مدونة محمود الريماوي

« | »

مصر :الجديد في جدل قديم

مصر والجديد في جدل قديم !

                                                      محمود الريماوي

أين يقوم منتجو مسلسلات أسامة أنور عكاشة بتسويق أعماله ؟ .وأية خسارة ستمنى بها هذه الأعمال الدرامية لو تم حصر عرضها وتسويقها داخل مصر ؟ .

قد لا تكون هذه التساؤلات هي الاهم في معرض الرد على طروحات السيناريست المصري البارز عكاشة والداعية إلى الانكفاء ، وإنكار أي نسب بالعروبة  بالزعم أن العرب يقتصرون على أبناء دول الخليج واليمن فحسب . غير أن التساؤلات تتعلق بنطاق عمل عكاشة ، لتبيان أن العروبة دائرة ثقافية واسعة وأصيلة ،وهي مجال حيوي له ولغيره ، وتتعدى بالطبع أن تكون سوقاً رغم أن السوق مكون من مكونات نشوء القوميات .

الحديث المتجدد في مصر عن هويتها الوطنية والقومية ، يعكس للحق حيوية فكرية طالما اتسم بها هذا البلد ، فقلما تكون هناك قضايا مكتومة ومسكوتاً عنها خلافا لدول أخرى . وإلى ذلك فإن السجال المنبعث يعكس أزمة الدور المصري في المنطقة العربية ، وذلك في ظل الطموح المتواضع لتعظيم هذا الدور أو حتى الإبقاء على حدوده  وحجمه. وهناك "نظريات" بأن معنى الدور قد تغير ، ليس ثمة طموح "توسعي " لتقرير مصير دول أخرى ، وهناك نأي عن الأسلوب التدخلي، لمصلحة عمل جماعي وتحفيز دور الجامعة العربية ، وتعاون ثنائي وثلاثي لتنفيذ مشاريع اقتصادية واجتذاب مستثمرين عرب ، وتنشيط السباحة العربية تجاه أرض الكنانة ،ورفع مستوى التواصل الثقافي مع الدول العربية ، والتعاون الجماعي في المحافل الدولية . وهو ما يحتسب أحيانا كتراجع في الدور بينما يرى أصحاب الشأن اأن هناك مراجعة لمفهوم الدور الريادي .

المتاعب الاقتصادية ومشكلات داخلية أخرى دفعت نحو إيلاء اهتمام أكبر لوضع 75 مليون مصري يعيش خُمس هؤلاء في العاصمة القاهرة . غير أن نحو خمسة ملايين على الأقل من المجموع يعملون ويقيمون في دول الخليج الست . إضافة إلى نحو مليون نسمة يقيمون في ليبيا والجزائر والأردن . لا يسع هؤلاء ان يعملوا في سلك التعليم مثلا في تايلند أو الهند .مكوناتهم الثقافية واللغوية دفعتهم لاحتيار الدول التي تمثل العروبة الأولى ( والأخيرة ! ) حسب تعبير عكاشة . وبهذا فإن الأمر يتعدى مجرد اختيار سوق عمل على الأهمية الحاسمة لهذا الاعتبار .

ما يبدو من تراجع في الدور السياسي لمصر في المنطقة هو ما يثير هذا الجدل ،لكنه لا يقدم تسويغاً كافيا لإعادة اختيار لون الجلد .

ومن المفارقات أن هذا التراجع الذي يقترن بغياب الزعيم جمال عبد الناصر ، قد اتسم بحالة من التواصل والتفاعل البشري قل مثيلها من قبل بين المصريين وعموم العرب ، نتيجة السفر والإقامة في الخارج ، مع استمرار توفير مصر فرص التعليم والسياحة والاستثمار والتطبيب للعرب . ومعنى ذلك أن هناك تواصلاً حسياً وواقعياً بدأ منذ نحو ثلاثة عقود ، وما زال قائماً بل يتسع على مستويات مختلفة ، مما أسهم في حالات من التقارب والتفاعل لم تكن قائمة في ذروة صعود الناصرية . وللأمر علاقة لا شك بالثروة النفطية المتفجرة ، لكن له علاقة أيضا برفع القيود عن السفر والانفتاح على فضاء المتطقة .

لقد تغير معنى العروبة البونابارتية ، دون ان تفقد العروبة وهجها وحضورها ، ويكاد المرء يراهن بأن بلداً كمصر قد تعرب في جوانب عديدة خلال ثلاثة عقود ، بأكثر مما حدث ربما خلال ثلاثة قرون . والأمر في النهاية لا يتعلق بسلالات بل بتحولات تاريخية واقتصادية وثقافية ، وبدليل أن الثقافة السائدة والمنتجة في مصر ، هي ثقافة عربية لا غربية ولا فرعونية ..

mdrimawi@yahoo.com

 

 

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba