هذا السياق أن تمرد المتمردين في المسجد الأحمر ، جاء بعد أزمة إقالة رئيس المحكمة العليا القاضي افتخار تشودري . وهذا هو أسلوب حركات إسلامية عديدة في استثمار أزمات سياسية والتذرع بها ، من اجل التسلل لفرض أجنداتهم الخاصة على الدولة والمجتمع ، وليس لتحقيق إصلاح سياسي مزعوم . وما فعلته حماس في غزة ليس بعيداً عن هذا النموذج ، بل هو شديد الالتصاق به .
بالأمس حدث تطور مهم على هذا الصعيد . المحكمة العليا التي كان تشودري يرأسها ، قضت بأن الإجراء الذي اتخذه برويز مشرف غير قانوني وقررت إعادته إلى موقعه ، بعد أن رفضت "أدلة" تقدم بها محامو الحكومة جرى تصويرها خلسة في بيت كبير قضاة البلد ، وقد اعتبرها محامو الدفاع مشينة .
ناطق باسم الحكومة ، أبدى احترامه للقرار قائلاً إن الحكم ليس انتصاراً أو هزيمة لأحد ، بل هو انتصار للقانون . وهو أفضل ما يمكن يصرح به مصدر رسمي في هذا المعرض . علاوة على أهمية المحافظة على استقلالية السلطة القضائية ضمن نظام يحكم العسكر فيه البلاد ، بدل أن تكون المؤسسة العسكرية خاضعة للمستوى السياسي !! .
ومن الواضح أن القرار والقبول به يشكل مكسباً للنظام خلافاً لأي انطباع فوري ، بأن الحكومة هزمت واضطرت للتراجع عن قرارها غير القانوني ، بإزاحة تشودري وهو معارض من موقعه القضائي وليس بصفة سياسية . فالنظام باحترامه لهذا القرار يكسب مزيداً من الحصانة ، ولعله لا يستخلص من ذلك أن الحكم العسكري ، قابل للبقاء دون إعادة الحكم للمدنيين . فالاستخلاص الأصح هو بالرجوع إلى الفصل بين السلطات ، وعودة الجنرالات إلى ثكناتهم .
mdrimawi@yahoo.com