25 ايار, 2007
حتى لا تذوى روح العاصمة
محمود الريماوي
الذين يرغبون في معاينة خطة تشجير العاصمة ، عليهم أن يقصدوا قلب المدينة (البلد ) ليلاحظوا اختلاط البنايات الحديثة بالقديمة ، واكتظاظ وسائل النقل مع جموع الناس فلا يستطيع العابر أن يرفع رأسه وسط هذا الاختناق مخافة الاصطدام بأحد .أما إذا توفرت بضع شجيرات فلا أحد يلحظ وجودها .
قلب العاصمة في سائر العواصم هو أول معيار للحكم على المدينة أية مدينة ، وبناء علاقة معها . ففيه يكمن تاريخها وتتبدى روحها وهويتها ، و تتكشف إمكانيات تطويرها . الكثير من الناس في شمال وغرب وجنوب عمان ، يتفادون النزول إلى قلب العاصمة للأسباب المذكورة آنفاً ، ويتحسرون على أوقات طيبة كانوا يمضونها هناك . وبعض الأجيال الشابة لا تعرف طريقها إلى المدينة القديمة .
من يقصد قلب لعاصمة لا بد أن يؤرقه مستقبل المدينة ، وذلك للخشية أن يكون هذا هو النموذج لتطور المدينة .
الأمين العام الأسبق للعاصمة ممدوح العبادي ، سوف يظل يسجل له تخصيص مساحات خضراء وبناء مركز ثقافي هناك في موقع كان منذورا لأن يبقى مكرهة صحية . وهناك الآن خطة لبناء دارة للفنون في الموقع المقابل للأمانة مع تخصيص مساحات خضراء ، لتمكين القاطنين المجاورين في ثلاث جهات ، من التمتع بخدمات ترفيهية رفيعة بالمجان أو بأسعار رمزية ، وذلك للحد من حالة البؤس الجمالي لتلك المناطق ، ومن انسداد أفق الرؤية فيها أمام الناظر .
والمطلوب التقدم الى الداخل نحو قلب العاصمة ، بالحد من اكتظاظ المركبات بقصر التنقل مثلا على وسائل النقل العامة ، والتشجير الكثيف لكل الجزر الداخلية لامتصاص التلوث والضوضاء , والتفكير في حال المثلث الذي يحجب الرؤية ويمنع الهواء ويشوه وجه المدينة، وذلك في الخط المائل الممتد بين الجامع الحسيني ومحال المجوهرات .
في مقاله الهام الذي نشره الأمير علي بن الحسين في "الرأي" يوم أمس الثلاثاء ، إشارة ذات مغزى إلى عمليات قطع الأشجار سواء من طرف مواطنين أو من جهات رسمية (الأمانة ) .فكيف يمكن للمرء أن يقتنع بجدوى بل بمنطق قطع أشجار، بينما الطموح المعلن يتمثل في توسيع خطط التشجير . لقد تم التراجع عن قطع أشجار الزيتون وبقيت هناك بقايا لجذوع الأشجار . لم يتم استبدالها بأشجار أخرى حتى ولو نفقة الساكنين . وكان يمكن في البدء تنبيه المواطنين لإزالة أغصان الشجر الممتدة إلى الشوارع ، أو تقوم الأمانة بذلك وعلى حساب أصحاب الأشجار . ذلك أفضل بكثير من الهجمة الشرسة على الأشجار، وطرحها في الشوارع ثم التخلي عن هذه الخطة غير المقنعة .
تتحول عمان بالفعل وبصورة مطردة إلى غابة من الحجارة ، والى مرآب شاسع للمركبات من كل صنف وحجم .بينما شرق عمان ينتظر إحياءه وتجميله وربطه بأجزاء العاصمة الأخرى . للأمانة إنجازاتها لا شك غير قابلة للنكران ، غير أنها بحاجة للتخفف من أعبائها بمداومة التنسيق على مستوى التخطيط مع الجهات الرسمية الأخرى : دائرة السير ووزارات الزراعة والبيئة والأشغال وسواها . والتفكير بخطة وطنية وطموحة لتعميم وسائل المواصلات العامة ، والحد من اللجوء إلى المركبات الخصوصية ، وفي حال وضعها والشروع بها فسوف تشكل خطة استثمارية وتشغيلية هائلة ، لا أن نتميز عن غيرنا بثمانية عشر ألف تكسي أصفر ، وهي خدمة فوق طاقة العمال والطلبة وصغار الموظفين . شبكة مواصلات منظمة وشاملة كما هو حال العديد من عواصم عالمنا ، والتي يهنأ أبناؤها بالتنقل السلس بين جنباتها .
والمطلوب في النهاية تطوير متوازن ومتكامل ، لا يغفل جانباً أساسياً لحساب آخر في حياة المدينة ، والاحتياجات المختلفة لأبنائها من دافعي الرسوم والضرائب. .
mdrimawi@yahoo.com