27 ايار, 2007
جواب صحيح على سؤال خاطىء
محمود الريماوي
سوف يكون متعذراً وبعيد المنال رؤية نهاية للوضع المأساوي في العراق ،وإلزام تل أبيب بمبادرة السلام العربية ، إذا أجيز للفوضى غير الخلاقة أن تستشري في لبنان . وهناك للأسف مؤشرات سلبية تزكي خيار الفوضى المدمرة ، وتتمثل هذه المؤشرات أساساً في التباس موقف المعارضة اللبنانية من ظاهرة "فتح الإسلام " .فهذه المعارضة تؤيد الجيش اللبناني وتثني عليه كسياج للوطن والوحدة الوطنية ، لكنها تسعى لوضع عراقيل في طريقه ،للتعامل مع تلك المنظمة وذلك بداعي الحرص على الجيش ، وعلى المدنيين في مخيم نهر البارد .
خطاب الأمين العام ل"حزب الله " في الذكرى السابعة لتحرير الجنوب ، يحمل وبصرف النظر عن النوايا مثل هذه المؤشرات المقلقة . فقد تساءل السيد حسن نصرالله ، إذا كان المفصود من الحسم العسكري هو جعل لبنان ساحة لمواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة ، مجيباً عن سؤاله بأن ليس للبلد مصلحة في ذلك . والمشكلة في هذا الرأي أنه يحمل جواباً صائباً ولكن عن سؤال خاطىء ، بما يجعل الجواب خاطئاً رغم صحته الظاهرية . فالسؤال الصحيح هو : هل من المصلحة والمنطق فتح الباب ، أمام تسلل عناصر ذات صلة أو على تقارب مع القاعدة وهم في هذه الحالة عناصر وقيادة "فتح الإسلام " ، أم لا ؟ .
إن التغاضي عن وجود هذه الجماعة والتعامل معها كأمر واقع ، أو حالة سياسية وجهادية مزعومة ، هو الذي يفتح الباب لاستدراج مواجهة أميركية مع القاعدة .ناهيك عن أن وجودها يشكل مساساً بسيادة البلدان ، وتهديداً لنسيجها الاجتماعي ، بما يسبق ويتعدى المواجهة بينها وبين الغرب . فالمواجهة الدائرة منذ أكثر من أسبوع ، تدور بين عناصر هذه الظاهرة المسلحة والقوى الأمنية وليس من المنطق التغاضي عن ذلك ، وتحوير الوقائع وإلباسها لبوساً آخر .
لقد عمد أطراف في المعارضة اللبنانية إلى استغلال انكشاف هذا التنظيم ومدى خطورته ، لتصفية حسابات داخلية وتسجيل نقاط على الحكومة ، بدلاً من أن يشكل هذا التحدي مناسبة للتلاقي الوطني الداخلي ، والالتفاف حول الجيش ونزع بؤر التفجير ، وحماية سائر المدنيين من لبنانيين وفلسطينيين .
لبنان مهدد بالفوضى غير الخلاقة التي تنذر بالامتداد إلى خارجه، إذا ما تم التعامل مع هذا الظرف الحساس على أنه مناسبة لتسجيل أهداف ضد فريق محلي آخر ، وللتقليل من خطورة هذه الظاهرة ، علما بأن الأبواب يجب أن تظل مفتوحة أمام حلول قضائية ، في حال سلم عناصر هذا التنظيم غير المشروع أنفسهم إلى العدالة ، ووضعوا حداً لوجودهم التنظيمي ، بما يمكن في النهاية من حماية كل المدنيين ، والحؤول دون أي سفك للدماء ، علاوة على حماية الدولة وجيشها .
التهويل بالقاعدة والمواجهة بينها وبين الأميركيين ، يجب أن لا يستخدم ذريعة لتوطين هذه الظاهرة الغريبة ، ولتقييد فرض سيادة القانون ، والسماح تالياً ب"تفقيس " ما لا نهاية له من تنظيمات ، متعددة الأوجه والألسنة والمصادر والأجندات ، تدخل على المعادلات والحساسيات الداخلية ، تغذيها وتغتذي منها ، وتشكل صاعق تفجير حين تقتضي الحاجة ، وحين تتسيد الحسابات الفئوية والآنية لهذا الفريق أو ذاك ، على المصلحة الوطنية الجامعة .
لقد ظهرت في لبنان وحدة وطنية ضد هذه الظاهرة المقلقة .من المطلوب صيانة هذه الوحدة والبناء عليها ، لا الإسهام في تشقيقها عبر التحذير من مخاوف كبيرة ، فيما يتم السماح الواقعي بنمو المخاوف الصغيرة على الأرض ، وإفساح المجال لها لتكبر وتنمو .
mdrimawi@yahoo.com