20 تموز, 2007
جائزة غالب والجائزة التشجيعية !
محمود الريماوي
من حسن الطالع والتدبير أن يستعيد الأردن مجدداً ، قامة إبداعية وثقافية عالية مثل غالب هلسا ، وذلك عبر منحه (منح اسمه ) جائزة الدولة التقديرية .لقد تأخر هذا التكريم لعقد ونصف العقد من السنوات إن لم يكن أكثر . وكما تحدث بعض الأمور على وجه السرعة ، يحدث بعضها الآخر بوتيرة بطيئة كما هو الحال مع استعادة غالب ، الذي رحل .. تم ترحيله في الواقع في حقبة السادات من القاهرة ، ليمكث بضع سنوات في بيروت ثم في بغداد ، ولينتقل منها إلى دمشق حيث عاش سنواته الأخيرة هناك على مقربة منا ، دون أن يناديه أحد من أصحاب الشأن ، للعودة إلى عمان والكرك . لقد كان يقترب ب"غريزته " من موطنه ، من أرض الآباء والأجداد وملاعب الطفولة والصبا ، فأخذ يطوف على تخومه ويمكث هنا وهناك في تلك الأثناء موزعا بين حنينه لوطنه الأول وطنه الأم ، وبين تعلقه بمصر وطنه الثاني .
من المعلوم الىن ان غالب مثقف نقدي وللمرء أن يرافقه أو يخالف في بعض ما يذهب إليه ، خاصة في آرائه السياسية . غير أن أهميته تكمن في عطائه الثقافي كتابة وترجمة ، ما جعله من الوجوه التقافية البارزة في مصر في الستينيات والسبعينيات ، حيث كان له اتصال عضوي بالحياة الثقافية والفكرية والإبداعية فهو على سبيل المثال من منظري حركة جيل الستينيات في مصر .
الإعلاء من شأن مثقف أردني نقدي ، أمر يحسب للمؤسسة الثقافية الرسمية . فالمهم هو الاعتراف بالقيمة ، لا بما يذهب اليها صاحبها في هذا الموضع أو ذاك . علماً بان قيمة غالب الاساسية تكمن والباقية تكمن في ابداعه الروائي والقصصي ، بما يضعه في صدارة النهضة الإبداعية التي تفجرت مع منتصف الخمسنيات في بغداد وبيروت والقاهرة ودمشق . وهذه القيمة لغالب موضع اعتراف وتزكية بل محل إجماع من النقاد والدارسين العرب ، ومن الأولى أن تتم ترجمة هذه التزكية في موطنه عبر منحه التقدير اللائق ، ووضع آثاره بين أيدي الأجيال الأردنية الجديدة وفي كل مكتبة عامة .
وقد لاحظ من لاحظ أن غالب قد كتب روايات "مصرية " إلى جانب قصصه الأردنية وروايته "سلطانة" . هذا يضاعف من أهميته . فأن يكون هناك بعد عربي وتفاعل مع الخارج ، هو من مميزات آثار روائية إنسانية عابرة للحدود , ولم يكن غالب ليخفي البعد المصري في أدبه بل في شخصيته وكامتداد لهويته الأولى . وبهذا فغن الاجيال الجديدة القارئة سوف تقع على إضاءات ثرية للمجتمعين المصري والأردني كما للمجتمع العراقي 0( كما في رواية ثلاث وجه لبغداد ) وفي حقب مختلفة في إبداع غالب وهو أمر حيوي وجذاب ، يكسر الانطباع بالتصاق الأردنيين التام بالبيئة المحلية ورفض مبارحتها .
وبما أن الحديث يدور هنا حول جوائز الدولة التي تم إعلانها مؤخراً ، ومن باب الشيء بالشيء يذكر ، فقد كان من المنتظر منح جائزة الدولة التشجيعية في مجال القصة القصيرة لمن يقع عليه الاختيار من طرف لجنة التحكيم . بيد أن الذي حدث هو حجب هذه الجائزة ، بما يحمل رسالة قاسية مفادها أنه ليس هناك بين القاصين الساردين الشبان ، من يستحق حتى التشجيع ! . وهذا ، أي التحفيز إلى جانب التنويه بالموهبة وآثار صاحبها ، هو الغرض من تخصيص هذه الجائزة التي تم حجبها ، بما شكل مفاجأة مثيرة .
الأمل أن يتم تدارك ذلك في اقرب الآجال .
mdrimawi@yahoo.com
يعطيك العافية
انمي
صور