مدونة محمود الريماوي

« | »

حتى لا تتبدد دروس حرب كبرى

حتى لا تتبدد دروس حرب كبرى

                                                              محمود الريماوي

بعد عام على وقوعها تبدو حرب تموز ، وكأنها باتت وراء ظهر قطاع كبير من السياسيين اللبنانيين ، رغم أن الشواهد عليها ما زالت قائمة في مظاهر الخراب والتدمير الوحشي ، وكذلك في مفاعيلها  السياسية  التي ما زالت جارية وخاصة بما يتعلق بالوضع في الجنوب وانتشار قوات دولية فيه .

لماذا تبدو تلك الحرب الهائلة في وحشيتها ، وفي صمود المقاومين البواسل أمام أعتى آلة عسكرية في الشرق الأوسط وكأنها تغيب عن الأذهان رغم فرب العهد بها ؟ .

جواب المراقب على ذلك ،  أن ما تلا تلك الحرب من تطورات على الوضع الداخلي ،  يكاد يؤدي إلى صرف النظر عنها . وقد تكفي الإشارة هنا  إلى التزامن بين حلول الذكرى الأولى  لها ، وبين اندلاع حرب موضعية قد تكون صغيرة في الاعتبارات العسكرية المحضة  ، ونعني بها حرب عصابة "فتح الإسلام " في مخيم نهر البارد ، لكن مخاطرها " الاستراتيجية" الكامنة والظاهرة كبيرة لو لم يجر التصدي الحازم لها .  وهي حرب لم تكن متوقعة بهذا الحجم وبما استغرقته من وقت تجاوز الشهرين حتى تاريخه ، فيما سقط للجيش اللبناني ما لايقل عن ثمانين شهيداً ، ولا حاجة للقول إن الشهداء ينتمون لجميع الطوائف .، إذ يكفي التأكيد على أنهم ينتمون للجيش الوطني ، الذي كان في تلك الأثناء لحظة الاعتداء عليه ، يحهد في إعادة بناء قدراته ، بعد أن بدا مدى انكشافه أمام العدوان الإسرائيلي .

كان من المفترض والمؤمل أن تشكل المواجهة مع هذه العصابة البالغة الخطورة  ، فرصة لتجديد الوحدة الوطنية واكتشاف عوامل ودواعي الوفاق  والتحرك باتجاهها ومقتضاها . لكن ذلك لم يحدث للأسف الشديد ، فقد جرى إعلان مواقف الالتفاف حول الجيش ، مع الإحتفاظ بعوامل التباعد بين الفرقاء على ما هي عليه .وهو أمر غير مفهوم . فما دام تم التلاقي على المؤسسة العسكرية قد تم ، فقد كان الواجب يقضي بالالتقاء على بقية مؤسسات الدولة والوطن والالتفاف حولها .

وهذه هي الفرصة الثانية من هذا النوع التي يجرى تبديدها . ففي الحرب نفسها قبل عام شاعت أجواء نادرة من الوحدة الوطنية ، وتلاقت سائر القوى والأطراف على ضرورة تعزيز الصمود الداخلي وحرمان العدو من تحقيق أهدافه. وسرعان ما تم توظيف تلك الأجواء لغايات تعزيز التباعد .

ومن المؤسف مرة أخرى أن الطرف الآخر ، عمد بعد أن وضعت الحرب أوزارها ليس فقط إلى استخلاص الدروس والعبر ، وهي عبارة يكثرون من استخدامها ، بل نحو الالتفاف حول مؤسساتهم ، ومنع حدوث أي شرخ داخلي والاعتراف بما يعتبرونه أخطاء وتقصيراً ، دون توظيف ما جرى في تلك الحرب لتأجيج نزاعاتهم الداخلية .  يقول المرء : من المؤسف ، لأن شيئا من ذلك لم يتحقق على الجبهة الداخلية في لبنان ، فقد تم توظيف تلك الحرب بكل ما اشتملت عليه ، لتعميق التباعد ورعاية بذور التشكيك . فاندلعت منذ ذلك الوقت حروب سياسية صغيرة ، طغت على ملامح الصمود البطولي التي أبداها المقاومون والمدنيون ، وكادت تطمس ما عاناه الناس من الاستهداف المنهجي والمسعور لهم .

يضاف الى ما تقدم من عوامل ، أن الوضع الأمني اعتراه المزيد من التوتر والاحتقان الذي سبق مواجهات نهر البارد وواكبها . ففيما كان يجب توجيه الاهتمام مثلا لنزع ما لا يحصى من قنابل عنقودية بذرها العدو قبل تقهقره ، وبالمناسبة فإن تل أبيب لم تسلم  حتى تاريخه خرائط تكشف مواضع زرع تلك القنابل ، فإن الأنظار أخذت تتجه لاتقاء شر تفجيرات وقنابل مزروعة في الداخل أي بعيداً عن منطقة الجنوب . وهو ما أدى إلى تشتت الاهتمام ،حيث انشغل المواطن بيومه وغده ، ولم يعد يجد متسعاً للالتفات إلى الوراء .. إلى فصول الكارثة والبطولة التي اتسمت بها حرب تموز .

ولم يكن الوضع السياسي بأفضل ،فالتخندق والاستقطاب ارتفعت وتيرته طيلة العام الذي مضى ، ولم تفلح وساطات سعودية وإيرانية وكذلك جهود الجامعة العربية في برمجة الأولويات والاتفاق عليها .والأنظار الآن تتجه إلى باريس لعلها تفلح ، في إزالة العوائق التي اعترضت طريق أطراف أخرى .

هذا الوضع البالغ التوتر أرخى ظلاله الثقيلة ، وحال دون استخلاص الدروس ودون تعظيم ما تحقق ، بمطاردة العدو وحمله على أداء ثمن عدوانه .لقد جرى حديث رسمي إبان الحرب ، عن الاستعداد  للتحرك لإلزام تل أبيب بدفع تعويضات عن الآثار المدمرة لعدوانها . لكن تحركاً موصولاً بهذا الاتجاه لم يتم . وهو ما كان سيشكل سابقة إيجابية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ، فالعرب دأبوا على "التعفف " عن مطالبة عدوهم بدفع تعويضات عن جرائمه ،  بما يشتمل عليه مبدأ التعويض من قيمة سياسية وقانونية وأخلاقية تتعدى المطالبة المالية ، وكان الأمل أن تنجح الحكومة اللبنانية بإثارة هذه المسألة ، ووضعها في دائرة الضوء والاهتمام ، حتى لو لم يكون النجاح فيها مضموناً . غير أنها طويت حتى الآن ، رغم أن جرائم الحروب لا تسقط بالتقادم .

لا يكفي استذكار تلك الحرب والتأسي على أرواح الشهداء والضحايا ، والفخر بآيات الصمود والبطولة ، مع ما لذلك من قيمة وجدانية أكيدة ولا جدال فيها ، فالأهم هو حرمان العدو ما أمكن من المكاسب ، وتثمير المكاسب الداخلية والبناء عليها  ، لا إهدارها وتبديدها في استنزاف داخلي لا يتوقف .

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba