18 ايار, 2007
لماذا يتم تجهيل الفاعلين ؟ محمود الريماوي
ينجح الاقتتال بين حماس وفتح في شوارع غزة ليس فقط في صرف أنظار العالم عن القضية الفلسطينية ، بل في إقصاء الرأي العام العربي وحتى الفلسطيني عن القضية ، ولا تسعف المتابعات الإعلامية المكثفة ، سوى في تحقيق هذه النتيجة البائسة علاوة على" إنجازات " أخرى من قبيل تشويه صورة أبناء القضية ،والتشكك في المسار السياسي والديمقراطي وبخاصة في طوره الأخير .
يصر القادة في حماس وفتح على أن لا شأن لهم بما يجري من تناحر ، وأن هدفهم الوحيد هو حقن الدماء والتفرغ لمهمة التخلص من الاحتلال . إذا وضع المرء معيار الصدق والكذب جانباً ، إزاء هذه الأقوال المكرورة ، فإنه يبقى الاستخلاص بأن هؤلاء يتحملون مسؤولية سياسية مباشرة عما يجري ، حتى لو قال المسؤول بأنه غير مسؤول !، وأن جهده ينصب على تأليف القلوب وإيقاظ الضمائر وتهدئة الخواطر .فليس ثمة موقع قيادي دون مسؤوليات وتبعات على صاحبه . وفي الحصيلة فإن التنصل لا يفيد على أي وجه ، بل إنه يلحق ضرراً بالغاً إذ يوفر أرضية لاستشراء الوضع الشاذ ، الذي ينكر الجميع مسؤوليتهم عنه وهو ما لا يصدقه عاقل .
لو كان هناك قدر من النزاهة لقام المسؤولون غير المسؤولين .. بتقديم استقالاتهم ، على الأقل من أجل رفع الغطاء السياسي عن السفهاء ، وكي يواجه هؤلاء شعبهم وجهاً لوجه بغير أقنعة ودون تلثم وبلا شعارات جوفاء . وكي تتم محاسبتهم على رعونتهم القاتلة ، والكشف عمن وراءهم من ذوات سنية ، ومن زعامات تبني مستقبلها وأمجادها الشخصية على حساب أمن وكرامة الأيتام والأرامل ، وتستعبد أسوأ الصفحات في تاريخ قضيتهم من اقتتال وتنازع وتناحر ، بدل أن تلتمس الأمثولات الناصعة والصفحات المشرقة وهي عديدة بلا حصر. وعاجلا أم آجلا فسوف ترتفع أصوات وتتحرك إرادات ذاتية ، لإنقاذ الوضع من المراوحة البائسة لدى المستويات القيادية ، بين العجز المتمادي وبين الرعونة المستشرية ، وفي الحالتين فإن التواطؤ حاصل سواء بالسلبية التامة لدى هذه الفئة ،أو التغطية على الأشقياء لدى فريق آخر ، أو الضلوع المباشر والضمني في استباحة الدماء .
يهجو كثيرون في الصف الفلسطيني مفهوم "الفوضى الخلاقة " المنسوبة لكونداليزا رايس ، بيدون يقظتهم لقطع الطريق على هذه الفوضى تماشيا مع مسؤولياتهم التاريخية في التصدي للمؤامرات المعادية ، ولكن ما الذي يفعلونه حقاً في غزة منذ أسابيع وشهور عجاف ، إن لم يكن واحداً من أبشع صور الفوضى الوطنية ، أملاً بتصعيد هذا الفريق وتنزيل فئة أخرى والتنازع المقيت على سلطة يزعمون التنزه عن الوقوع في شهوتها ، فيما هم والغون في ارتكاب المحرمات والكبائر من أجل التشبث والالتصاق بها ، ولو أسالوا الدم أنهاراً في الشوارع ، ولو انعقد أمر السلطة على الأرض لحفنة من السفهاء والأشقياء ،ممن يتلفظون بكلام طيب وعبارات مداهنة محفوظة ، ويقترفون في الوقت نفسه أبشع الممارسات بحق إخوة لهم ، وما تيسر من أبرياء مغلوبين على أمرهم أمام قوى الأمر الواقع ، وحيث لا يعرف المرء لماذا يعاقبون شعبهم ، ومن أين تأتت لهم كل هذه الأحقاد المريضة ؟ .
هنا وهناك في أرجاء المشهد الفلسطيني يتم التمويه على الفاعلين ، بداعي درء المزيد من المخاطر ووقف التأجيج ، وأحيانا لدواعٍ أخرى ليست نزيهة بالضرورة ، غير أن أيناء شعبهم يعرفونهم فالناس تعرف بعضها بعضاً ، والشعارات الطنانة الرنانة هي آخر ما يصغي له الناس فالشمس لا تغطى بغربال ، والخبرة الطويلة أمام التحديات تدلل أن أفعال المرء هي ما يعتد به ، لا ما ينطق به من معسول الكلام ومن امتداحه لنفسه ..