12 حزيران, 2007
الاحتكام للعنف والقانون !
محمود الريماوي
يتابع المتابع وقائع مناسبة سياسية في مصر ، بمزيج من الضيق والإعجاب . المناسبة هي انتخابات مجلس الشورى النصفية ( نصف عدد المقاعد ) والتي تجري كل ثلاث سنوات . الضيق لما تشتمل عليه هذه المناسبة من مظاهر عنف باتت للأسف الشديد من تقاليد الانتخابات المصرية ، بعدما كانت هذه الممارسات منذ نحو عقد من الزمن ، غريبة على مثل هذه المناسبات .ومن المثير حقاً أن يكون مرشحون أو أنصار للحزب الوطني الحاكم هم يلجأون للعنف ، بدل أن يكونوا هم الأحرص على سيادة القانون ، لقربهم من أجهزة الدولة المولجة بالسهر على تطبيق القانون .
مجلس الشورى وعدد أعضائه 264 يتم انتخاب ثلثيه فيما يجري تعيين الثلث الباقي . ويتمتع المجلس وفقا للدستور بصلاحيات محدودة مقارنة بمجلس الشعب . المنافسة الحالية تدور حول 77 مقعداً بعد فوز 11 مرشحا بالتزكية . وكالعادة تنعقد المنافسة بين مرشحي الحزب الوطني وجماعة الإخوان المسلمين . التضييق على المعارضة الوطنية والليبرالية واليسارية ، أضعف هذه المعارضة ، وأخرجها من التنافس الجدي . جماعة الإخوان غير مرخصة لكن هناك اعتراف واقعي بها ، وأعضاؤها يشكلون عشرين بالمئة من أعضاء مجلس الشعب (النواب ) . الآن تجرب الجماعة حظها ولأول مرة في انتخابات مجلس الشورى . وقد سعت الجماعة للتكيف مع التعديلات الدستورية الأخيرة ، فامتنعت عن رفع شعارات دينية حتى لا يتم استغلال المشاعر الدينية لتحقيق مكاسب سياسية . غير أن أنصار الجماعة وخاصة من الناس البسطاء رفعوا مثل هذه الشعارات فاختلط الأمر.
واستباقاً لذلك كله تقدم الحزب الوطني ومباحث أمن الدولة ، بطلبات للجنة الانتخابات بشطب اسماء 18 مرشحاً ، وقد وافقت اللجنة على شطب عشرة أسماء ، وأحالت البت بالعدد الباقي على المحكمة الإدارية العليا . وأصدرت المحكمة قرارها بمنح المرشحين حق الترشيح .
القضاء يبت في مثل هذه المنازعات بشفافية ملحوظة وبحياد غير خاف .ولو كان هناك لا سمح الله نظام شمولي ، كالذي تسعى أطراف إسلاموية وغيرها لإقامته ، لما قيض للقضاء أن يلعب مثل الدور النزيه ، وكما تدل على ذلك التجارب في منطقتنا ، حيث يتم الاستهزاء بالقضاء أو تسخيره لخدمة السلطات التي لا يأتيها الباطل .
هنا مصدر الإعجاب بالتجربة المصرية العريقة . فاستقرار السلطة القضائية إلى جانب حرية التعبير الواسعة ( وهي حرية يحرسها المجتمع المتعدد ، إلى جانب السلطات ) يضمنان الحد من التغول وتقييده ، من أي مصدر أتى .
في الأنظمة الشمولية يتم التضحية بالحق في حرية التعبير ، واعتبارها مجرد لغو ولزوم ما لا يلزم ، جنباً إلى جنب مع تجويف السلطة القضائية ، واعتبار ذلك كله معياراً للصواب والعظمة و" الالتحام بين القيادة والشعب " . في مصر تتم رغم ذلك تجاوزات جمة بعضها جسيم ، غير أن باب الاعتراض والتصحيح يظل مفتوحاً ومتاحاً بقوة القانون ، وهو ما يحق للمصريين على مختلف مذاهبهم ومشاربهم أن يفخروا به . مع مواصلة الجهد لصيانة هذه المنجزات وتطويرها ، وصولاً إلى بناء دولة الحق والقانون مكتملة الأركان .
ويتحمل الحزب الوطني مسؤولية رئيسة ، في حماية هذه التجربة لا الطعن بها عبر الانسياق وراء الأنانيات والاستغلال المكشوف للنفوذ . وفي نهاية الأمر فإن الانفكاك بين الدولة والحزب الوطني ، هو شرط شارط لنقلة نوعية وحضارية ، تضمن بيئة سليمة لواقع التعددية القائمة .
mdrimawi@yahoo.com