30 نيسان, 2007
تمرد غامض
محمود الريماويمن المثير في أخبار اليمن ليس فقط أن حرب الحوثيين مستمرة منذ نحو أربع سنوات ، بل إن الفصل الأخير منها منذ مطلع العام الجاري فقط ، قد حصد من الضحايا أرواح ألف جندي ، إضافة إلى أعداد غير معلنة من القتلى والجرحى في جانب المتمردين ،علاوة على نزوح أربعين ألفاُ من محافظة صعدة ، التي تدور فيها المواجهات شمال غربي البلاد .إنها أرقام مفزعة ، عن نتائج حرب لم تتوقف بعد وما زالت قائمة داخل كيان عربي ، بعيداً عن الترتيبات الدولية لإقامة شرق أوسط جديد ، وعن محاولات مد النفوذ الأجنبي الغربي . ويبدو أيضا ان لا علاقة لها بخرب القاعدة وجماعاتها هنا وهناك في مشرق ومغرب العالم العربي .فهي حرب يشنها متمردون محليون لأهداف ما زالت غامضة ، وإن كان مشعلوها يرددون شعارات مثل "ضعف صمود النظام اليمني أمام المد الغربي " ، غير أن هذه الحرب على السلطة المركزية تستغل التعدد الطائفي في اليمن ، فيتم تأليب الطائفة اليزيدية وادعاء النطق باسمها ، لإشعال حرب في مناطق وعرة ووسط سكان فقراء .السلطات تتحدث عن سعي هذه المجموعة لإعادة النظام الإمامي ، وأنها تتلقى دعماً من إيران ودولة عربية . غير أن السلطات لم تكشف بعد أوجه هذا الدعم وما يبرهن عليه ، وإن كان يصعب حقاً تصور أن تواصل هذه المجموعة حربها ، طيلة أربع سنوات ودون دعم خارجي .القوى السياسية اليمنية وعلى رأسها تجمع الإصلاح المحافظ ، حملت على المتمردين و"ضلالهم " ، وليس هناك من تجمع حزبي أو سياسي محلي ، يدعم هؤلاء أو يؤيدهم على أي وجه ، وربما لم يسع المتمردون أنفسهم لاستقطاب أحد إلى جانبهم ، مما يدلل على عزلتهم وهامشيتهم ، دون أن يقلل ذلك من خطرهم ، بدليل استمرار التمرد وتفاقم خسائره وأضراره .وفي واقع الأمر أن هذا التطور المقلق ، قد طغى على صورة الوضع السياسي وما كان يزخر به من حراك ، بل إنه تقدم في الأهمية على متابعة نشاطات تخريبية لمجموعات أصولية ومحاكمة هؤلاء ، وأعاد إلى الأذهان صورة صراعات سوداء عفا عليها الزمن ، وتصور المرء أنها وما يشاكلها قد طويت صفحاتها إلى الأبد .ومن الواضح ان ما يجري يمثل انعكاساً وتجسيداً ، لثقافة العودة إلى الانتماءات الاولي والمكونات الفئوية ، التي راجت في السنوات القليلة الماضية ، ويبدو أن المناطق النائية عن السلطة المركزية ، والمنغلقة اجتماعياً قد مثلت تربة خصبة لإشعال هذا التمرد الغامض ، الذي ما زالت فصوله الدامية تترى ، متغذية على مفاهيم الثأر الفردي والجماعي ، وتزيين التمرد لأي سبب كان وتحت أي عنوان ، على أنه من مظاهر الرجولة ، مع الانعزال عن المكونات الأخرى للمجتمع .علاوة على ما سبق فإن السلطة المركزية في العاصمة صنعاء ، تواجه كما يبدو المفاعيل السلبية لبقاء عدد من المناطق والتجمعات السكنية ، بعيدة عن الخدمات الحكومية وبسط السلطة لقوانينها وتدابيرها ، إضافة إلى بقاء مشكلة اقتناء السلاح بغير حل ، وقد عمدت السلطات مؤخراً فقط إلى الحد من اقتناء الأسلحة ، في محاولة متأخرة لمعالجة هذه المشكلة ، والتي ما كان لها أن تبرز على هذا النحو الخطير ، لو أن إجراءات كهذه جرى التفكير بها وسنها ، ووضعها موضع التنفيذ في وقت مبكر . لا يشكل ما يجري تهديداً أمنياً جدياً ، غير أنه يمثل مصدراً لقلق كبير لارتفاع حجم الخسائر البشرية ، ولما يمكن أن يثير من تداعيات وتفاعلات . mdrimawi@yahoo.com