مدونة محمود الريماوي

« | »

الأنظار تتجه الى القاهرة

الأنظار تتجه إلى القاهرة                        

                                                       محمود الريماوي

مع الأخذ في الاعتبار أن القاهرة سوف تحتكم  إلى مقررات الإجماع العربي ، في مؤتمر وزراء الخارجية الذي انعقد يوم أمس الجمعة في رحاب الجامعة العربية ، لصوغ سياستها تجاه دويلة حماس في قطاع غزة ، فإنه يستحق أن يؤخذ في الحسبان أيضاً أن ثمة خصوصية للعلاقة المصرية بالقطاع .إذ سبق أن كان الحكم للإدارة المصرية في القطاع ، طيلة أكثر من عشر سنوات :بين عامي 1956 و1967 . وحدود القطاع مع الجزء الفلسطيني من رفح هي الحدود البرية المصرية مع فلسطين . وهو ما يفسر الجهد المصري الموصول منذ مطلع العام الماضي ، على الأقل لوقف الاقتتال في القطاع ، وهي جهود اصطدمت بجشع حركة حماس للاستيلاء على السلطة . وقد فسر السيد اسماعيل هنية هذا المسعى بأن حكومته المقالة منتخبة ، وما دامت منتخبة فيحق لها تبعاً لذلك القيام بانقلاب على الشرعية ! ووصم الحركة الوطنية التاريخية ب"العمالة " ! .

الخصوصية الثانية لعلاقة مصر بالقطاع ، تتمثل في  التهديد الذي تتعرض له الدولة المصرية والمجتمع المصري ، من منظمات أصولية إلى جانب تحديات أخرى . وقد لوحظ أن صعود حماس قد واكبه ظهور جماعات أصولية متعددة في قطاع غزة ، إحداها تختطف الصحفي البريطاني ألان جونستون ، مما يشكل مصدر قلق جدي للسلطات المصرية .

أما الخصيصة الثالثة فهي أن هذه التطورات تشكل طعنة نجلاء للمشروع الوطني الفلسطيني ،وتقسيماً للأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، مما يشكل ذريعة قوية لطي الملف الفلسطيني وإقصائه عن الأجندة الإقليمية والدولية ، مع انفتاح شهية الاحتلال الإسرائيلي على طرح حلول عرجاء تديم السطو على الضفة وبيت المقدس ، وتعد ثمانية ملايين فلسطيني ب "دولة" لهم في قطاع غزة ، تحت حكم حماس والمنظمات الأصولية الرديفة ، باستثناء "الجهاد الإسلامي" التي اعتمدت حتى تاريخه ، موقفاً نزيهاً ومسؤولاً من انقلاب حماس .

وعليه فإن الموقف الذي ستتخذه القاهرة من الدويلة الناشئة ، والتي لا تربطها بالعالم الخارجي حدود برية سوى الحدود مع مصر ، سوف يحدد إلى حد بعيد وجهة الأحداث في الشهور المقبلة . وبهذا فإن الأنظار تتجه هذه الأيام إلى القاهرة ، ترقباً للسياسة التي سوف تتبعها إزاء هذا الانعطاف القسري والحاد في المسيرة الفلسطينية ، والذي جعل من استهداف الشريك الكبير والسيطرة على القطاع حتى في ظل حصار إسرائيلي  محكم ، هو لب القضية ومنتهى الإرب وغاية المنى ، والنصر المؤزر المبين الذي تهفو له أفئدة قادة ومسلحين من هذه الحركة .

 معلوم بالمناسبة أن حركة حماس لا تربطها علاقة تذكر بقوى سياسية مصرية رئيسة ، فحتى جماعة الإخوان المسلمين المصرية ، فإنها قد نأت بنفسها عن تطرف حماس ، وإنكار هذه الحركة لتضحيات شعبها ، مما مكن الحركة في النتيجة من المشاركة في الانتخابات ، وهو ما أصرت عليه بالمناسبة رئاسة السلطة الفلسطينية ، رغم اعتراضات غربية شديدة .

أما العلاقة المصرية الرسمية مع حماس ، فهي حديثة العهد وتعود لنحو أربع سنوات  ،وكان مدارها السعي للهدنة وتجنيب أبناء القطاع مخاطر الاستباحة الاسرائيلية ، ووقف الاقتتال الداخلي ، قبل أن يتكشف التوجه الفعلي للحركة ، مع رفض الالتقاء بالمبعوث المصري الثلاثاء الماضي ، ورفض إجراء حوار مشترك مع بقية القوى الوطنية بدعوى الاعتبارات الأمنية ، علماً أن التدهور الأمني المريع كان من صنيع الحركة وبقيادتها .

لقد تغير الوضع حقاً وازداد تعقيداً وسوءاً ، وهو ما سيضع مصر كما الأردن ودول عربية أخرى ، أمام مسؤولية التعامل مع الوضع الناشىء ، وما يحف به راهناً ومستقبلاً من محاذير شتى .

mdrimawi@yahoo.com    

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba