20 ايار, 2007
انتخابات على صفيح ساخن!
محمود الريماوي
انتهت انتخابات الجزائر بفوز وطنيين : جبهة التحرير رغم تراجع نتائجها ، وإسلاميين : حركة مجتمع السلم ، ويساريين :حزب العمال بقيادة لويزا حنون ، وليبراليين :التجمع الوطني الديمقراطي . والانطباع الأول الذي يخرج به المراقب هو تجدد حضور الإسلاميين في المجلس الجديد ، وهو الثالث في ظل النظام التعددي ، وأبرز من يمثل هؤلاء حركة مجتمع السلم .
لقد دعت منظمة "القاعدة للمغرب الإسلامي " لمقاطعة الانتخابات وهو موقف مفهوم وعادي ، حتى أنه من المفهوم أن تقترن مقاطعة سلفيين تكفييرين بتفجيرات دموية . غير أن قيادات بارزة في جبهة الإنقاذ وعلى رأسها كل من عباس مدتي وعلي بلحاج ، دعت إلى مقاطعة هذا الاستحقاق ، بينما أيد المشاركة فيها قادة آخرون من "التائبين " من قادة العمل العسكري . أما الإسلاميون الآخرون المعتدلون ، فلم ترشح عنهم مقاطعة الانتخابات ، وبالذات حركة مجتمع السلم (حمس ) التي نالت نتيجة جيدة : اثنان وخمسون مقعداً.
لقد وضعت لجنة وطنية لمراقبة الانتخابات ، تحفظات شديدة على مجرى العملية الانتخابية ، ومع ملاحظة انخفاض نسبة الاقتراع ، التي تراوحت وفق تقديرات رسمية مختلفة حول نسبة ثلاثين بالمئة وذلك باحتساب الأوراق الباطلة .إلا أن رسوخ تمثيل إسلاميين وتجاورهم مع شركاء ليبراليين ويساريين ، يشكل حدثاً بحد ذاته ، ويفترض بخصومهم ومنافسيهم أن لا يبتئسوا لهذه النتيجة . فالمجتمع الجزائري لم يتحول إلى مجتمع علماني بالكامل ، ولدرجة تفوق ما هو عليه المجتمع التركي مثلاً .والشرائح العريضة التي تتخوف من اتخاذ القاعدة لبلادهم مسرحاً رئيساً لنشاطها المدمر ، بما يهدد بعودة مسلسل الإرهاب الأعمى ، هذه الشرائح تجد من مصلحتها حضور إسلاميين ديمقراطيين ومعتدلين في التمثيل النيابي ، وحتى في السلطة التنفيذية أيضاً ، وبما يعكس المكونات الاجتماعية والفكرية للبلد ، وحيث للإسلاميين نصيب وحظ محفوظ في المعادلة الداخلية .
هذا دون إغفال ما حققه يسار راديكالي ممثلاً بحزب العمال من نتيجة ملفتة وذلك بالفوز ب: 26 مقعداً ، وهي نسبة قلما يحققها تنظيم يساري في دول المشرق والمغرب باستثناء المملكة المغربية. رغم أن زعيمة الحزب لويزا حنون ، تطلعت إلى احتلال حزبها المركز الثالث .
ووفق مراقبين كثر فإن هذه النتائج لا تغير كثيرًا من توازنات الخريطة الداخلية . فجبهة التحرير ما زالت في الصدارة إذ تحتل 136 مقعدا من أصل 389 مقعداً . وهذا أفضل بكثير من أن يكتسح الحزب الحاكم النتائج بأغلبية كاسحة .
ولعل إجراء الانتخابات بكل ما اعتورها ، هي أفضل نتيجة أسفر عنها هذا الاستحقاق .فتهديدات الجماعات المسلحة المتطرفة ، وتبادل السلبية بين جبهة الإنقاذ المحلولة والسلطات لم تفلح سوى بالمضي في هذه العملية ، رغم أنها أسهمت في تخفيض نسبة الاقتراع . ويغدو لهذه الانتخابات أهمية أكبر ومردود أعمق ، إذا ما تم النظر بتجرد في تحفظات اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات ، ومعالجة هذه الملاحظات بصورة قانونية نزيهة ، وإذا ما جرى اجتذاب قاعدة أكبر من الإسلاميين ، وبالذات من زعامات جبهة الإنقاذ للعملية السياسية ، وذلك من أجل تعامل ناجع مع استحقاقات الأمن والسلام الاجتماعي وتوسيع المشاركة ، وضمان قيام المجتمع بنفسه وبمختلف مكوناته بعزل المتطرفين القتلة ، ووقف أية انتهاكات لحقوق المواطن من أي مصدر أتت .
mdrimawi@yahoo.com