26 ايار, 2007
لعبة التلويح بالتفاوض محمود الريماوي
وعود بالتفاوض .هذا ما يطلقه اليمين الإسرائيلي الحاكم بين آونة وأخرى ، كبديل عن استئناف المفاوضات المتوقفة . ينشغل مراقبون هنا وهناك ، بتقليب هذه الوعود والتسريبات على أوجهها المختلفة ، وتشيع الانطباعات بأن هناك أجواء تفاوضية ، تعترضها بعض العقبات ، لكن "الاتجاه واضح نحو الخيار التفاوضي " .
حكومة أولمرت تخوض في هذه اللعبة . وزيرة الخارجية تؤيد التفاوض مع دمشق ، ورئيسها يتحفظ بدرجة ما دون أن يصل التحفظ إلى إنكار هذا الخيار . البيت الأبيض يتحفظ أيضاً لكنه خرج مؤخراً عن تحفظه ، كما تقول "معاربف " الاسرائيلية وأيد التفاوض شريطة أن لا يتم تناول السياسة الأميركية في المنطقة أو الوضع في لبنان ، كما ورد في الخبر الذي نقله زئيف شئيف المعلق العسكري البارز . غير أن مكتب أولمرت "ديوان رئيس الحكومة" نفى الخبر ، دون أن تنفيه الخارجية الإسرائيلية أو الأميركية .
تسريبات كهذه تتكرر بين وقت وآخر ، دون أن تجد لها نتيجة ملموسة تذكر . فالتلويح بالتفاوض يتم كوسيلة إغراء وعنصر جذب ، وأحيانا كفكرة مجرد فكرة أو كتمرين ذهني ، ولا يتم التعبير عنه كخيار ثابت .وتحتفظ الوزيرة ليفني بهذه الفكرة فتطلقها مرة ثم تنساها مرات .ربما للتدليل أن رئيسة الدبلوماسية هي دبلوماسية بالفعل ، وتؤمن بالحلول الدبلوماسية خلافاً لرئيسها الذي يعتنق الحلول الأمنية والاستيطانية .
ولو كان الأمر على درجة من الجدية ، لجرى استغلال زيارة رجل الأعمال الأميركي من أصل سوري ابراهيم سليمان ، إلى تل أبيب في نيسان الماضي ، للتجاوب مع خيار التفاوض الذي ما زالت دمشق تتمسك به ، حتى لو أدى الأمر للقيام باتصالات سرية تمهيدية لهذه الغاية ، شريطة أن لا تكون المفاوضات نفسها سرية ، كما أوضح مسؤولون سوريون في الآونة الأخيرة .
لم تحقق زيارة سليمان اختراقاً يذكر . فلا محل حتى الآن لخيار التفاوض على أجندة الحكومة الإسرائيلية . دون أن يمنع ذلك من إطلاق التسريبات عن وعود مبهمة وغير ملزمة ، وكذلك إشاعة انطباعات وتكريسها بأن هناك خلافات جدية في أوساط الفريق الحاكم (حزب كاديما حول هذه المسألة ) .
والراجح أن هذه اللعبة سوف تستمر لبعض الوقت ، رغم الرياح التي تعصف بالمنطقة .فحكومة أولمرت بحاجة لأن تقدم نفسها للجمهور بأنها تسعى لإحلال الأمن بمختلف الوسائل ، وأنها منفتحة على الحلول والبدائل السياسية مع الحد من مصادر التهديد ، بما قد يرفع من شعبيتها المنهارة .
كما أن الثرثرة حول إمكانية التفاوض مع سوريا تسمح بصرف الأنظار ، عن تغول الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وإغلاق كل أفق سياسي ، والمضي في الاستيطان المتسارع هناك ، وخاصة بمواصلة بناء جدار شارون .
ومن وجهة نظر فريق في الحكومة ، فإن التلويح بفرص التفاوض لا بد أن يسهم في امتصاص الزخم الذي ولدته مبادرة السلام العربية ، وبما يمكن من الالتفاف على المبادرة عبر الإدعاء بأن ثمة أجندة تفاوضية ، تعكف دوائر إسرائيلية على تطويرها ، فلا حاجة للمبادرة العربية ، وإن كانت هناك حاجة لتطوير وتوسيع الاتصالات العربية الإسرائيلية ! .
هكذا تتم الاستعاضة عن الالتزام باستئناف المفاوضات المتوقفة بإطلاق وعود مبهمة وغير ملزمة نحو دمشق ، فيما يتم استبدال التفاوض مع الجانب الفلسطيني ، بإجراء لقاءات واتصالات بين أولمرت ومحمود عباس تعقبها وتليها اجتياحات وأعمال خطف وما لا يحصى من إغلاقات ومظاهر التنكيل الجماعي .
mdrimawi@yahoo.com