مدونة محمود الريماوي

« | »

أصوليون يراجعون مسيرتهم

أصوليون يراجعون مسيرتهم

                           محمود الريماوي                               

من المظاهر الجيدة في مسار الحركات الإسلامية ، عودة بعض الغلاة من دعاة العنف ضد مجتمعاتهم ، عن غلوهم هذا وقيامهم بالمراجعة . حدث ذلك بصورة متواترة في الجزائر ، وبصورة مطردة في مصر ، وهما في طليعة البلدان التي عانت في وقت مبكر من هذه الظاهرة المقيتة .

في الجزائر استفاد مئات المسلحين من قوانين العفو والوئام ونزلوا من الجبال ، والتحقوا مجددا بذويهم وحياتهم المهنية بعدما روعوا البلاد وسقطت اعداد غفيرة منهم بلا معنى ولا غاية ، سوى الهرطقة البائسة عن الاحتجاج على وقف المسير الانتخابي . وكأن هذا الاحتجاج المزعوم يستلزم قتل الأطفال والنساء والموظفين العموميين وغير المسلمين. وفي واقع الأمر أن استمالة المسلحين ومنحهم الفرصة للعودة إلى الحياة الطبيعية ، مع مواصلة التصدي لمن يحمل سلاحاً غير شرعي ، هو ما أفسح في المجال أمام تراجع نسبة كبيرة من هؤلاء عما هم فيه .

في مصر تمت وتتم الأمور عبر حوارات موصولة ومقايضات مشروعة ، بين السلطات والجماعات الأصولية  .  وقد تتالى في السنوات الأخيرة  ، الإفراج المشروط عن أفراد تلك الجماعات من تنظيم الجهاد إلى الجماعة الإسلامية ، والجماعة الاخيرة تخلت عن خيار العنف بصورة كاملة ، وقد نشرت مؤخرا مراجعة جريئة ،كتبها احد المنظرين السابقين وعضو مجلس الشورى فيها وهو الدكتور ناجح ابراهيم ( نشرت الدراسة في عدد أمس الاثنين من النهار البيروتية ) . وقد سرد الكاتب حيثيات التراجع ومنها ان القتال كان يدور بين أبناء الوطن الواحد والدين والدماء تراق بغير سند شرعي .  ومنها ما لاحظه القيادي السابق من "رغبة اسرائيل في الهيمنة على المنطقة ، وإضعاف الدولة المصرية وتهميش دورها .ولكان الاحتراب الداخلي يساعد على إضعاف الفريقين  : الحركة الإسلامية والدولة معا ، فقد رأينا وقف العنف نهائياً ".

ينطبق هذا التشخيص على العديد من الدول والمجتمعات العربية والإسلامية ، وبالتالي فإن المسوغات التي يتم سوقها للتراجع عن خيار الاحتراب الداخلي ، تنسحب على تلك الدول والمجتمعات التي تتم مناصبتها العداء ، مع التعبير عن ذلك العداء بأكثر الصور عشوائية ووحشية من طرف تلك الجماعات المتطرفة التي تنشد تحويل بلدانها إلى أرض محروقة ..

ليس العنف قاصراً على تلك الجماعات ، فهناك انتهاكات شتى لحقوق الإنسان ترتكبها سلطات عامة ، وبعض تلك الانتهاكات جسيم ومشين . غير أن الرد على السيئة لا يكون باقتراف سوأة أكبر وأفدح ، من نوع الاستهداف الأعمى للثروة الوطنية واقتصاد البلاد وركائز الدولة ، وللمدنيين العزل وتشويه صورة المسلمين  وتصويرهم على أنهم متعطشون لسفك دماء من يصادفونه في طريقهم ، وأعداء لكل من لا يتبع دينهم الحنيف .

من المهم استيعاب هؤلاء ليس بالمعنى السلبي للاحتواء ، بل بتمكينهم من العيش مع أبناء شعبهم كمواطنين أحرار ، يمتلكون دون منة حق المشاركة السياسية ، والتعبير عن الرأي بما لايمثل خروجاً السلم الاجتماعي وسلامة النظام العام .

وحري بمن يخطىء العنف ويدعو إلى نبذه ، أن يرفض العنف غير المشروع من أي مصدر أتى بما في ذلك من السلطات ، التي يفترض أنها ساهرة على احترام القوانين وحماية مواطنيها ، لا تعريضهم للمخاطر والمظالم لمجرد نقد تم إبداؤه أو ملاحظة عابرة تم الإدلاء بها .

وفي نهاية الأمر ومع استشراء الظاهرة الأصولية التي تتخذ مسميات شتى وتمارس بعض جماعاتها تقية سياسية لإخفاء نواياها ومراميها ، فإنه من دواعي الاستبشار أن تتم مراجعات هنا وهناك من طرف تلك الجماعات ، وأن تتعظ بها جماعات أخرى تغازل العنف من طرف خفي ، أو تغض النظر عنه بصورة متعمدة .

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba