21 حزيران, 2007
آن الأوان لوقف الخلط والاختلاط !
محمود الريماوي
من المفارقات أن "جبهة العمل الإسلامي" تستكثر أن تعبر تيارات يسارية وقومية تنضوي معها في "تنسيقية المعارضة " عن موقف مناهض للاقتتال الفلسطيني وللنزعة الانقلابية الجامحة في قطاع غزة . وللجبهة أن تقول بأن الخلاف يدور حول عدم جواز التعبير الذي تم عن مجمل موقف المعارضة وباسمها مجتمعة ، بينما هو في الأصل موقف لأحزاب بعينها . حسناً ماذا كان سيكون عليه الموقف لو عبرت تلك التيارات عن موقف مطابق ، لما تتخذه جبهة العمل من تأييد ضمني وبصوت خافت لما جرى ؟ . كانت الجبهة سترحب آنذاك بذلك وتحتسبه تعبيراً أصيلاً عن وحدة مواقف المعارضة ! .
آن لأحزاب يسارية وقومية ووطنية ، أن تمضي خطوة الى الامام ، بوقف الاختلاط الضار والفادح بين مواقفها وسياساتها ، و وموقف من يراهنون على "صحوة " هنا وهناك ، تضع حدا للآمال بالذهاب على طريق التعددية وبناء دول الحق والقانون ، لمصلحة تيارات منغمسة بامتداح الذات وامتلاك الصواب واحتكار النطق باسم الأمة ، بما لا يترك هامشاً لحياة سياسية طبيعية .
ولا يعقل أن يكون الرفض مثلا هو الجامع الوحيد بين قوى حزبية ذات تباين بين ، في الرؤى السياسية والأيديولوجية ، وأن تتم المراهنة على هذا المشترك وحده ، فحتى الرفض فإن دواعيه وبواعثه مختلفة ، والبدائل أيضا على درجة كبيرة من التباعد .
لقد جاء انقلاب غزة امتحاناً كاشفاً للمستور وللباطنية السياسية ، وللازدواجية بين الخطاب الإعلامية والقناعات الفعلية ، وذلك لدى العديد من جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي ، التي اعتصم معظمها بالصمت ، وهو في المحصلة من قبيل صمت الرضى عما يحدث .
لقد ارتكبت العديد من الدول أخطاء ، في التضييق غير المبرر على قوى إسلامية وديمقراطية ، غير أن هذه الأخطاء وبعضها جسيم ، لا يسوغ الانتقال إلى العنف العاري وتهديد الكيانات والشروع في تمزيق المجتمعات ، ومعلوم أن العديد من تلك الجماعات تناصب مجتمعاتها العداء (قطاع النساء مثلاً ) بأكثر مما تناهض الأعادي .
ليس مطلوباً إثارة خصام تناحري بين قوى مدنية ديمقراطية وبين تيارات إسلاموية ، بيد أنه مطلوب على الأقل تظهير أوجه الخلاف والاختلاف ، وعدم التذيل واستتباع جماعات سلفية ،
وعدم التضحية بخيارات ديمقراطية ، تقوم على التعددية التي تعكس التعدد الاجتماعي والثقافي الداخلي في كل بلد ، وهو ما تنكره تلك الجماعات .
ولو شاء المرء أن بتحدث بأفق سياسي ، فإنه مطلوب حقاً بلا مراء وبلا تردد معارضة الحلف الأميركي الإسرائيلي ، وتهديده لدول وشعوب المنطقة ورفضه لإحلال سلام عادل ، غير أن هذه المعارضة والمناهضة يتعين أن لا تذهب ، لتسهيل الطريق أمام مشروع إيراني يرى في العراق وفلسطين ولبنان واليمن ، مجرد ساحات لا أوطاناً لشعوبها ، ويتم استخدام هذه "الساحات " لمراكمة نقاط لمصلحة الجانب الإيراني في الصراع على مد النفوذ في المنطقة ، ولو تطلب الأمر إشعال فتن عمياء وتدبير انقلابات في ليل ، وتهديد المجتمعات والشرعيات .
إن المطلوب باختصار هو امتلاك رؤى وطنية ديمقراطية سلمية داخلية ، لا ترتهن للخارج أياً كان هذا الخارج ، وتنشد التنمية الشاملة وبناء الأوطان ، والدفاع الصلب عن حقوق الشعوب والأمة .
بقيت الإشارة إلى أن من يرتضي ، الانجراف في اقتتال واللجوء إلى انقلاب في بلد ما ، تحت ذرائع شتى ومسميات مضللة ، فإنه في النتيجة بوعي أو بدونه بقصد أو بغيره ، يسوغ اللجوء إلى مثل هذه الخيارات المريضة في بلده .
mdrimawi@yahoo.com