مدونة محمود الريماوي

« | »

جواب صحيح على سؤال خاطىء جواب صحيح على سؤال خاطىء

            جواب صحيح على سؤال خاطىء

                                                      محمود الريماوي                        

سوف يكون متعذراً وبعيد المنال رؤية نهاية للوضع المأساوي في العراق ،وإلزام تل أبيب بمبادرة السلام العربية ، إذا أجيز للفوضى غير الخلاقة أن تستشري في لبنان . وهناك للأسف مؤشرات سلبية تزكي خيار الفوضى المدمرة ، وتتمثل هذه المؤشرات أساساً في التباس موقف المعارضة اللبنانية  من ظاهرة "فتح الإسلام " .فهذه المعارضة تؤيد الجيش اللبناني وتثني عليه كسياج للوطن والوحدة الوطنية ، لكنها تسعى لوضع عراقيل في طريقه ،للتعامل مع تلك المنظمة وذلك بداعي الحرص على الجيش ، وعلى المدنيين في مخيم نهر البارد  .

خطاب الأمين العام ل"حزب الله " في الذكرى السابعة لتحرير الجنوب ، يحمل وبصرف النظر عن النوايا مثل هذه المؤشرات المقلقة . فقد تساءل السيد حسن نصرالله ، إذا كان المفصود من الحسم العسكري هو جعل لبنان ساحة لمواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة ، مجيباً عن سؤاله بأن ليس للبلد مصلحة في ذلك . والمشكلة في هذا الرأي أنه يحمل جواباً صائباً  ولكن عن سؤال خاطىء ، بما يجعل الجواب خاطئاً رغم صحته الظاهرية . فالسؤال الصحيح هو : هل من المصلحة والمنطق فتح الباب ، أمام تسلل عناصر ذات صلة أو على تقارب مع القاعدة وهم في هذه الحالة عناصر وقيادة "فتح الإسلام " ، أم لا ؟ .

إن التغاضي عن وجود هذه الجماعة والتعامل معها كأمر واقع ، أو حالة سياسية وجهادية مزعومة ، هو الذي يفتح الباب لاستدراج مواجهة أميركية مع القاعدة .ناهيك عن أن وجودها يشكل مساساً بسيادة البلدان ، وتهديداً لنسيجها الاجتماعي ، بما يسبق ويتعدى المواجهة بينها وبين الغرب . فالمواجهة الدائرة منذ أكثر من أسبوع ، تدور بين عناصر هذه الظاهرة المسلحة والقوى الأمنية وليس من المنطق التغاضي عن ذلك ، وتحوير الوقائع وإلباسها لبوساً آخر .

لقد عمد أطراف في المعارضة اللبنانية إلى استغلال انكشاف هذا التنظيم ومدى خطورته ، لتصفية حسابات داخلية وتسجيل نقاط على الحكومة ، بدلاً من أن يشكل هذا التحدي مناسبة للتلاقي الوطني الداخلي ، والالتفاف حول الجيش ونزع بؤر التفجير ، وحماية سائر المدنيين من لبنانيين وفلسطينيين .

لبنان مهدد بالفوضى غير الخلاقة  التي تنذر بالامتداد إلى خارجه، إذا ما تم التعامل مع هذا الظرف الحساس على أنه مناسبة لتسجيل أهداف ضد فريق محلي آخر ، وللتقليل من خطورة هذه الظاهرة ، علما بأن الأبواب يجب أن تظل مفتوحة أمام حلول قضائية ، في حال سلم عناصر هذا التنظيم غير المشروع أنفسهم إلى العدالة  ، ووضعوا حداً لوجودهم التنظيمي ، بما يمكن في النهاية من حماية كل المدنيين ، والحؤول دون أي سفك للدماء ، علاوة على حماية الدولة وجيشها .

التهويل بالقاعدة والمواجهة بينها وبين الأميركيين ، يجب أن لا يستخدم ذريعة لتوطين هذه الظاهرة الغريبة ، ولتقييد فرض سيادة القانون ، والسماح تالياً ب"تفقيس " ما لا نهاية له من تنظيمات ، متعددة الأوجه والألسنة والمصادر والأجندات ، تدخل على المعادلات والحساسيات الداخلية ، تغذيها وتغتذي منها ، وتشكل صاعق تفجير حين تقتضي الحاجة ، وحين تتسيد الحسابات الفئوية والآنية لهذا الفريق أو ذاك ، على المصلحة الوطنية الجامعة .

لقد ظهرت في لبنان وحدة وطنية ضد هذه الظاهرة المقلقة .من المطلوب صيانة هذه الوحدة والبناء عليها ، لا الإسهام في تشقيقها عبر التحذير من مخاوف كبيرة ، فيما يتم السماح الواقعي بنمو المخاوف الصغيرة على الأرض ، وإفساح المجال لها لتكبر وتنمو .

                                                                                       mdrimawi@yahoo.com

 

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba