02 حزيران, 2007
محكمة : كلمة تتردد
أصداؤها قبل النطق بها
محمود الريماوي
ليس من قبيل المصادفة أن يصدر القرار الدولي 1757 القاضي بإنشاء محكمة دولية ذات طابع دولي لمحاكمة قتلة رفيق الحريري ورفاقه ، في الوقت الذي يواجه فيه الجيش اللبناني بؤرة إرهابية هي "فتح الإسلام" . ذلك أن لبنان مستهدف بحق ويراد له أن يكون ساحة مفتوحة ومستباحة لما لا يحصى من قوى خارجية وبالذات لقوى متطرفة مسلحة تسربت بالذات إلى المخيمات ، رغم إرادة قاطنيها . وسبق لمثل هذه المنظمات أن خاضت اشتباكات داخل تلك المخيمات ، من اجل انتحال صفة التمثيل الفلسطيني وإرساء أمر واقع .
وفي الظروف الحساسة التي يعيشها لبنان منذ أكثر من عامين ، بدأت هذه الجماعات المسلحة في الدخول على خط المعادلات الداخلية وإفساد السلم الأهلي وتبين أن منظمة فتح الإسلام سبق أن ارتكبت جرائم قتل وسرقات قبل أن تفتح نيرانها على الجيش اللبناني ، وتقتل ثلاثين من أفراده وهو ما أشعل الاشتباكات في مخيم نهر البارد .
إقرار المحكمة جاء إذن في ظرف دقيق شديد الحساسية ، وذلك للتعامل مع جريمة نوعية شكلت ذروة إرهابية ، وتمثلت في اغتيال الحريري والوزير باسل فليحان ، وعشرين من المدنيين . وهي جريمة سبقتها محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة ، وتبعها ارتكاب عشر جرائم على الأقل .
هذا المناخ هو الذي أفرز ظاهرة "فتح الاسلام" ، بما يهدد الدولة والكيان والمجتمع ، في حال استشراء هذه الظاهرة وعقد تشابكات بينها ، وبين قوى محلية في صفوف المعارضة ، ترغب في تصفية حسابات سياسية مع قوى أخرى وبالذات مع الأكثرية النيابية . ومن هنا أهمية إقرار إنشاء المحكمة ، التي أحدث القرار بإنشائها حالة اقرب إلى الصدمة . ويقترض في ضوء ما تقدم ، أن تكون الصدمة إيجابية . فلا بد من وجود ضمانات من الأمم المتحدة لوقف استباحة هذا البلد ، وذلك مع تعذر إمكانية وجود ضمانات فعلية أخرى . وبعد أن بذلت أطراف في المعارضة كل ما تملك يمينها ، لتعطيل انشائها حتى أن هذه الأطراف (حركة أمل وحزب الله) امتنعت عن البوح للمستشار القانوني للأمم المتحدة عما تعتبره تحفظاتها عن مشروع إنشاء المحكمة . وقبل ذلك انسحب وزراؤها من الحكومة ، ثم عمد نبيه بري إلى تعطيل المجلس النيابي ومنع انعقاد جلساته ، حتى لا يمر مشروع إنشاء المحكمة عبر القنوات الدستورية ، والتذرع بعدئذ أن هذا المشروع لم يمر عبر تلك القنوات .
حين تفشل أطراف داخلية وتعرقل مساعي توطيد السلم الأهلي في بلد من البلدان ، فإن هذه الأطراف تفتح الأبواب أمام "تدخلات " خارجية وتشق الطريق أمام النفوذ الدولي ممثلا على الخصوص بالأمم المتحدة ، وهو ما يحدث في لبنان وما جرى خلال ذلك في إقليم دارفور السوداني .
وفي نهاية الأمر فإن من ينشد العدالة والحقيقة ، لا يخشى تحقيقاً أو محاكمة ، بل إنه يرحب بهذا وذاك . وليس في القرار الجديد ما يؤدي إلى اتخاذ تدابير حازمة وفق الفصل السابع ، إلا في حالة عدم الامتثال وعرقلة العدالة ، علماً بأن أي تدابير عقابي لن يتخذ أوتوماتيكياً ، بل إنه يستلزم قراراً جديداً من مجلس الأمن بهذا الشأن .
من شأن القرار حماية لبنان واللبنانيين ، وتذكير الجناة أياً كانوا بأن العقاب ينتظرهم ، وأن لا سبيل إلى ارتكاب المزيد من الجرائم دون الإفلات من العقاب. وفي جميع الأحوال فإن لبنان بصدور هذا القرار يعبر مرحلة جديدة ، ويقف أمام الاستحقاق التالي في الشهور الثلاثة المقبلة ، وذلك بتمكين المجلس النيابي من اختيار رئيس جديد للجمهورية مع انتهاء الولاية الممددة للرئيس لحود .
mdrimawi@yahoo.com