16 تموز, 2007
الثأر من الحياة ومن المدنية !
محمود الريماوي
خلال أسبوع واحد قتل ثلاثة صحفيين شبان في العراق . ليس غريبا استهداف هؤلاء كما الحقيقة كما الحرية كما الحياة الطبيعية ، مستهدفة في هذا البلد الذي يعاني أكثر من احتلال واحد . فمن القوات الأميركية والبريطانية ، الى المرتزقة الأجانب إلى تنظيم القاعدة ، والعصابات الطائفية ، وأوكار الشر من الأشقياء واللصوص ، إلى تجار السلاح . هذه الأطراف جميعها دون تناسي المسؤولية الخاصة للاحتلال الأجنبي ، تتقاسم المسؤولية عن التدمير المنتظم لمظاهر ومرافق الحياة في بغداد مدينة السلام ، إلى باقي الحواضر التي طار ذكرها وصيتها عبر التاريخ وباتت مسرحا للقتل وارتكاب أبشع الجرائم .
ولعلها ليست مصادفة أن تلتقي تلك الأطراف على استهداف الصحفيين ، حتى بات العراق أسوأ مكان يمكن لأهل هذه المهنة أن يقصدوه أو يقيموا فيه . ومن المفارقات أنه في الوقت الذي ظهر فيه جيل جديد من المقبلين على هذه المهنة ، أثبت قدرته على العمل في أقسى الظروف وفي سائر وسائل الإعلام ، في هذا الوقت فقد برز متربصون بالحقيقة وبالحرية وبالتعددية ، وقد نشط هؤلاء في استهداف الصحفيين أولا بأول ما أن يظهروا وما أن تتفتق البراعم الأولى لمواهبهم وقدراتهم .
على هذا النحو تم ويتم السجال غير المتكافىء بين إرادة الحياة ، وبين مخططات الشر والجريمة المنظمة . فيصبح القلم والكمبيوتر والمايكروفون وأدوات التسجيل ، يمثابة "أسلحة " وأهدافاً مفضلة ، في مرمى القصف المنظم . ويا له من استهداف بشع و دنىء ينبىء عن استضعاف الضحايا والشهوة لاستعراض القوة الغاشمة والعمياء ، من طرف اؤلئك الذين في تعدد مواقعهم يرفعون ما لا يحصى من شعارات خلابة ومزعومة ، عن الحرية ونشر الديقراطية ، ونصرة الدين والوطن والشعب والمظلومين والعروبة والقضية ، وسوى ذلك من ادعاءات سرعان ما تسقط أمام أول اختبار ، من نوع النقمة الشديدة على نقل الحقيقة كما هي عليه ، بالكلمة أو الصوت أو الصورة .
من المؤسف ان لا تتوفر وسائل وتدابير لحماية الصحفيين في العراق وإحيانا في قطاع غزة ،فحين يكون المدنيين والأبرياء في مرمى الاستهداف لغير ما ذنب جنوه ، فإنه لا يغدو غريباً تشديد النكير على الصحفيين ، ومعهم أساتذة الجامعات والعلماء والفنانين وحتى الحلاقين ، فأعداء الحياة والمدنية لا يميزون بين هؤلاء واولئك ، وفي عرفهم ام كل بناة المدن واهلها وأرباب المهن فيها هم الأعداء الذين ينبغي استهدافهم لتعود الحياة إلى "فطرتها الأولى " أي إلى العراء أو إلى قاعٍ " صفصفا " ..
لقد هدد مسؤولون أميركيون من غلاة العنصريين المحافظين ، بإعادة بلاد الرافدين قرناً إلى الوراء ، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً مخزياً الفشل أفضل منه بالطبع في هذه الحالة . غير أن الغريب والمفاجىء في الأمر ، أن قوى وأطرافاً تدعي الوطنية والصلاح ، قد انبرت عملياً للمزايدة على غزاة أجانب ، فبذلت وما زالت تبذل كل ما تملك يمينها لإعادة بلد الحضارات ليس قرناً واحداً فقط إلى الوراء ، بل قروناً سحيقة من الزمن ، وهو ما يجعل عراقيين كثر يقفون أمام هول ما يجري ، ويتمتمون تحت وطأة الصدمات المتتالية قائلين : ليس هذا هو العراق ! . وهي عبارة تكاد تلخص الحصيلة البائسة لما يجري ، من محاولات لفصل الإنسان العراقي عن انجازاته ومكتسباته عبر التاريخ وكذلك عن هويته وجذوره ، من اجل صيغة صورة هجينة لعراق مقفر ينعق فيه الخراب من كل حدب وصوب .
الخشية أن تنتقل مثل هذه العدوى إلى إمارة غزة . فلنأمل أن لا تتحقق مثل هذه المخاوف الداهمة .