30 حزيران, 2007
أشرف مروان :الغموض لم يعد بناء
محمود الريماوي
يفترض بالسلطات المصرية أن تميط اللثام (تكشف ) في أقرب وقت ممكن عن ملف أشرف مروان ، الشخصية المحيرة والمميزة ، وذلك بعد وفاته في ظروف مريبة في لندن قبل أيام عن 63 عاماً . ليس من الحكمة أن يبقى الغموض يحيط بسيرة هذا الرجل ، إذ هناك من يتربصون لاستغلال هذا الغموض ، لتشويه الوقائع والحقائق والتلاعب بها وتوجيها وجهة معينة خدمة لأغراضهم ، بما يلحق ضرراً بالدولة المصرية ، وبالرجل وأسرته الصغيرة وأصدقائه .
كان الراحل قريباً في شبابه من أسرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وقد تزوج من كبرى بناته منى. وقد أفاد من ذلك في ما بعد ، فاقترب من خليفته السادات وبات رئيساً لهيئة التصنيع الحربي استنادا لدراسته في مجال الكيمياء ، قبل أن ينتقل إلى لندن ويعمل هناك في مجال توريد السلاح للقوات المسلحة المصرية .
أوساط إسرائيلية سربت أن أشرف مروان ، كان على صلة بالموساد ، قبل حرب العبور عام 1973 وربما بعدها ، فيما تؤكد أوساط أخرى أن الرجل ، استغل هذه الصلة بالاستخبارات الإسرائيلية ، لخدمة بلده وتضليل تل أبيب ..
مات الرجل بصورة مفاجئة ، فيما كان منسحباً من الحياة العامة ، وعاكفاً على كتابة مذكراته .وهو ما يثير شبهات قوية بأن طرفاً أو أكثر ، كان يرغب على الأقل في حجب فصول ومحطات من سيرة أشرف مروان ، وربما كان هناك من يريد معاقبته والانتقام منه ، لأمرٍ ما يتعلق إما باتصالاته الاستخبارية أو بصفقات أسلحة ، وهو ما يرجحه مستشار سابق للسادات (محمود جامع ). مع أن وفاة طبيعية ليست مستبعدة كلياً ، كونه عانى في السنوات الأخيرة من متاعب في القلب . والأمل أن تعمل أسرته على حفظ مذكراته في حرز حريز ، وأن تعمد بالتنسيق مع السلطات إلى نشر ما أنجزه منها .فهذه المذكرات ملك لمصر والمصريين ، إلى كونها ملكاً للأسرة المفجوعة .
ليس المقصود في ما سبق من سطور ، لا تنزيه الرجل عن ارتكاب أخطاء أو ما هو أكبر منها ، ولا وضعه في دائرة اشتباه . بل التأشير إلى التباس اكتنف حياته ومماته ،مما يستحق أن يغري الروائيين والسينمائيين لاستلهام وتجسيد سيرته. والآن وبعد انقضاء أجله في ظروف مريبة ، فمن الواجب وفاء وانتصاراً للحقيقة وضع حد لهذا الغموض ، وأيا كانت النتائج والخلاصات ، بعدما أصبح الرجل في ذمة الرحمن .
في هذه المناسبة لا بد أن المصريين يستذكرون راحلين كبارا قضوا في ظروف مريبة في الحارج ابتداء من الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري في عهد السادات الذي وافاه الاجل في العاصمة البريطانية في نهاية السبعينيات والعلم في الفيزياياء المهندس يحيى المشد في باريس ، مروراً بعشرات من العمال المصريين قتلوا في العراق قبل أعوام وخلال العهد السابق ، وبعدئذ الفنانة سعاد حسني .
ولعل هذه الميتات المأساوية تستثير ما يشبه ميثولوجيا مصرية ، تقوم على التعلق الشديد بتراب الوطن إلى درجة الاتحاد و"الفناء" فيه ، واعتبار مصر ليست مجرد بلد في الدنيا بل "أم الدنيا" ، والتطير من الابتعاد عنه .وهو ما يفسر بين عوامل أخرى ضعف الهجرات المصرية إلى الخارج قبل عقد السبعينات من القرن الماضي ، رغم كثافة عدد السكان والحاجة لالتماس الرزق في بلاد الله الواسعة ،وهو ما عمدت إليه شعوب أخرى في المنطقة ، عاشت ظروفاً مشابهة كالأتراك والإيرانيين .
mdrimawi@yahoo.com