23 حزيران, 2007
حتى لا تقع المنطقة رهينة للأصوليات
محمود الريماوي
سوف يشهد لقاء شرم الشيخ بعد غد الإثنين ، كما انعقاد لقاء الرباعية الدولية في القدس في اليوم الذي يليه ، استغلالاً اسرائيلياً مكشوفاً لانقلاب حماس ، من أجل فرض أولويات وأجندة جديدة غير تلك التي يمليها واقع الحال منذ العام 1967 . من قبيل تجنيد الجهد لمحاصرة حماس والدعم المالي لرئاسة السلطة وحكومة سلام فياض .فيما المطلوب ببساطة هو تقديم دعم سياسي نزيه لاستئناف المفاوضات ، على طريق انهاء الاحتلال البغيض ، بما يحاصر موجة التطرف في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني ، وفي دول ومجتمعات أخرى في الشرق الأوسط وخارجه .
تل أبيب سعيدة بالطبع بالانفصال الذي أرساه الانقلابيون للقطاع عن الضفة الغربية المحتلة .غير أن الاحتلال هو من فرض من قبل هذا الواقع الشاذ ، وبذل كل ما تملك يمينه لبلوغ هذه الغاية . ما فعلته حماس هو تزكية هذا الواقع القائم من قبل وتكريسه ، لكي تتسلطن في غزة ، وهي التي طالما أشاع بعض قادتها أنهم زاهدون بالسلطة ، كما أقسم هؤلاء في الديار المقدسة على تحريم الاقتتال وعلى عدم اللجوء اليه .
غير أن ذلك كله على فداحته يشكل تداعيات لحالة الاحتلال ، فقد ظهرت حماس بعد عشرين عاما على الاستيلاء الإسرائيلي على الضفة والقطاع .وأنفقت في ذلك ردحاً طويلا في هجاء الكفاح تحت الاحتلال ، قبل أن تنغمس في لعبة التشكل كقوة بديلة لمنظمة التحرير . وقد اندفعت تل أبيب منذ عهد شارون في مناوأة الاعتدال الفلسطيني وفي تدمير ركائز الحياة ، وهو بالمناسبة الخط نفسه الذي اختطته حماس مع اختلاف المقاصد هنا وهناك .
لم يعد جائزاً الآن الالتفاف على الخلل الجوهري العميق المتمثل باستمرار الاحتلال ، والذي تسبب وما زال يتسبب بالكوارث . السلام العادل هو وحده ما يضع حداً للتعقيدات . لقد تحدث اولمرت بأنه يريد بناء علاقات جديدة مع الفلسطينيين . هذا يتطلب الخروج من منهج اللصوصية والاحتيال وجرائم القتل اليومية ،وإعادة الأراضي والحقوق لأصحابها ، تتويجاً لمفاوضات جدية ما فتىء أولمرت يتهرب منها جرياً على نهج أستاذه كبير أعداء السلام شارون .
على الجانب الفلسطيني أن يتسلح برؤية واضحة ، فلا تطغى الأحداث الأخيرة رغم خطورتها على جذور المسألة .حماس مستفيدة استفادة كبرى من غياب حل سلمي ناجز، لكي تسوغ نزعتها الانقلابية الجامحة . المتطرفون الاسرائيليون الكثر ، وأولمرت أبرز قادتهم مستفيدون استفادة قصوى ، من غياب الحلول الجدية للإطباق على الأراضي المسروقة بما فيها بيت المقدس .
تطورات الأسبوع الجاري تشكل فرصة ، لكي يرتفع صوت الاعتدال بالدعوة لمعالجة جذرية للمعضلات ، ومواجهة السياسة الاسرائيلية المقيتة القائمة على استغلال الذرائع ، ومحاولة التمويه على المعضلة الكبرى الدائمة ، والمتمثلة في حرمان شعب كامل من حقه في الحياة والحرية ، والاستيلاء على أرضه ومقدراته .
هذا هو المدخل الصالح والوحيد ، لتطويق التطرف من أي مصدر أتى ، وأياً كان لبوسه وشعاراته وأحابيله، ولوضع حد لتلك البيئة المريضة التي يزدهر فيها ، والإنصاف يقتضي القول إن اليمين الإسرائيلي ، هو صاحب السبق في إرساء هذه التشوهات البنيوية الخطيرة .فقد أذن صعود هذا اليمين ببروز ما لا يحصى من الجماعات الصهيونية العنصرية ، وهي تشكل الرديف والاحتياط الاستراتيجي لحزبي كاديما والليكود على السواء .
لم يعد الوقت يتسع لإطلاق المزيد من الألاعيب والأكاذيب . فإما أن تكون المنطقة رهينة لأصوليات متقابلة يغذي ويسوغ بعضها بعضاً ، أو أن يتم التقدم بشجاعة على طريق سلام عادل .
mdrimawi@yahoo.com