15 ايار, 2007
شيء ما يكتنف علاقات عمان بتل أبيب
محمود الريماوي
يدرك كل من تابع تأجيل زيارة جلالة الملك إلى رام الله ، أن ثمة غيوماً تكتنف سماء العلاقة الإسرائيلية ، وأن الأمر يتعدى طبيعة الأحوال الجوية . وقد بدأت تلك "الغيوم "تتجمع منذ اتخذ الأردن موقفاً حازماً ضد بناء جدار شارون جدار الضم والتوسع قبل نحو ثلاث سنوات ، حيث شارك الأردن في مرافعات محكمة لاهاي ، ضد بناء الجدار مما أسهم في إصدار قرار قوي يقضي بإزالة الجدار عن أعلى هيئة قضائية في العالم .
وخلال تلك الفترة لم تتم تلبية دعوات إسرائيلية للأردن لزيارة تل أبيب . كما أن قضية الأسرى الأردنيين ظلت تفعل فعلها ، تحت سطح العلاقات الثائية وإن بصورة مكتومة ، خاصة مع رفض تل أبيب الوفاء بمقتضيات السلام بإخلاء سبيل الأسرى .وقد جاء وصول حزب كاديما وزعيمه أولمرت للحكم مخيباً للآمال ، فقد أثبت هذا الحزب إفتقاده لأي برنامج سلمي واندفاعه في الخطط التوسعية والتنكيل بالشعب الرازح تحت الاحتلال ، مما يملي الاستخلاص بأنه ليس ثمة شريك إسرائيلي للتفاوض ، خاصة أن أولمرت سعى وما زال يسعى ، لجعل لقاءاته بالرئيس محمود عباس وسيلة للتمويه ، على تنصله من استحقاق التفاوض ، وقد ازداد الموقف الرسمي المناوىء للسلام انكشافاً بعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه الملك أمام الكونغرس الأميركي بجناحيه . فقد عملت حكومة أولمرت على الالتفاف على مضمون الخطاب ، بإطلاق مزاعم حول مخاطر تهدد الأردن ، في حال انسحبت القوات الأميركية من العراق ! وكأن الوضع في الأردن كان مزعزعاً قبل احتلال بلاد الرافدين .
وقد انعطف الموقف الإسرائيلي وازداد توتراً ، مع إعادة إحياء مبادرة السلام العربية في قمة الرياض ، بموافقة عربية جماعية تضم الجانب الفلسطيني وحكومة اسماعيل هنية ، وحيث أيد الأردن بقوة هذه المبادرة ، ويعمل على وضعها على رأس الاهتمامات الدولية . فلم يكن لتل أبيب ما تقوله رداً على دعوات السلام العادل الشامل .
الآن فإن الاحتلال الإسرائيلي يسابق الزمن لتفريغ المبادرة من مضمونها ، وتطويق الجهد الأردني بمخاطبة قطاعات مختلفة من الرأي العام الإسرائيلي ، بالإطباق على الأراضي المحتلة وسلب المزيد منها بالسطوة المسلحة . ففيما كانت الأنظار متجهة قبل أيام إلى اللقاء الثلاثي ، الذي جمع الوزيرة تسيبني ليفني في القاهرة بوزيري خارجية مصر والأردن ، كانت سلطات الاحتلال تعلن عن الاستعداد لبناء عشرين ألف وحدة سكنية ، للغزاة المستوطنين في القدس المحتلة . وبالأمس الإثنين كان أولمرت يبدي تطلعه كما قال ل "اعتراف دولي بالسيادة الإسرائيلية على القدس " أي التسليم بنتائج الاستيلاء على المدينة المقدسة ، والتهويد القسري لها . وبالتالي إبطال المبادرة العربية الجماعية ، القاضية بانسحاب شامل يواكبه سلام كامل .
في مثل هذه الأجواء لا يعود مستغرباً ، أن يستشعر المراقبون أن هناك "شيئاً ما " يكتنف علاقات الأردن بتل أبيب وحيث يسود هناك توتر داخلي ، مرده العجز عن تسويغ التنصل المتمادي من الوفاء باستحقاق السلام ، متزامناً مع الاندفاع المشين في تنفيذ خطط توسعية ، كحال عصابات الجريمة التي تسارع في أعمال اللصوصية ، قبل وصول رجال البوليس إلى الموقع المستهدف .
وفي القناعة أن هذه الأجواء قد تزداد تجهماً في حال استمرت حكومة الاحتلال في نهجها الملتوي وغير المشروع ، وبما يضعها كطرف أول وأكبر في العداء للسلام في المنطقة ن وبما يهيء أرضاً خصبة لازدهار التطرف على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني ، علماً بأن نهج التوسع هو العنوان والبرهان الأول ، على التطرف بأسوأ معانيه وأشدها خطورة .
mdrimawi@yahoo.com