29 نيسان, 2007
جوائز ..جوائز
محمود الريماوي
تتسابق مؤسسات عربية إعلامية وثقافية ، رسمية وأهلية ومختلطة ، على تخصيص ومنح جوائز في حقول مختلفة ، وقد بات ما يجري على هذا الصعيد ومنذ نحو عشر سنوات على الأقل ظاهرة بحد ذاتها . وهي في الأساس ظاهرة إيجابية تستحق التنويه والثناء . إذ أن مجرد التفكير في هذا الاتجاه ، يضمر ويكشف تقديراً لمكانة التميز الإعلامي والإبداع الثقافي ، والحاجة إلى دعم هذه الإنجازات باعتبارها شاهداً على الرقي الروحي للبلدان والمجتمعات .
ويتعزز أثر هذا التقدير مع نعانيه في العالم العربي ، من تشوهات في عملية التنمية بغلبة جوانب على أخرى ، ومن استشراء حمى الاستهلاك ،حيث يتجاور السعي إلى امتلاك مظاهر الرفاهية وأحدث ما تنتجه التقنيات الغربية (ومنها الآسيوية ) مع النكوص إلى نمط تفكير أصولي وغير مديني . ومن هنا تبدو أهمية إيلاء المنتج الإعلامي والثقافي الاهتمام الذي يستحق ، باعتباره يعكس الحاجة إلى تحقيق التوازن بين الحاجات الاقتصادية والروحية ،
وإلى الإعلاء من شأن حرية الفكر والتعبير وخاصة أن هناك تنافساً يجري على الحد من هذه الحرية ، بين العديد من السلطات والمجتمعات وتحت ذرائع شتى ، يوحد بينها في النتيجة الرغبة في ممارسة التسلط ، لإبراء الذات الفردية والجمعية من جراح الهزيمة ، واستسهال الانتصار على صاحب قصيدة أو كاتب مقالة .
وبمغادرة هذا الإطار العام ، لأهمية منح وتخصيص جوائز لمبدعين في حقول الإعلام والثقافة ، فإنه لا بد هنا من الإشارة إلى أن هذه التزكيات تظل في نهاية الأمر ، تعكس قناعات واجتهادات خاصة بلجان التحكيم ، بأكثر مما تجسد مبادىء عامة ومعايير مستقرة . ويغدو الأمر مثاراً للتأمل ، مع ملاحظة أنه قلما يجري الكشف عن هوية لجان التحكيم ، إذ يتم الاحتفاظ بأسماء هؤلاء كما يتم التحرز على سر مكنون . يضاف إلى ذلك أنه قلما يتم نشر تقارير حول مسوغات وحيثيات فوز من يفوزون ، فلا يتحقق تعميم الفائدة من منح الجوائز بوضع معايير واضحة للجدارة ، يمكن الإقتداء بها والاحتكام إليها والسعي لبلوغها . وربما إثارة نقاش حولها .
وإذا وضع المرء في اعتباره ضغط العوامل الشخصية والانحيازات الذاتية ، واعتبارات ليست موضوعية دائما وبالضرورة تمارس تأثيرها الخفي وغير الخفي ،على لجان التحكيم ، فضلاً عن حجم العمل الهائل المنوط بأعضاء هذه اللجان ، للاختيار بين مئات المرشحين والأعمال المرشحة .. إذا ما وضع المرء ذلك كله في الاعتبار ، فإنه يمكن الخلوص إلى أن الأحكام التي تصدرها مثل هذه اللجان تظل نسبية ، علاوة على كونها اجتهادات عرضة للصواب وللخطأ .دون أن يقلل ذلك ورغم ذلك من أهميتها .
وفي القناعة أن جائزة المبدع الحقيقية تظل في النهاية ، هي في اجتراحه للجديد والمميز والتأثير في الرأي العام أو بعض شرائحه على الأقل ، ونيل ثقة القارىء الحصيف دون مغازلته وتملقه ، وكتابة ما يرتضيه المتلقي ويهدهد قناعاته وأهوائه المسبقة . وكذلك في تمتع المبدع بالإنصاف الذي يستحقه ، في المؤسسة التي ينضوي بالعمل في إطارها .
وتبقى الإشارة إلى أن من أهداف تخصيص ومنح الجوائز ، تشجيع الجمهور على القراءة وفتح الأعين على ما يستحق قراءته وقراءة ما يشابهه في سويته ، ويشك المرء بأن الآلية المتبعة حتى الآن قد حققت هذا الهدف . وقد يحتاج الأمر إلى مراجعة وإعادة نظر ، من أجل بلوغ الغايات المرتجاة التي تتعدى مكافأة مبدع بعينه ، إلى دعم الحياة الثقافية والإعلامية برمتها .
mdrimawi@yahoo.com
بالفعل إن ظاهرة تكريم المبدعين هي خطوة في الاتجاه الصحيح و أنا أوافقك الرأي بأنها ليست الطريقة الوحيدة لتشجيع الإبداع