مدونة محمود الريماوي

« | »

محطات في مسيرة فقيد كبير

 

 

                        رأي عربي

              محطات في مسيرة فقيد كبير  

                                          محمود الريماوي

غاب جمال الشاعر عن محبيه الكثر بخفر وهدوء ، وهو ما طبع شخصية الراحل الكبير في حياته العريضة ، إلى جانب خصاله الأخرى كصاحب تفكير ثاقب وثقافة موسوعية ، والتزام وطني وقومي راسخين ، وألفة شخصية دافئة .

يصعب قراءة تاريخ الحياة السياسية والحركة الوطنية الأردنية ، بمعزل عن موقع جمال الشاعر  فيهما ، كناشط سياسي ومسؤول وحزبي وبرلماني وكاتب ، إضافة إلى مهنتنه كطبيب وتأسيسه لمشفى رائد .

غير أن ثمة أموراً تستوقف المرء في المحطات الأخيرة من حياة الفقيد الكبير . الأولى إيمانه بالحياة الحزبية كركن ركين للديمقراطية ، وهو ما دفعه لتأسيس حزب قومي وحدوي قبل انقضاء مرحلة الأحكام العرفية ، وذلك قبل عشرين عاماً من الآن إذا لم تخن المرء الذاكرة . وقد استثمر الرجل موقعه المعنوي والاعتباري فأقدم على هذه الخطوة ، والتي كانت إيذانا بعودة الحياة الحزبية ووقف تحريمها .

الأمر الثاني هو تعلقه بالخيار الديمقراطي ، واستخلاصه بذلك لأبرز الدروس الصائبة لإخفاق المشاريع القومية ، مما جعل له موقعاً متميزاً بين مجايليه وسواهم من قوميين ، حيث بقي شطر غير يسير منهم يطالب ويرطن بها في الأردن ، ويغض النظر عن غيابها المروع في دول أخرى ، علاوة على ضعفها في مؤسسات حزبية قومية النزعة .

الأمر الثالث هو أنه في حين تخلى عن الانغماس الشخصي في مواقع قيادية حزبية ، فقد حافظ على نزوعه إلى تشجيع النزعات الإئتلافية والوحدوية ، بين المكونات المتقاربة والمتشابهة من المؤسسات الحزبية .وقد كانت هذه القضية تشغله بل تؤرقه ، وذلك مع ملاحظة ضعف الأداء الحزبي ، وتكاثر وتناسل هذه المشاريع ، وميل بعضها الى الشخصنة وسوى ذلك من مظاهر الضعف ، وما يتصل بذلك من الحاجة الى تفعيل الحياة الحزبية و "رد الاعتبار " لها من طرف الجمهور ، وقد ناله في ذلك بعض الأذى (سوء الفهم ) ، رغم أنه لم تكن له من مصلحة خاصة في هذه الجهود ، بعد أن زهد بهذه الدنيا وما فيها ، وحقق ما شاءه من تطلعات ذاتية ، وكانت آخر جهوده في هذا المجال سعيه إلى التقريب بين جناحي حزب البعث ، كخطوة نحو  توحيدهما وهو من البعثيين الرواد في البلد والوطن العربي .

وهناك ما يعز على الحصر من محطات في حياة ومسيرة جمال الشاعر ، الذي شكل نقطة التقاء وجسراً  ، يصل بين مختلف مكونات الحياة السياسية والاجتماعية وكذلك بين الأجيال ، وهو ما يستحق أن ينتدب دارسون أنفسهم للوفاء بمهمة إلقاء الضوء عليها ..على هذه المحطات ،ووضعها في دائرة اهتمام سائر المعنيين ، وخاصة من الأجيال الجديدة  التي لا بد لأبنائها من الوقوف على المفاصل الرئيسة والتحولات السياسية في تاريخ الدولة والمجتمع الأردني، وحيث كان جمال الشاعر من أبرز الفاعلين فيها على مدى أكثر من نصف قرن ، قبل أن ينتقل إلى موقع الشاهد الأمين والمراقب المعني في العقد الأخير .

يفتقد المرء سماحة ورحابة رؤية جمال الشاعر في هذه الأيام الحالكة ، وحضوره العذب والسابغ  في زمن يبتعد فيه الناس عن بعضهم بعضاً ،وهو الذي دأب على جمع الأشتات كما الأصدقاء في بيته كما في المنتديات والأماكن العامة.

ليشمله المولى بشآبيب رحمته .

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba