مدونة محمود الريماوي

« | »

خطوة واسعة نحو دولة غزة

                 خطوة واسعة نحو دولة غزة                                                                                     

                                                                                                         محمود الريماوي

لا شك أن حركة حماس قد اجترحت جديداً في قطاع غزة ، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية ، التي يجري فيها انقلاب عسكري سافر ، للاستيلاء بالقوة على سلطة القرار وعلى المؤسسات القائمة  . وبذلك فإن فوز حماس في الانتخابات مطلع العام الماضي لم يكف الحركة ، ولم يشبع الرغبة لديها كما هو بادٍ في الانفراد بالحكم ، فعمدت الى تأجيج الاقتتال ورفضت صراحة ، الدعوات إلى وقف إطلاق النار وبالذات يومي الأربعاء والخميس الماضيين .

يكتب المرء هذه السطور الجمعة الخامس عشر من حزيران يونيو الجاري ، وذلك في غمرة تطورات متسارعة ، كان آخرها إقالة حكومة اسماعيل هنية  ، وفرض حالة الطوارىء والتهيؤ لتشكيل حكومة مؤقتة .وليس معلوماً أين سيتجه الوضع بالتحديد ، غير أن بوسع المرء رسم بعض ملامح  هذه المرحلة  .

وابتداء فقد تم لا ريب  نشوء أمر واقع جديد لكنه شاذ  في قطاع غزة  ، مع السيطرة المسلحة لحماس على القطاع . ترفض الحركة قرارات رئيس السلطة ، وتعتبر أن "لا قيمة عملية للقرارات " كما قال الناطق سامي أبو زهري . يعني ذلك استمرار حكومة هنية ( الذي نفى قبل يوم واحد من إقالته ، أن يكون وافق على إطلاق النار ) وبالطبع مع خروج وزراء فتح وعلى الأرجح غالبية الكتل الأخرى ، مقابل نشوء حكومة انتقالية في رام الله .

قبل أشهر كان وزير من حماس يتساءل : لماذا يحضر محمود عباس إلى غزة ؟ .زلة اللسان الفرويدية  ،هذه كشفت منذ وقت مبكر عن المستور .فالحركة ترغب في السيطرة على القطاع ، وإقصاء الفصيل الأكبر وتالياً بقية المنظمات ، إذ يسهل إقصاء منظمات "صغيرة " بعد إقصاء الكبيرة منها ، وبالأسلوب الذي شوهد على شاشات التلفزة .

يمكن الآن فهم دوافع ومرامي مسلسل الاقتتال قبل اتفاق مكة وبعده .ثقة حماس بالذات تجيز بالنسبة لبعض القائمين عليها فعل ما لا يفعل . والمفارقة الكبرى أن تلك الثقة تأتت عن الفوز بالانتخابات ، فجرى استثمار هذا الحدث الذي تحقق بوسائل ديمقراطية ، من أجل تقويض الديمقراطية والقانون ، ويبدو أن هذه وتلك "لا قيمة عمليا لهما" في نهاية المطاف ، مقارنة بمفاعيل فرض السطوة وقتل 110 ضحايا وجرح المئات ، في الحلقة الأخيرة فقط من هذا المسلسل  .

ستجد الحركة أن ما بدا لها من قوة مسلحة سيكون مؤداه العزلة ، وتجريع الشعب المزيد من المعاناة . فقد عادت الحركة بفضل التيار الانقلابي المستحوذ داخلها ،إلى المربع الأول بعد الفوز في الانتخابات ، حين رفضت الالتقاء مع جميع مكونات الحركة الوطنية على برنامج ائتلافي مشترك ، وقامت بتشكيل حكومة ذات لون واحد وبفصيل واحد ، مما شدد من حالة العزلة والحصار على الشعب الرازح تحت الاحتلال ، مما اضطر الحركة إلى تراجع جزئي أدى لتشكيل حكومة وحدة وطنية ، لكن القاصي والداني يدرك أن القرار بالاستيلاء على السلطة هو قرار فصيل واحد ، وبالتالي فإن هذا الفصيل هو من وضع فعلياً نهاية لحكومة الوحدة الوطنية ، إذ لا يمكن لهذه الحكومة الائتلافية أن ترتضي باستباحة الدماء والانقلاب السافر على الشرعية .

ما سعى إليه الاحتلال بفصل غزة عن الضفة الغربية ، في سبيله إلى التحقق التام مع إقامة حماس لدولتها أو إمارتها في القطاع . ومع الرفض المنتظر وشبه المؤكد ، العربي والاقليمي والدولي لهذه الدويلة ، فإنه يسترعي الانتباه تصريحات اسرائيلية بعضها لوزير الحرب عمير بيريتس ، أفادت أن حركة فتح ماتت ، وقبل ذلك كانت هناك تصريحات لتسيبي ليفني  تفيد أن محمود عباس "ضعيف جداً وميت سياسياً " ، وأنه مع سيطرة حماس على القطاع وعلى جميع معابره  ، لا يعود أمام تل أبيب سوى التفاوض مع هذه الحركة .

 فإذا ما ربط المرء هذه التصريحات التي تكاد تكون مرحبة بما جرى ويجري ، بالرؤية الصهيونية القائمة على تقسيم الأرض المحتلة في العام 1967 ، والقبول بإقامة دولة غزة (بعيداً عن "يهودا والسامرة " ) مقابل دوام الاحتلال في الضفة الغربية ، فإن للمرء أن يبدي حذراً شديداً من المآل السياسي لهذه التطورات ، وبصرف النظر عن النوايا .فمن المقدر أن تستغل تل أبيب هذه التطورات لتطبيق برنامجها الجذري المومأ اليه ، وعبر إبداء استعداد ما للتعامل مع الواقع الجديد ، أي الاعتراف الواقعي بدولة حماس في غزة ، والتلويح بمفاوضات  وقد تم التلويح بذلك بالفعل بعد ساعات من " انتصار حماس" ، وذلك لإرساء معادلة  جيوسياسية جديدة ، تطيح بمرجعيات العملية السلمية المتوقفة ، ومبدأ الأرض مقابل السلام لصالح أرض غزة لقاء السلام . مع الاستعداد لوقف متبادل لإطلاق النار لتمكين الدولة الجديدة من استكمال سطوتها .

بطبيعة الحال هناك عوائق شتى أمام مثل هذه السنياريو ، غبر أن تل أبيب سوف تستثمر إلى الحد الأقصى ، تأسيساً على هذه التطورات ، واقع انقسام وثنائية السلطة لتبشر بانطفاء الحركة الوطنية الفلسطينية التاريخية ، وتكريس تنصلها من أية التزامات سابقة ، مع أخذ "القوة الصاعدة " في الاعتبار ضمن شروط ومتطلبات معينة ، ومحاولة فرض هذه الأجندة على المجتمع الدولي ، والتي يراد منها في الأساس الفصل بين الأراضي المحتلة ، وتوجيه الأنظار فقط إلى الأرض "المحررة من المستوطنين ومن فتح في قطاع غزة " على حد تعبير سامي أبو زهري ، وهي التي تستحق من وجهة نظر تل أبيب أن تكون مداراً للتفاوض .

 

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba