17 تشرين ثاني, 2010
لماذا "قاب قوسين"؟
لماذا "قاب قوسين"؟ نزعم أن فكرة انشاء موقع ثقافي "مختلف"، يمليها واقع قائم يزخر بالخيبات والقلق الممض، كما هو مفعم بتطلعات جياشة، ولا تعكس الفكرة حاجة ذاتية للقائمين على الموقع.ثمة حاجة "موضوعية" أكيدة، الى منبر عربي تتلاقى وتتفاعل فيه التجارب الإبداعية والأفكار الخلاقة والمتابعات الدؤوبة والمتعة البصرية، بغير عشوائية، ودون تزاحم بالمناكب، وبمنأى عن التكرار واختلاط الضعيف بالجيد. مع تزايد لجوء المبدعين الى الانترنت قراءة وكتابة وبحثاً ونشراً، وبالإفادة من مطواعية ومباشرة الشبكة العنكبوتية ، فإن النشر الالكتروني المؤطر لا العشوائي، يلبي ما تقصر عنه المطبوعات الورقية في المتابعات وتناول المستجدات، ويجمع ما لا تجمعه تلك المطبوعات إذ يجتذب أعداداً أكبر بما لا يقاس من القراء والمتصفحين، وبين هؤلاء نسبة غير يسيرة من المتذوقين طالبي المتعة الفنية ومن مبدعين وأصحاب مواهب. وهو ما حدانا الى خوض هذه التجربة ( بعد أربعة عقود في معترك الصحافة الورقية!) وذلك بالتفاف أخوي نزيه، ودعم معنوي كريم من كوكبة أصدقاء وزملاء في المشرق والمغرب العربيين.ننحاز الى حرية التعبير والحق في تداول الابداع والأفكار، والى التعدد والتنوع الثقافي كشرط للتفتح والازدهار وقبل ذلك كضامن لحياة لائقة بالبشر الأحياء. التجديد خيارنا وهويتنا، وننحاز بالقدر ذاته الى الجيد في الإبداع والى ما يمتلك السوية الفنية ،والنظر النقدي النابه والرصين، ولا نرى التجديد موضة أو استسهالاً في مباشرة التعبير الأولي عن هيامات ورغائب تقف دون عتبة التحقق الفني.نحترم أصحاب الأسماء، احترامنا في الأصل لآثارهم وقد كرسوها بجدارتهم ومواظبتهم ، ونفسح لهم المجال و"صدر البيت". على أن البيت في ارتساماتنا شاسع فسيح الأرجاء، بل إنه دافىء جيد الإضاءة شتاءً، حسن التهوية ومفتوح الأبواب في بقية الفصول،ينادي المواهب الجديدة والأسماء "غير المكرسة" للحضور والمساهمة. وفي حُسباننا أن هذاالموقع يكتسب الجدارة وفق شروط في مقدمها تعريف القارىء بمواهب "مجهولة"، وتمكينها من الفرصة التي تستحقها . لماذا اخترنا اسم "قاب قوسين"؟.www.qabaqaosayn.com نرجو أن لا نخيب الظن، بمفاتحة القارىء العزيز والكاتب الشريك، بأن ليس ثَم ّسبباً بعينه وراء الاختيار. لو كان يسعنا تقديم الموقع بغير اسمٍ له، لفعلنا، وتحررنا من أية أفكار وانطباعات مسبقة قد يثيرها عنوان ما، وقد تشوش على الاتصال والتواصل. في وهمنا أن ما يحدد الهوية ويبلورها في نهاية الأمر، هو طبيعة أداء الموقع، مستواه، محتواه وشكله.. لا اسمه أو عنوانه أياً كان هذا الاسم أو العنوان. وربما كان هاجسنا الدفين في الوقوع على اسم"قاب قوسين" وتخيّره، هو السعي لرفع حالة الترقب ووتيرة العزم لدى المبدع والمتلقي، فنحن على مقربةٍ من الحلم أو الهاوية، من الأفق أو من التيه. والأمر منوط إما بجسارتنا في تعظيم مواطن الجمال في المكان وفي النفس البشرية وفي الطبيعة، أو الاستسلام للبلادة والعيش العضوي، والاكتفاء برش قطرات من العطر على مستنقع، كما ذهب شاعر حديث قبل نصف قرن. غني عن القول إن مسعانا ومرمانا هو الخيارالأول.كان لا مناص من التعريف بهذا المشروع وفق أعراف النشر. والمشروع في منزلة مغامرة شبه فردية، دون أدنى صلة أو ارتباط بأية جهة أو مجموعة أو مؤسسة أياً كانت صفتها. كما هو جلي مما تقدم فليس لدينا الكثير لنقوله، على أن طموحنا ومخططنا ينطوي على الكثير مما نعتزم فعله. محمود الريماوي (رئيس التحرير)editor@qaba.com
16 تموز, 2010
أحجية مفاوضات
أحجية مفاوضات محمود الريماوي يصعب القول إن كانت هناك مفاوضات غير مباشرة تدور على المسار الفلسطيني- "الاسرائيلي" أم لا. سبق لصائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات أن أشار الى أن هذا التفاوض قائم عبر المندوب الأميركي جورج ميتشيل. علماً أن الأخير سبق له ومنذ ربيع العام 2009 أن قام بجولات شتى نقل فيها رسائل ومواقف بين الطرفين، فهل يحتسب دور ساعي البريد بمثابة إجراء مفاوضات؟ أما الرئيس عباس فأشار الى أن نجاح هذه المفاوضات غير المعلوم إن كانت دائرة أم لا، سيمهد للعودة الى التفاوض المباشر، لكنه لم يتحدث على الأقل لوسائل الإعلام عن الحالة التي قد تدفع لوقف هذا التفاوض غير المباشر. أما الطرف الآخر فما أن تم الاعلان قبل أسابيع عن القبول الفلسطيني بتفاوض غير مباشر عقب ضغوط اميركية وإقليمية، حتى أخذ يردد على لسان نتنياهو بالذات أن لا بديل عن مفاوضات مباشرة، بعد أن كان يطالب من قبل بمجرد استئناف التفاوض وبأية صيغة كانت. والقصد من هذه النقلة هو تحميل الجانب الفلسطيني "مسؤولية الجمود" ووضعه تحت ضغوط دائمة، وإفشال الجولة الجديدة من المفاوضات مسبقاً، وصرف الأنظار عن النشاط الاستيطاني المحموم.من الواضح ان هذه البلبلة تجري على ايقاع الشد والرخي بين واشنطن وتل ابيب،حول الاستيطان والتنسيق بين الجانبين حول إجراءات التسوية. تشدد تل أبيب إذ يعكس خياراً ايديولوجياً جذرياً ويتساوق مع طروحات اليمين الصهيوني الأشد تطرفاً، إلا أنه على المستوى السياسي يعكس تشدداً ازاء إدارة الرئيس أوباما التي سعت منذ البداية لمنح التسوية زخماً جديداً. فيما تمسكت حكومة نتنياهو وما زالت برؤية مفادها أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لمواجهة الملف النووي الايراني، ول"تعاظم" قدرات حزب الله في جنوب لبنان. والمواجهة المقصودة عسكرية بالطبع لا سياسية. تفسر تل أبيب عقوبات مجلس الأمن الأخيرة على طهران على أنها تُزكي خيار التصعيد العسكري، فيما تضعها واشنطن ومعها موسكو وبكين في إطار ضغوط من أجل دفع طهران لاستئناف التفاوض حول الملف النووي.في هذه الأثناء فإن سلوك تل أبيب يشي بأن التفاوض مع الفلسطينيين، مجرد مسرحية كلامية ذات عروض لا تتوقف، ومتاحٌ متابعتها لمن يرغب بتغذية مشاعر التفاؤل لديه.أما التفاوض الصراعي فيتم في القدس كما في البحر المتوسط والجولان، ثم في التحضيرات العسكرية قريباً من الحدود مع لبنان، وفي ما يبقى بعيداً عن التداول بشأت تحضير ضربة لمواقع ومنشآت ايرانية.بعد الهجوم الوحشي على "اسطول الحرية" في عرض البحر، زادت وتيرة مطالبة السلطة الفلسطينية برفع الحصار عن غزة، دون التأشير الى انعكاس ذلك على المفوضات. ذلك التطور على بساطته وبداهته في الخطاب السياسي، عكس مؤشراً جيداً على أن التفاوض الصراعي لا يُحسم وراء غرف مغلقة وعبر وسطاء، بل على الأرض وفي البحر. فكل تفاوض عقيم وعبثي إذا كان مقطوع الصلة بميزان القوى المتحرك بالوقائع الحسية التي تجري في بيئة الصراع. ولما كانت هذه الوقائع تعكس جموحاً في التوسع الاستيطاني وفي التنكيل بشعب محاصر في شطري الوطن، فإن المنطق والمصلحة يقضيان بمنح الاولوية للصمود في مواجهة هذه المخططات، وجذب الاهتمام الدولي للعمل على وقفها. فإذا أصابت مثل هذه الجهود نجاحاً فإنه يمكن بعدئذ للتفاوض أن يحمل معنى.الموقف الصائب تجاه الحصار على غزة ، يستحق ويتطلب تعميمه كي يشمل سائر ممارسات الاحتلال ثم وجود الاحتلال ذاته. ومثل هذه الصلابة لا تعيق بداهةً التفاوض، بل على العكس توفر بيئة مناسبة لاشتباك تفاوضي لاحق.لقد تمت الدعوة للربط الوثيق بين الأوضاع في مجمل أنحاء الوطن المحتل، والتحذير من تظهير صورة يبدو فيها أن هناك قضية خاصة بقطاع غزة وأخرى تتعلق بالضفة الغربية. وهو ما يتطلب بذل جهد سياسي كفاحي رسمي وشعبي، عنوانه فك الحصار ورفع الاحتلال عن شطري الوطن سواء بسواء. وهو ما يقضي أيضا بالكف عن الصراع المقيت على النفوذ بين فتح وحماس، وذلك بالتوحد والانتقال لكسر نفوذ الاحتلال هنا وهناك. بما يعنيه ذلك من إعفاء المواطن في الضفة والقطاع من أعباء صراع فصائلي، يضاعف من معاناته الوطنية ويضعف من صموده أمام العدو.أما التفاوض المبهم الذي يجري ولا يجري، فهو يستحق مزيداً من الإيضاح ما دام جزء من الحركة السياسية وليس مجرد نشاط بيروقراطي فوقي، ولا يعقل أن يكون الرأي العام آخر من يعلم حول تطورات ومستجدات تتعلق بقضيته الوطنية ومصيره السياسي، أو أن تبقى الحركة المدنية الشعبية مجمدة، ومرهونة بغموض غير بناء يتعلق بالمسار التفاوضي،فالأصل في الأشياء أن يعكس التفاوض قناعات الرأي العام بمختلف شرائحه وقطاعاته وخلاصة حوارات وطنية مديدة،لا أن يتم وضع الحصان وراء العربة، والإيهام خلال ذلك أن هناك "حركة.. تدور"، والأصل هو دعم الصمود الشعبي وعدم الانقطاع عن الناس، وفرض قضية الخلاص الوطني على جدول الأعمال الاقليمية والدولية، وذلك من أجل استثمار هذا الصمود في تفاوض ذي معنى.
05 تموز, 2010
بلد عربي محكوم بالتجاهل التام له
بلد عربي محكوم بالتجاهل التام له محمود الريماوييود الكاتب أن يستميح القارىء عذراً في التحدث قليلاً بضمير المتكلم، وهي صيغ يأنف الكاتب استخدامها كمبدأ وفي الظروف العادية: أقرأ مثل ما يقرأ غيري أاسمع كما يسمع سواي، نتفاً من أخبار بلد عربي في القرن الإفريقي. يتعذر علي متابعة الأخبار جميعها ليس لأنها غير ذات أهمية، بل لأنها أخبار دامية مؤلمة تهز المشاعر وتقض المضاجع. تتكرر هذه الأخبار على وتيرة واحدة: أعمال عنف في الشوارع، صبية مسلحون ونساء يمتشقن السلاح، ومع ذلك فإن الرجال المدربين أقوياء البنية يتفوقون ولا يتوانون عن استهداف الأطفال والنساء.لا أحد يحكم عملياً ذلك البلد. السلاح وحده هو من يتولى الحكم والحسم في خلاف حول مصلحة عابرة أو سماع الموسيقى أو متابعة مباريات كأس العالم. في الأيام الاخيرة سقط ضحايا سمعوا أنغاماً أو اتيح لواحد منهم متابعة مباراة كرة قدم.هناك طرف يحكم نظرياً هو اتحاد المحاكم الاسلامية، لكن مجموعات شبابية إسلامية تعتبر أن اسلامية الحكم بقيادة شريف احمد غير كافية ولا تجسد صحيح الدين. يتمرد شباب مؤمن يملك أسلحة ومستوى قتالياً أفضل مما لدى رجال الشرطة والجيش، وقد تمكن الشباب المؤمن من السيطرة على جنوب البلاد ووسطها، بما في ذاك أجزاء واسعة من العاصمة مقديشو. الحكومة استقال نحو نصف عدد أعضائها . مجلس النواب مشلول. الكلمة الفصل هي لمن يفوز في السجال الدموي في الشارع. الأفلام التلفزيونية تعرض بلا انقطاع مثل هذه المشاهد وصور أخرى عن مشاهد قرصنة لشبان هجروا اليابسة الى أعالي البحار لممارسة مهنة قديمة تخالف القانون الدولي. لكن حماة هذا القانون بالكاد يستذكرون بلداً اسمه الصومال. يموت الناس هناك كل يوم وعلى الهواء مباشرة لغير ما سبب. يرتكب القتلة ما يقترفونه لغير سبب، سوى ربما لكونهم يحملون سلاحاً، فلا يُعقل ان يظل في أيديهم دون أي استخدام له! . وقد يحمل القتل فائدة ما من قبيل السطو على حلية صغيرة أو بضع دريهمات من القتيل والقتيلة.تتكرر وقائع تقويض الادارة وكل ما ينظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية كل يوم. شبان يائسون هائمون على وجوههم يحملون أسلحة رشاشة لا يدرون ما يفعلون بها وسط الخرائب. يتبارزون في القنص، فيطلقون الرصاص على هذا او ذاك. او حتى على بقرة شاردة او مركبة هاربة او شجرة نصف جافة.يعلم من يعلم والكثير يعلمون أن الصومال دولة عربية انضمت الى الجامعة العربية في العام 1974 بعد أربعة عشر عاما على استقلالها.وهي تحاذي اليمن. لكن العالم العربي بما في ذلك جامعته القومية لا يعبأ ببلد العشرة ملايين نسمة. كذلك العالم الاسلامي رغم أن الصومال من الدول المؤسسة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومن اوائل الدول الافريقية التي اعتنق أهلها الاسلام في السنوات الاولى للدعوة حتى احتُسبت منارة الاسلام في الشرق الافريقي. تعرضت الصومال لغزوات متعاقبة من اثيوبيا( الحبشة) على مر التاريخ وكان آخرها الغزو الثيوبي في العام 2007 والذي انسحبت قواته في العام 2009 وحلت محلها قوات للاتحاد الافريقي يبلغ عديده نحو ثلاثة الاف جندي، دون ان يفلح هؤلاء في وقف الفوضى المسلحة القبائلية والعقائدية والفردية.للبلد تاريخ في المقاومة المسلحة على مدى قرون ضد المستعمرين البريطانيين والفرنسيين والايطاليين، فلما انكشف العجز المديد عن بناء اركان دولة، فقد جرى ابتعاث هذا الارث الوطني المسلح وتوظيفه في اعمال عنف داخلي وفي حرب أهلية مفتوحة لا تثير اهتمام احد، وإذا أثارت اهتمام منظمات إغاثة أيا كان لونها وهويتها، فإن هذه الهيئات سرعان ما تصبح موضع استهداف.في الأيام الاخيرة تحدثت تقارير عن هجرة كثيفة الى كينيا المجاورة ، وهناك يتم استقبال اللاجئين بكل أنواع العسف والتنكيل بما في ذلك ترويع الأطفال واغتصاب النساء البائسات في وضح النهار وعلى الملأ.. ما زالت الصومال دولة عربية ولديها ممثل أو مندوب في الجامعة العربية. قد لا يستيع العالم العربي فعل الكثير على التو للدولة الفاشلة والمجتمع المنكوب، لكن إبداء الاهتمام ضروري وهو في متناول اليد.من قبيل مخاطبة الصوماليين المتنازعين، وتذكيرهم بأنهم إذا وما وقفوا مع أنفسهم وشعبهم ، فإن اشقاءهم العرب سوف يقفون معهم. الصومال دولة فقيرة دون أن يعيبها ذلك ودون ان يشكل ذلك عائقاً أمام الاهتمام العربي، ودون محاولة اجتذاب المتنازعين الى السلم الأهلي، وتبيان الفوائد والمزايا القابلة للتحقيق في حالة وضع السلاح جانباً، والاحتكام الى الانتخابات والى قوانين عامة يستظل بها الجميع.لا يحدث تطور بسيط مثل هذا يدلل على حد أدنى من الاهتمام. البلد المنكوب متروك لمحنته المتناسلة، التي توفر مادة مثيرة لا تنقطع لبرامج أخبارية تلفزيونية، رغم أنها لهول وقائعها تعز مشاهدتها على المشاهد. العالم العربي يكاد لا يأخذ علماً بما يجري هناك، ويكاد يتخلى عن هذا البلد العريق الذي ربطته علاقات تجارية وثيقة، قبل عشرات القرون مع الجزيرة العربية، وقبل آلاف السنين مع الفراعنة والفنيقيين، بما يجعل منه جزء لا يتجزأ من تاريخ وجغرافية المنطقة ومن افريقيا العربية والمسلمة، وليس مجرد بلد بعيد يقوم بتصدير الموز الصومالي وعدائي المسافات الطويلة للأندية الرياضية.
25 حزيران, 2010
المواطنة والدولة العصرية
المواطنة والدولة العصرية
محمود الريماوي يتقدم مبدأ المواطنة على أجندات الاهتمام العام في غير بلد عربي من العراق الى السودان ومن الجزائر الى مصر الى دول أخرى. هناك بواعث شتى لهذا الاهتمام الناشىء والمتسع، فمن جهة تبرز الحاجة للاعتراف بالتعددية الاجتماعية والثقافية وأحياناً اللغوية كما في حالتي الأكراد والأمازيغ، وذلك جنباً الى جنب مع بقية حقوق وواجبات المواطنة، من اجل حفظ التنوع، وقطع الطريق على اية منازعات مدارها الأصول الوطنية والقومية، الحاجة للاحتكام الى مبدأ جامع هو مبدأ المواطنة المقترن بنشوء الدول واستوائها كيانات قانونية ودستورية.هناك كذلك الحاجة الى درء التفاعلات السلبية للإنتماءات الأولى الفرعية، كما في الانتماءات الدينية والطائفية. لقد أطلت هذه الانتماءات برأسها في غمرة الفشل ببلورة مشاريع وطنية وجامعة والإخفاق بدرجات متفاوتة في بناء دولة مدنية عابرة للانشطارات الأولى، ودامجة للمكونات الاجتماعية في كيانات يحكمها القانون وتحتكم للدستور، ولا يتم فيها توسل هيبة الدولة بسلطة متسلطة.ومن الملاحظ أن الانشطارات ما أن تبدأ حتى تتناسل الى المزيد منها، وهو ما نشهده في غير بلد ومجتمع عربيين، وإن كان كل بلد ومجتمع يحتفظ بخصوصيته، دون نجاح في رفع هذه الخصوصية الى ميزة ايجابية تحترم التنوع والتعدد تحت مظلة قانون عمومي وتؤطر المواطنين في هوية جامعة وعصرية. هنا وهناك تبرز انشطارات اجتماعية: قبلية وعائلية ثم مناطقية ثم بين الريف والحضر والبادية، وخلال ذلك يتم انشطار بين الرجال والنساء. ومن اللافت أن هذه المستجدات باتت تمتد الى حواضر وعواصم عربية وتزدهر فيها، فيما شهدت من قبل المناطق الريفية والنائية تلك التشكيلات الاجتماعية التقليدية، مع فارق أن الأمر في الماضي قبل نحو نصف قرن لم يكن يحمل على توترات مقلقة،إ ذ ما أن تهب رياح المدنية والاتصال بالمدن وتوسع التعليم، حتى كانت تلك التوترات تضمحل. أما في ايامنا هذه فإن الانشطارات وتضخيمها يتم إلباسه لبوساً فخيماً مثل الهويات والخصوصيات الحضارية وحقوق هذه الفئة او تلك، وحتى المشاركة السياسية، فيما هي لا تعدو أن تكون مشاركة جهوية ومناطقية وطائفية. قائمة على المحاصصة.الى آخره. وقد تم بذلك ليس فقط استخدام مصطلحات حديثة لتسويغ العودة الى سياسة قديمة، بل كذلك حرف الحقوق الأساسية والمشاركة عن مضمونها وتفريغها من هذا المضمون، وذلك يتقديم الانتماءات الفرعية والأولية على ما عداها.ما تقدم يثير تساؤلات حول مدى الإخفاق الذي مني به ما كان يسمى بمشروع نهضوي ووحدوي عربي،وكان الظن ان بلوغ ذلك المشروع هو مسألة وقت وأن التراكم الكمي للتحديث والتطوير في ميادين شتى، سيؤدي حُكماً الى تحولات نوعية. لقد انتهت الآمال الوحدوية ليس بترسخ الكيانات السياسية فحسب، بل كذلك بتراجع الوحدة الوطنية والاجتماعية في الدواخل العربية وهو ما يبرهن عليه واقع الانشطارات المتفاقمة هنا وهناك.وبينما كان الطموح ينعقد حول صيرورة المواطن مواطناً عربياً ينتمي الى وطن عربي كبير(الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي الذي تنازل عن الحكم عشية الوحدة مع مصر قبل أزيد من نصف قرن أطلق على نفسه لقب المواطن العربي الأول)، فإن الطموح الآن يتمحور حول إرساء قيم ومحددات وحقوق المواطنة في البلد الواحد في المشرق والمغرب.وإذ ينشغل مفكرون وأكاديميون ومعنيون بالشأن العام، في تظهير فكرة المواطنة فإن هذا الانشغال ليس مجرد ترف فكري أو جهد نظري يتعالى على تحديات الواقع، بل هو في صميم هذه التحديات والحاجات.إذ أن النجاح في هذا الجهد بتعظيم مبدأ المواطنة المعرفة بذاتها، من شأنه أن يضع على جدول الأعمال مجدداً الطموح المشروع والواجب الى بناء دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق مبادىء العدالة والمساواة والتنمية الشاملة والمستدامة، وإطلاق طاقات مكونات المجتمع كافة في البناء الداخلي، وتوطيد السلم الأهلي، ونبذ كل عنف بما فيه العنف اللفظي والسياسي، ووضع الخلافات بين التيارات الفكرية والاجتماعية في إطارها السليم: السلمي والمدني وعبر الأقنية المشروعة، البرلمانية والحزبية والنقابية والإعلامية، وبالاحتكام عند الاقتضاء الى القانون والقضاء المدني كسلطة مستقلة غير مسيسة أحكامها واجبة التنفيذ. في عقود خلت ومع التقدم الأولي لمشاريع البناء والتطوير في المشرق العربي، لم تكن هذه القضية لتشكل شاغلاً او مصدر قلق لأحد. كانت فكرة المواطنة تبدو من باب البدهيات وتحصيل الحاصل، فالانتماءات الفرعية والهويات الأولى هي حق لأصحابها ،أما معيار المواطنة والوطنية فهو يتجاوز تلك الأوليات ويدمجها في انتماء للوطن والدولة. وكان ذلك أمراً متيسرا وسلساً. فعيون الجميع ومطامحهم كانت تتجه للصمود أمام التحديات الخارجية، والانخراط في معركة البناء الداخلي للحاق بركب الأمم المتقدمة. وها نحن نعود الى مرحلة لعلها أقسى مما كنا عليه منتصف القرن الماضي، قبل أن يزدهر التعليم وتنتشر أجهزة الاعلام في البيوت وتعم وسائل الاتصال والمواصلات. ففي تلك الحقبة لم تكن الانشطارات بهذا الوضوح ولا بهذه الحدة، فكانت المجتمعات تتكاتف لاحتضان التنوع الاجتماعي واحترامه قولاً وعملاً .المثير للانتباه بعدئذ أن هذه القضية قلما تحظى باهتمام الأحزاب السياسية والبرلمانات المنتخبة وهيئات المجتمع المدني، وذلك كنموذج لسياسة دفن الرؤوس في الرمال، والغفلة عن تحديات متنامية ينطق بها الواقع، وهو ما يحتاج تبيانه لمعالجة مستقلة.
20 حزيران, 2010
جناحا وطن: الفصل والوصل
جناحا وطن: الفصل والوصل محمود الريماوي هناك خشية حقيقية من أن يؤدي الجدل الدولي وهذا مفيد وايجابي حول سبل رفع الحصار عن قطاع غزة، الى دعم منظور يكرس انشطار الأراضي الفلسطينية المحتلة.ففي وقت يعاني القطاع بأهله البالغ عددهم مليون ونصف المليون نسمة من حصار بري وبحري وبالطبع جوي خانق، وبما يمنع دخول العديد من المواد الأساسية من مستلزمات البناء الى مختلف أنواع الوقود وحتى أدوات التعليم في المدارس، فإن الضفة الغربية التي يقطنها العدد نفسه تعاني من استشراء الاستيطان ومئات الحواجز العسكرية ومنع دخول ابناء الضفة الى القدس، علاوة على عمليات الاجتياح الموضعية شبه اليومية التي تؤدي الى المزيد من عمليات اختطاف الشبان وأحيانا إعدامات في الشوارع بدم بارد.هناك ما لا يحصى من مظالم ينوء بها القطاع كما الضفة، غير أن ما يجمعهما هو كونهما معاً جزء من فلسطين التاريخية ومن الأراضي التي وقع عليها الاحتلال عام 1967 .انسحبت قوات الاحتلال من القطاع قبل خمس سنوات، لكنها ما زالت تشدد الخناق عليه ولم تفرج عن أسراه وكما هو الحال مع أسرى الضفة الغربية.هناك شيء آخر يجمع المنطقتين وهو أن العبور بينهما ممنوع. فبعد انسحاب المحتلين من قطاع غزة فقدعمد هؤلاء الى حصار القطاع وإغلاق الضفة الغربية. وضع الحواجز بين المنطقتين يراد به تكريس الفصل بينهما، ويجري استغلال وجود سلطتين هنا وهناك من أجل تصوير الفصل كما لو أنه تحصيل حاصل، أو أنه يعكس إرادة السلطتين المتنازعتين في غزة ورام الله. والآن فإن الجدل الدولي الذي تشارك فيه الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حول سبل رفع الحصار( الحد منه في الواقع واستبداله برقابة دولية)، يكاد كرس منظور فصل المنطفتين، وكما لو أن لكل منهما "قضية " خاصة لا شأن للأخرى بها.وإذ نعرف أن فصل القضايا وتجزئتها ووضع فروع للمجزوء وتفاصيل للجزئي، هي سياسة "اسرائيلية" دائمة، يراد منها ببساطة حجب الهدف الجوهري وهو إنهاء الاحتلال وانسحاب القوات المحتلة، والانهماك الى ما لا نهاية بشؤون فرعية ومسائل جزئية، وحجب أية صلة مع الهدف الأساس .التطورات التي وقعت على مدى الأشهر الماضية تعتبر ايجابية في محصلتها العامة، فقد بات العالم بأسره بما فيه الولايات المتحدة على قناعة أن حصار القطاع لا يمكن أن يستمر. ونعرف أن سلطات الاحتلال تمنع منذ ثلاثة أعوام ادخال مواد بناء لإعادة إعمار ما هدمته تلك الحرب الوحشية.وذلك أدى الى تجميد التبرعات التي تم الاعلان عنها لإغاثة القطاع المنكوب.غير أن سلطة الاحتلال لا تهدر اي وقت. ففي الوقت الذي تمنع دخول مواد البناء هذه للقطاع، فإنها تواصل سياسة هدم البيوت في محيط القدس المحتلة وفي أماكن اخرى في الضفة الغربية. والإحصاءات الفسطينية تتحدث عن هدم أكثر من ثلاثة الآف بيت. ذلك يعني أن السلطة المحتلة تخوض حربا صامتة لكنها متوحشة ضد مظاهر العمران والحياة في الضفة الغربية علاوة على أشكال التنكيل الاخرى.مطلوب أن يتوقف العسف بجميع أشكاله، وأن لا يكل الفلسطينيون والعرب وأصدقاؤهم عن رفع هذه المطالبات، ما دام المجرمون لا يكلون من جهتهم عن ممارسة سائر أشكال التنكيل والعقاب الجماعي والتطهير العرقي بصورة يومية، على أن لا يعني ذلك أن الهدف يتمثل بتحسين ظروف الاحتلال، ودوام انتظار لفتات طيبة من القوة المحتلة.بما يتعلق بقطاع غزة فإن الهدف هو إنهاء الحصار البري والبحري والجوي، غير أنه يصعب تصور إنجاز هذا الهدف دون التواصل الجغرافي مع الضفة الغربية واستعادتها لحريتها. فالشعب هنا وهناك واحد،وبوابات العبور بين المنطقتين يجب ان لا يتم فتحها فقط بل أن تزول.ونعلم أن حدود غزة البرية هي مع مصر بما يضطر الغزي الذي يرغب بزيارة الأردن أو سوريا مثلا أن يقصد مصر أولاً، وكذلك الحال مع أبناء الضفة الذين يرغبون بزيارة مصر إذ عليهم الانتقال الى الأردن أولاً. هذا إضافة الى أن الانتقال بالبحر والجو محظور على أبناء الضفة والقطاع معاً.من هنا فإن إعادة النظر الدولية في الحصار المفروض على القطاع هي مسألة محمودة وتعكس حساسية مستجدة تجاه أبناء القطاع الذين يعانون منذ العام 1967، غير أن هذا الالتفات المتأخر يجب أن لا يدفع باتجاه تكريس الفصل بين الأراضي المحتلة وتظهير الوضع في القطاع على أنه "قضية غزة"، بمعزل عن الشطر الآخر المحتل.ونعرف ان المسألة في استهدافاتها السياسية تتعدى فرض حصار او تخفيفه ووضع بوابات صفيقة بين الضفة والقطاع، فالهدف الجوهري لسلطة الاحتلال هو دفع الأمور باتجاه باتجاه فصل نهائي، يحظى فيه القطاع بإمكانيات إرساء كيان مستقل مرتبط اقتصادياً ولوجستياً بمصر، وللغزيين خلال ذلك أيا كان الحاكمون حماس أو سواها أن ينشئوا دولة لهم تُحتسب دولة فلسطينية، ولهم مع المصريين أن يعقدوا الروابط الوثيقة التي يشاؤها الطرفان، فيما أراضي الضفة يتم سلبها أكثر فأكثر بعد التهويد القسري التام لبيت المقدس وتوسيع حدودها الإدارية.بهذا تتبدى خطورة الفصل السياسي للقطاع عن بقية الأراضي المحتلة، فالمراد هو التقدم لتصفية القضية الفلسطينية مع استثناء غزة غير التوراتية،وتحويلها الى غيتو ضخم يضم غزيين ولاجئين من أبناء فلسطين العام 1948 وما تيسر من أبناء الضفة الذين يتم دفعهم دفعاً للانتقال الى القطاع، كما هو حال بعض الأسرى المنتمين مناطقياً الى الضفة الذين يفرج عنهم ويتم ابعادهم الى غزة.
13 حزيران, 2010
ثمة تداخل ايجابي
ثمة تداخل إيجابي محمود الريماويأن تتحول الجريمة التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الاسرائيلية في المياه الدولية ضد "أسطول الحرية" الى مواجهة تركية اسرائيلية، فذلك ليس بالأمر المستغرب. وقد جاءت الوقائع الخاصة بهذه الجريمة كي تعزز هذه الوجهة. فالشهداء التسعة كما لاحظت مصادر تركية هم جميعاً من الاتراك، والسفينة التي نالتها أكبر درجة من الاستهداف هي سفينة مرمرة التركية.وعليه فإن الاستخلاص بأن علاقة انقرة بتل ابيب لن تعود الى سابق عهدها في الأمد المنظور هو استخلاص في محله كما عبر عن ذلك الرئيس التركي عبدالله غل.. فقد شنت تل ابيب حرباً موضعية محدودة ضد أنقرة لكن هذه الحرب اتخذت طابعاً دموياً، رغم إدراك تل ابيب أن انقرة تغطي رسمياً وسياسياً حملة مدنية لكسر الحصار على غزة، وتنظيم عملية إمداد معونات طبية وغذائية وإنسانية لمليون ونصف مليون محاصر في القطاع. من حق العرب بعد التعاطف العميق مع ذوي الضحايا الاتراك، أن ينظروا بعين التفاؤل الى التباعد الذي تتسع رقعته بين أنقرة وتل أبيب ،والذي يصدع التفاهم الاستراتيجي بين الدولة العبرية وبين أول دولة اسلامية تعترف بها، وهو التفاهم الذي تمظهر على مدى عقود كاختراق يهدد دولتين محاذيتين لتركيا هما العراق وسوريا فضلا عن لبنان والأردن المحاذيتين للدولتين العربيتين. سياسيون في تل ابيب بدأوا يتوجسون من مفاعيل هذا التحول المتسارع كما في تصريحات لأحد قادة كاديما ايهود اولمرت الذي أبدى تشاؤماً حيال الاحتمالات المتزايدة لفقدان الحليف التاريخي والاستراتيجي لتل ابيب. فيما ذهبت تقديرات أخرى الى أن تل أبيب تخوض مواجهة مع انقرة وطهران معاً، وأن استهداف الحليف القديم أريد به توجيه رسالة مفادها أن على أنقرة الاختيار في توثيق علاقاتها بين طهران وتل أبيب، وأن التصعيد ضد الملف النووي الإيراني من طرف هذه الأخيرة لن يتوقف.مع هذا التحول فإن الصراع العربي الصهيوني بدأ ينتقل الى صراع ذي طابع اقليمي يتعدى المجموعة العربية. ويبدو العالم العربي على المستوى الرسمي ازاء ذلك تسوده من جهة مشاعر ارتياح لقيام الجار التركي يتحمل بعض أعباء المواجهة في هذا الصراع المديد، ومن جهة ثانية يبدو هناك قدر من التحرز من إلهاب الجار المسلم الكبير لمشاعر الشارع العربي، بما يحمله ذلك من إثارة الحرج مع عقد مقارنات بين الموقف التركي الدينامي والمواقف العربية الساكنة. وخاصة بعد أن وضعت أنقرة شروطاً لتجاوز ما حدث في مياه المتوسط منها رفع الحصار عن قطاع غزة، فيما العلاقات العربية الاسرائيلية لا شروط عليها. والشرط التركي كما هو جلي يتعدى العلاقات الثنائية بين الجانبين، ويعزز الرسالة السياسية والإنسانية للحملة المدنية الدولية لكسر حصار قطاع غزة. فيما تجنح تل أبيب لتشويه صورة هذه الحملة وبالذات الدور التركي فيها،عبر تسريب أنباء عن ميول أصولية مزعومة وحتى ارهابية لدى الجهة التركية الاهلية المشاركة في الحملة وهي "مؤسسة الحقوق والحريات والإغاثة الإنسانية" وهو ما تناولته صحيفة بريطانية (التايمز) الخميس الثالث من حزيران الجاري. وتتصاعد في الوقت ذاته الدعوات في بلاد الاناضول لمحاكمة مسؤولين اسرائيليين، بما يهد زيارة أي منهم للبلد العريق الذي خسروا تحالفهم معه.من أسوأ ما يمكن أن يحدث هو تفاقم حالة سلبية عربية، تبدو معها الأزمة التركية الاسرائلية وكأنها أزمة ثنائية بين بلدين لا شأن للعرب بها، وقد يتطوع من يتطوع من الجانب العربي في يومٍ قد لا يكون بعيداً للتوسط بين الجانبين، مع ضبط الشارع العربي في الأثناء للحد من تفاعله مع الموقف التركي المتقدم. وذلك بدل اعتماد سياسة تقوم على الاستقواء بالمبادرات التركية وتشديد عزلة الدولة العبرية ومواصلة الضغوط عليها، لحملها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.في هذا الإطار تتبدى أهمية اقامة تفاهم سياسي عميق مع دول الجوار وفي مقدمها تركيا وهي الدعوة التي لم تلق استجابة في القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في ليبيا. لقد زكت التطورات الأخيرة صحة هذه الدعوة، وذلك في ضوء الشواهد المتزايدة على التداخل بين الأمن القومي والأمن الإقليمي،ابتداء من الحاجة لإخلاء المنطقة من اسلحة الدمار الشامل، مرورا بالعمل على تهيئة الظروف لتسوية جادة تعيد الأراضي العربية المحتلة ، وصولاً الى إرساء تعاون في منطقة المتوسط، والى منع العبث بالمعادلات الاقليمية بوضع العرب أو بعضهم ضمناً او فعلاً الى جانب الدولة العبرية في مواجهة أية قوة اقليمية لدول الجوار، ولتفادي التشتت العربي بين الخشية من تعاظم قوة اقليمية وهي هنا ايران وبين أولوية مقاطعة الدولة العبرية والتمسك بمركزية القضية الفلسطينية.وهكذا فإن التطورات الأخيرة تفرض على العقل السياسي العربي استثمار تلك التطورات، وتوجيهها وجهة ايجابية تعزز من الوزن العربي في مواجهة التوسعية الاسرائيلية، وتقيم تناغماً بين المجموعة العربية ودول الجوار، علماً بأن انقرة تتمتع عملياً بأهلية التجسير بين المجموعة العربية والجمهورية الاسلامية الإيرانية، وهو وضع لا سابق له في تاريخ المنطقة ومعادلاتها ومن شان حسن استثماره، وضع حد لأية اختلالات ونزع المخاوف العربية من تمدد ايراني، وذلك ضمن معادلات تحفظ حقوق الجميع دون افتئات طرف على آخر.
06 حزيران, 2010
مستقبل العرب أم العروبة؟
مستقبل العرب أم العروبة؟ محمود الريماويليست العروبة كياناً مادياً ولا نظاما قائماً ولا مؤسسة، حتى يجري فحص أدائها والتعرف على أوجه الإخفاق والنجاح في مسارها، وصولاً الى استشراف مستقبلها. وفي التحديق بمفهوم العروبة تنتصب مثالات من الماضي، ومشاعر دفينة نحو هذه الرابطة المعنوية والوشيجة الثقافية ذات العمق التاريخي، غير أن الحاضر لا يسعف في رسم تصورات هيكلية عن تجسد هذه الرابطة. فالكيانات السياسية القائمة وهي ثمرة الاستقلالات تعظم الهويات المحلية، التي تُبقي على العروبة إطاراً لها، لكننا نعرف أن الصورة هي ما يعكس الواقع بأكثر مما يفعل الإطار. وفيما شهدت مراحل الكفاح ضد الاستعمار والتسلط الأجنبي أشكالاً من التوحد، فإن قيام الكيانات المستقلة وضع حداً شبه نهائي لذلك التوحد منذ نحو ستة عقود. فالعرب ينصرون إخوة لهم في التحديات، لكن كلاً منهم لا يلبث أن يؤوب الى مستقره داخل حدوده الضمنية أو المنظورة: موطنه وعشيره، ويقيم حياته المستقلة بما يمتلك من موارد ذاتية معنوية ومادية، وكما كان حال القبائل في عصور خلت.بعد مضي ستة عقود وأكثر على الاستقلالات وعلى انشاء جامعة الدول العربية( لا الجامعة العربية) فقد نجحت الكيانات بأشكال مختلفة في تفريغ هذه المؤسسة، وهي الوحيدة الجامعة ولو نظرياً، من أي دور لها يخترق الحسابات الذاتية والمصالح الخاصة بهذا الكيان أو ذاك. وبينما القانون الدولي يتقدم في النفاذ على القوانين الخاصة بهذه الدولة او تلك في عالمنا، فإنه لا شيء في عالمنا العربي يتقدم على الاعتبارات الذاتية لكل دولة. وبعدئذ فقد اخفقت التيارات القومية في موضعة العروبة في أنظار الرأي العام ( المادة البشرية للعروبة) كرابط سياسي جامع وجاذب، يدفع بالمطامح الوطنية للتلاقي في صيغة قومية ذات محتوى واقعي قابل للتحقيق. وها هم الملايين من الأجيال الجديدة في مشارق الوطن العربي ومغاربه، لا يستشعرون معنى للعروبة، يتعدى اللغة العربية وثقافتها وأسواق العمل ومناطق السياحة. أصبح الوطن العربي على هذا النحو اقرب الى ناطق بلغة واحدة، مع جدران وحواجز تنتصب بين مكوناته ، ولا تقل صلابة عن تلك الحدود القائمة بين الناطقين بالإسبانية وينتمون في الوقت ذاته الى مملكة اسبانيا والى دول اميركا اللاتينية. او تلك القائمة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة التي يتحدث مواطنوها هنا وهناك بالانجليزية. علماً بأن الروابط الفعلية السياسية والاستراتيجية اقوى لديهم في حالة المثال الثاني، مما هي لدينا رغم الفوارق القومية.من الأوهام الضارة التي تكاد تبلغ مبلغ العبث، الاتكال على مجرد تجييش المشاعر نحو رابطة ثقافية ذات عمق وجداني، مع إغفال الاخفاق المريع في التحقق السياسي والحضاري لهذه الرابطة على الأرض وفي وعي البشر. اذ الاستمرار على هذا النهج يحول هذه الرابطة الى ما يشبه التعويذة والتميمة السحرية.فالعرب يفشلون منذ عقود فشلا مضاعفاً، مرة في البرهنة على استعدادهم لتنظيم عمل جماعي بينهم، عبر تظهير المشتركات والسعي لتعظيمها، ومرة ثانية في ادارة الظهر لخبرات العصر في التوحد والمتمثلة أساساً في الرهان على الاستقلال السياسي والتقدم الاقتصادي والقانوني والمؤسساتي، وتحقيق مشاريع متدرجة ترسي التواصل والتكامل على أسس صلبة ثابتة، غير قابلة للتراجع عنها مع هبوب أول رياح قد تبدو في أنظار البعض غير مواتية. لقد برهنت العقود الماضية على أن لا مطامح توحدية قابلة للتحقق، ما دام التخلف يرخي بظلاله على عالمنا العربي بصور شتى. هذه المطامح هي ما يضفي على العروبة معناها ويملأ وعاءها. غير أن أحداً في الأجيال الجديدة، التي استيقظ وعيها على حطام الأحلام القومية، لا يطمح الى استعارة الإخفاق الاقتصادي المستفحل أو أنماط الاستبداد أو الفراغ المؤسساتي أو وهن الإرادة السياسية، ثم صهر هذه " المآثر" في بوتقة واحدة. مع ذلك فإن أطراً جامعة تتجدد وتتسع بفضل مبادرات غير رسمية وأحيانا مختلطة بين أهلية ورسمية كما في ميادين الثقافة والإعلام والأعمال والسياحة والتعليم والرياضة والطبابة. مثل هذه الميادين هي التي تجمع عملياً بين العرب بينما تشتد وطأة الحدود والحواجز السياسية بينهم. مع ملاحظة أن غالبية هذه الميادين تجمعهم بغير العرب وتدفع أبصارهم كما مشاعرهم للنظر والتوجه خارج العالم العربي. ولا غضاضة في ذلك في عالم ترتفع فيه الحدود بين قاراته.غير أن المشكلة تبقى في العجز عن اجتذاب العربي الى العالم العربي حضوراً وانتماء وحرية في التواصل والتفاعل .ولا فائدة ترتجى في نهاية المطاف من التفجع على ما أحاق بالعروبة من تدهور مكانتها كمثال ورابط فعلي، فالأجدى من ذلك هو تعظيم الممكن والإقرار بالمشتركات، والإفادة من تجارب الدول المتقدمة في التوحد من الصين الى الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، مع الاعتراف بأن الطوعية والقناعات والمصالح الحقيقية المتبادلة والمشتركة هي ما يمكن أن يجمع الناس والكيانات، لا الإرادات الفوقية أو المطامح الخاصة بهذا الطرف أو ذاك والتي يتم إلباسها لبوساً عروبياً. وتجربة الراحل عبدالناصر في التوسع الوحدوي وعلى ما اشتملت عليه من فضائل خير هادٍ.
30 ايار, 2010
نموذج لحياة سياسية مفتوحة
نموذج لحياة سياسية مفتوحة محمود الريماوي يستوقف الحراك السياسي والاعلامي الذي تشهده مصر منذ أواخر العام الماضي،اهتمام شرائح واسعة من النخب العربية كما لدى فئات من الجمهور العريض، في غير بلد عربي ومن دول المشرق بالذات. فلئن كان هناك قدر كبير من الاتفاق بين ممثلي شتى التيارات السياسية والفكرية على أن العالم العربي بات "متعدد الأقطاب" لا يقوده قطب واحد، وأن المعادلات القائمة داخل الاقليم العربي تزكي هذه القناعة، فإن هذه القناعة ذاتها التي تجد لها الكثيرين ممن يؤيدونها في مصر، الا أن هذا البلد العربي الكبير ما زال يمتلك جاذبيته الخاصة واشعاعه الفريد، والحراك الصاخب الذي يشهده بلا انقطاع منذ شهور هو شاهد على ما تقدم.بدأ هذا الحراك كما هو معلوم مع اعلان المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية المصري محمد البرادعي"استعداده" للترشح لانتخابات الرئاسة في بلاده المقررة في موعد لم يحدد بعد بصفة نهائية في العام المقبل 2011 . وقد جاء هذا الإعلان عقب مغادرته للمركز الدولي الرفيع. منذ ذلك التاريخ وقبل نحو ستة أشهر من الآن، بات الرجل موضع اهتمام دائم شبه يومي في وسائل الاعلام المصرية والمسموعة، وقد اقترن الاهتمام به بحوارات نشطة حول فكرة تعديل الدستور وشروط الترشح وواقع الأحزاب السياسية حيث رفض البرادعي للانضمام لأي منها. وكان المثير في الأمر أن الرجل لم يُعرف عنه من قبل انشغالاً حميما بالوضع الداخلي في بلاده، نظرا لإقامته الممتدة في الخارج لأزيد من عقدين متصلين، كما لم يعرف عنه اتخاذه مواقف سياسية ناقدة .ومع أن الرجل بقي حتى ساعة كتابة هذا المقال مرشحاً غير مرشح بالفعل، أو مرشحاً غير رسمي، إلا أن إقدامه على تلك الخطوة المتاحة أمامه كما أمام سواه، أسهم بصورة مباشرة في اطلاق ذلك الحراك الذي لم يتوقف. ومع أن الرجل اتخذ مواقف صريحة بعضها حاد، إلا أنه أمكن له دون عوائق تذكر تقديم نفسه وأفكاره للجمهور، وذلك بفضل الهامش الواسع المتاح لحرية التعبير في بلاده.. وهو ما لا يراه بعض السياسيين المصريين هامشا واسعاً، غير أنه كذلك من منظور واقع حريات التعبير في مصر سابقاً، وواقع هذه الحريات في المشرق العربي، وخاصة حين يتعلق الأمر بتنافس سياسي على تداول السلطة. قَلّ أن شهدت منطقتنا مثل هذا التنافس المفتوح والعلني، الذي يرسل إشعاعه الى خارج الحدود. بل لعلها سابقة تؤسس لنموذج يصح القياس عليه مستقبلاً،إذا ما قيض لمثل هذا التنافس أن يتكرر في بلد ما.. وهو أمرٌ لا يلوح في الأفق القريب. علماً أن الجدل المحتدم في أرض الكنانة إذ يتمحور حول مسألة التنافس هذه، فإنه يتناول قضايا اخرى على صلة بها مثل قانون الطوارىء الذي جرى تمديد العمل به من طرف مجلس الشعب، مع قصر تطبيقه على القضايا المتعلقة بالمخدرات والارهاب. وفيما تحاجج تيارات معارضة ومستقلة بأن التمديد للقانون يراد به التأثير على الانتخابات البرلمانية والرئاسية في العام المقبل، إلا أن السلطات تؤكد على حصر حال الطوارىء على تلك القضايا دون غيرها.كما تثار مسائل أخرى في إطار الجدل المفتوح حول المواطنة وحقوق عنصري الامة والمقصود أتباع الديانتين لاسلامية والمسيحية، الى جدل فرعي حول حرية العقيدة وضوابطها،ثم حول حقوق الانسان عامة ومدى التقيد باحترامها. وعلى هامش ذلك تثور نقاشات حول العلاقة بين الأحزاب السياسية وهي في غالبيتها مدنية وبين جماعة الإخوان المسلمين الممثلة في البرلمان والتي تتخذ مقاراً علنية لها رغم أنها غير معترف بها قانوناً، وتمتد النقاشات الى الأوضاع الداخلية لهذه الاحزاب والتنازع غير المستتر على قيادتها وبالذات في صفوف حزبي "الغد" و"الوفد". وتنشر الصحافة المستقلة تقارير عن نزاعات يشهدها الحزب الوطني وعلى الخصوص حول الترشح للانتخابات كما جرى في انتخابات مجلس الشورى مؤخراً. حتى ان الفرق الصوفية تحظى بمتابعة شؤونها وتقصي الميول السياسية لقياداتها.هذا الجدل الثري واليومي ينخرط فيه ناشطون سياسيون مستقلون وموالون ومعارضون على السواء، وصناع رأي عام من أكاديميين وباحثين ومعلقين وحتى فنانين ومثقفين وأدباء، وكثير منهم يعبرون عن مواقفهم في منابر عربية في الخارج. وبصرف النظر عن توجهات هذا الفريق او ذاك، فإن علنية الجدل العام الذي يمتد الى فضائيات مصرية خاصة والى شبكة الانترنت، يمثل بحد ذاته حالة متميزة تثير الاهتمام وتحمل على المتابعة، وتضع مصر الى جانب لبنان كنموذج لإطلاق حياة سياسية مفتوحة نسبياً، مع خصائص يتميز بها كلا البلدين، وحيث التداول في الشأن العام ليس حكراً على السلطات أو وقفاً عليها، ولا هو حكر كذلك على مجلس نيابي رغم الصفة التمثيلية التي يتمتع بها.وعليه فإذا كانت هناك ملاحظات حول الدور الاقليمي والقومي لمصر، وحضورها السياسي الفعلي في الاقليم مقارنة بقدراتها الذاتية وبسجلها السابق في هذا المضمار، فإن النموذج الداخلي للحياة السياسية والعامة الذي يطرحه هذا البلد دولةً ومجتمعاً، يشكل مصدر جذب وذلك لحيويته الشديدة وزخمه اللافت، ولم يكن ذلك ليتأتى سوى لما تتمتع به النخب المصرية من روح المبادرة والنضج السياسي، ولما تتمتع به السلطات من مرونة ملحوظة في تعاطيها مع الفاعلين السياسيين( باستثناء الإخوان المسلمين) ومع الحريات الاعلامية، وربما يضاف الى ما سبق عامل آخر وهو ضغط الظروف الاقتصادية والأزمة الاجتماعية، بمالا يسمح بأي احتقان إضافي.
24 ايار, 2010
الكتابات التي لا تضر ولا تنفع تثير الاستفزاز!
الكتابات التي لا تضر ولا تنفع تثير الاستفزاز!محمود الريماوي قاص وروائي وكاتب سياسي. عمل في الصحافة في بيروت والكويت وعمّان ( كاتباً يوميا ًفي "الرأي" لعشرين عاماً ورئيس تحرير "السجل" حتى مطلع تموز 2009). صدرت له عشر مجموعات قصصية، وكتاباعشر مجموعات قصصية وكتبا نصوص نصوص ورواية. فاز بجائزة فلسطين للقصة القصيرة التي ترأس لجنة التحكيم فيها الشاعر محمود درويش في العام 1997 عن مجموعته "القطار". متفرغ للكتابة. * ماذا تقرأ حالياً؟كتاب "اسطنبول" للروائي التركي اورهان باموق. الكتاب سيرة للمدينة وسيرة ذاتية للمؤلف في آن واحد. ويحفل بالملاحظات الغنية والمرئيات الفاتنة.* هل تشاهد السينما والمسرح؟.نعم. وإن كانت السينما تشدني أكثر، ضجيج المسرح وعتمته وعدم وضوح الصوت في العديد من العروض يتعب أعصابي. أدرك أن العمل المسرحي أكثر نبلاً ويكشف مواهب أصحابه من مخرج وممثلين ومؤلف، بأكثر مما يفعل العمل السينمائي الذي يخضع للمونتاج والمؤثرات الصوتية.على أن متابعة الأفلام باتت تتم في البيت على التلفزيون او الكمبيوتر. شاهدت مؤخرا فيلم "يد الهية" لايليا سليمان.* ما الذي يشدك الى المحطات الفضائية؟حاجتي للابتعاد عن الكمبيوتر هي ما تشدني الى التلفزيون. أرغب في رؤية أفلام او برامج وثائقية عن حياة الشعوب ومظاهر الطبيعة.من القنوات الناطقة بالعربية اشاهد بي بي سي. الجزيرة الوثائقية وتلفزيون كوريا الجنوبية.* ماذا تكتب هذه الأيام؟.رواية تدور أحداثها في بلد غير عربي. أرجو أن انجح في استكمالها.* ما الذي أثار استفزازك مؤخرا؟يستفزني دائما غياب النخب الاردنية عن تناول القضايا الاجتماعية بمنظور عصري.* حالة ثقافية لم ترق لك؟الكتابات المتكررة التي لا تضر ولا تنفع.* حالة أو موقف أعجبك؟ترجمة ثمانين قصة لأربعين قاصاً أردنياً الى اللغة الانجليزية، في كتاب صدر مؤخراً في نيويورك للمترجمة المصرية أمنية أمين ،التي سبق ان اقامت في الاردن وعملت في جامعة فيلادلفيا وإن غاب عن الكتاب اسم او اكثر كان يستحق الترجمة له. * ما آخرنشاط ابداعي حضرته؟حفل اشتمل على أغاني راب لشبان اردنيين وفقرات مسرحية وتعبيرية، نظمه مركز حرية وحماية الصحفيين في مركز الحسين الثقافي. * ما هي انشغالاتك الاجتماعية؟.تشغل تفكيري قضية العنف الاجتماعي التي طفت الى السطح في السنوات الأخيرة، وبدأت بالاعتداءات على معلمين واطباء وموقوفين، وتطورت الى مشاجرات جماعية وتحدٍ للدولة..* فرصة ثمينة ضاعت منك؟الإقامة لبعض الوقت في الغرب. كانت الفرصة متاحة في أواسط السبعينات.* ما الذي يشغل بالك مستقبلاً؟استعادة الاراضي العربية المحتلة ووقف تخلفنا مجتمعات وأنظمة.* هل لديك انشغالات وجودية؟نعم بلا انقطاع. بالموت الذي يتربص بكل الكائنات الحية والذي يجعل الحياة مجرد زيارة عابرة تقصر او تطول قليلاً.. * ما الذي ينقص الثقافة العربية ؟ينقصها ممارسة الحق في النقد الفكري، وتنقصها الحريات العامة والفردية التي تتنافس المجتمعات والأنظمة على سلبها، مع الأخذ في الاعتبار أن المجتمعات أشد قمعاً على أفرادها من الأنظمة. وأوضح دليل هو الانتشاء الذكوري العظيم باستعباد النساء، والتغني الضمني أو العلني بهذا "الإنجاز". ما من أمة نهضت وتقدمت في عصرنا إلا بالاعتراف التام بالكينونة الذاتية المستقلة للمرأة الإنسان. * ما الذي ينقص الاردن على الصعيد الثقافي؟ما تقدم ذكره، إضافة الى غياب المعاييرالموضوعية وإغفال الحاجة الى التراكم في الانتاج والبناء على ما سبق.عن "الدستور" الأردنية 14 حزيران يونيو 2010الصفحة الثقافية - زاوية "انشغالات" التي يشرف عليها الشاعر موسى حوامدة
16 ايار, 2010
طائر النوم يرفرف أمام عينيه
طائر النوم يُرفرف أمام عينيه محمود الريماوي · تخرجُ ببطء ومشقة من النوم الدافىء الى مغامرة النهار: اجتراح اليقظة لا يقل شأناً عن فتنة النوم. · النائمون في القطارات والطائرات والمسارح،هانئون. غيابهم أكثر خفة من حضورهم الخفيف..· اولئك الذين يفزون خفافاً من الفراش، لكأنهم لم يكونوا أبداً سادرين في نومهم، وكانوا منهمكين في لعبة استغماية فقط.· النوم هو الفسحة الوحيدة التي تجمتع فيها الحياة بالموت. يتحدان بما يكفي لتنحني احتراماً وتسليماً بهذه المعجزة . · يا لهول مشهد بعض النائمين: يبدون على حنقٍ شديد، وهم في حالة أشبه بالبكم الاضطراري. · مضت تلك الأيام أيام السرنمة التي كان فيها نائمون يسيرون في نومهم . حتى النيام تخلوا عن عادة المشي.· هل ينام الطغاة ؟.لا يستقيم ولا يليق أبداً، أن يتفوه طاغية دائب السهر على الشعب والوطن، بعبارة مثل " نِمتُ البارحة".· لا ينام المرء، بل يخضع طائعاً لتنويم.· يمضي الوليد أوقاتاً طويلة في النوم، كيما يتدرب على الاستيقاظ. ثم ينفق ما تبقى من عمره يتدرب على النوم.· كم هي فاتنة، كم هي بريئة كم هي طفلة.. تلك الأم التي تهدهد طفلها في السرير، وتنام قبله.· ينام الولد هانئاً في الصف المدرسي،تلك فائدة كبرى وغير منظورة للمدرسة.· يتعسًر النوم على الرابح كما على الخاسر، هذا دليل آخر على أن الربح والخسارة متساويان.· ما أن يستبد به ضجر (يحدث ذلك غالباً وسط حشد من أناسٍ بعضهم من علية القوم، وفي أجواءَ من جديةٍ بالغة) حتى يسري خدرٌ في أعطاف بدنه وفي حنايا روحه، ويرفرف طائر النوم أمام عينيه.· يقول لنفسه قبل الإغفاء: هل يجب أن أنام كل ليلة .. كل ليلة. ويُحدث نفسه في الصباح: هل يتعين أن أستيقظ كل نهار.. كل نهار؟ .· النوم والضمير يعملان بصورة متعاكسة.الضمير النائم يستبد به أرق، والضمير اليقظ يسعف صاحبه بالنوم.· يخرج نائمون من نومهم كالذي لم ينم أبداً، رُغم ساعات طوال أنفقوها في النوم. كأنما آلة اليقظة الميكانيكية هي التي تتعطل فقط لديهم حين ينامون .· "نم قليلاً وأحلم كثيراً"،عبارة لغوية جذابة لكنها أغلوطة .· من يتحسرون على أوقات يبددونها في النوم يستحقون الحذر منهم. إنهم أساطين النهب، نهب كل شيء بما في ذلك الوقت.· النوم جثة النسيان غير المحنطة...فمن ذا الذي يستذكر ليلة نومه قبل شهرين أسبوعين يومين، وربما الليلة الفائتة؟.· السهارى أكثر حرصاً على النوم، يسهرون طويلاً وجيداً لا لشيء، إلا كي يناموا جيداً.· أنت لا تحتاج الى النوم،النوم هو الذي يحتاجُك ويجتاحُك.· النوم مكافأة الحي اليقظان ومصيدة الخلود..
07 ايار, 2010
"رغبات ذلك الخريف": مجتمع يبحث عن روحه
"رغبات ذلك الخريف": مجتمع يبحث عن "روحه"محمود الريماويفي الصفحة 179 من الرواية الجديدة لليلى الاطرش "رغبات ذلك الخريف" تصف الكاتبة مرةً بلسان الراوي "العليم " ومرة بلسان البطل غيث موسم تساقط أوراق الشجر المسمى "فول" التساقط حيث تصير المدينة الأميركية ايوا التي يحل فيها للبطل للدراسة الجامعية العليا " لوحة جميلة رسمها الخالق. تمر فرشاة الخالق على الأشجار فتلونها بسحر الأصفر والأحمر والبني والبرتقالي".البطل الشاب في تلك الأثناء مفعم بالأمل وبروح وثابة. يلتقي زميلته في الدراسة هبة التي سبقته الى هناك وكانا تواعدا على إكمال دراستهما والزواج بعدئذ وبمعرفة الأهل، وتسير أمورهما هناك سيراً حسنا ولكن الى حين. زميلته هذه مع خالٍ لها مقيم هناك منذ أربعة عقود، ييسرا له سُبل الالتحاق بالجامعة والسكن وحل مشكلات الإقامة في بلد جديد. غيث ليس بطلا ًمطلقا في الرواية، التي تقوم على التعددية والتناظر بين جملة شخوص يعيشون ظروفاً متباينة في عمان وانطلاقا ًمنها وعودة اليها من بلدان أخرى، وتحركهم دوافع مختلفة وتقوم بينهم صلات القربى والزمالة والجيرة، ويتعرضون جميعا لامتحان واحد في خريف آخر في عمان. ليس هناك وصف في الرواية للخريف العماني حيث "الحجر يطغى على الشجر" في المدينة. مصائر الشخصيات على عتبة ذلك الحدث، تجمع بين ما تنبىء به رغبات شخصية، ووعود جمالية وذهبية للخريف( استناداً الى فيروز والرحابنة في ذهب أيلول..أوراق الشجر الذهبية) وبين الترقب والقلق أمام تحولات على وشك الوقوع، فإذا بها تقع في اتجاه آخر. خلا ذلك الذهاب الى المجاز الذي منح الرواية عنوانها، والذي لا يفيض عن الاستعارة ولا يبلغ مبلغ الرمز، فإن الرواية ( 320 صفحة من القطع المتوسط) تقوم على تسمية الأشياء بأسمائها: غالبية الشخصيات والأماكن والتواريخ. وعليه وإذ تتخذ الرواية من عمان مسرحاً لها، فإن المؤلفة ترصد التبدلات التي عاشتها المدينة وأهلها في السنوات الخمس الأولى من الألفية الثالثة، منظوراً اليها عبر تقلبات حياة جملة شخوص وعائلات. تبدأ الرواية برحلة الشاب غيث الى مطار الملكة علياء متجهاً الى الولايات المتحدة للدراسة بصحبة مودعيه: أمه وعمته وأبيه "الاشتراكي" .في المطار يتعرف الى الشاب موسى المتجه الى باريس للعمل في صالون تجميل. يفترقان لكنهما لا يلبثا أن يلتقيا في مشروع عقاري بعيدا ًعن تخصص ومهنة كل منهما. عائلة أحمد ونوال من قاطني مخيم الحسين. الشاب الذي لم يكمل تعليمه يكدح لتحسين مستواه الثقافي والمهني، ليتمكن من العمل نادلاً في فندق خمسة نجوم. شقيقته نوال تعمل في صالون تجميل في عبدون، تتزوج ووتطلق بعد سنة واحدة لسوء معاملة زوجها الذي يدعي التدين. طليقها شقيق الشاب موسى. في مكان عملها تزاملها خديجة السودانية التي حلت في عمان بصحبة زوجها عثمان لغايات الحصول على تخصيب صناعي.أحمد يتعرف عبر الشات على الشابة لطيفة وهو اسم مستعار لرجاء التي تنتسب لعائلة الطيراوي وسبق للعائلة أن اقامت في السلط بعد نكبة العام 1948، وكانت العائلة تستقبل من قبل اشخاصا ًمن السلط يفرون من العسف العثماني. تغادر العائلة الى الكويت ولا تلبث في العام 1991 بعد احتلال الكويت أن تعود لمنزل ابتنته في الكمالية على مشارف السلط. رجاء ابنة احدى البنات محاسن، وقد تلقت رجاء تعليمها في الجامعة الأميركية في القاهرة وعملت في شركة لوالدها اسسها بعد عودته الى عمان. وتغادر الى بيروت لحضور مؤتمر وترتبط هناك بعلاقة حب مع رجل اعمال لبناني زياد البستاني وتعمل في شركته خلافاً لرغبة ودون موافقة العائلة. لم يرغب زياد في بادى ء الأمر بتتويج علاقته بالزواج ثم يميل الى هذا الخيار لاحقاً بعد عودة رجاء الى عمان. وقبل ذلك تواجه رجاء مشكلة طلاق أمها وأبيها بعد أن عمد الأخير للزواج (زواج ثانٍ)من سكرتيرته عطاف.يسري اثر التحولات الاجتماعية شيئا فشيئا على مصائر الاشخاص.الشاب غيث يستهويه عالم الفرص في أميركا ويترك دراسته متفرغاً لترميم وشراء وبيع العقارات متشاركاً مع رفيق السفر موسى الذي يتزوج من سيدة فرنسية يعمل لديها وتمده بالدعم للقيام بهذه المشاريع الاستثمارية الى جانب عمله. لكنه يتزوج من زميلته هبة التي باتت طبيبة.أحمد يتدين بعد أن باتت بيئة المخيم والنادي متدينة. يتخلى عن أحد عملين له، ويدعو شقيقته للزواج من أحد رفاقة الصالحين وترفض العرض( مهدية .. لا أريد لأحد أن يهديني).حتى أنها لا تجد دافعاً قوياً للذهاب الى دروس داعية ( إذا كانت الداعية صادقة لتجعل زوجها يفك احتكاره للسكر.. دخل سنة من مدرستها يكفينا طول العمر).الشابة السودانية تفشل في اقناع زوجها بتخصيب صناعي، وكان حضر الى عمان لهذا الغرض،ثم يقرر الذهاب الى بغداد في العام 2005 للعمل هناك سائقا لأسرة عراقية تعرف اليها في عمان.والد رجاء يصاب بالسرطان بعد أن ماتت زوجته الثانية الشابة عطاف. وفيما يسعى الجميع لتدبير حياتهم بأقل الخسائر، وبلوغ ما يمكن من بلوغه من طموحات، إذا بانفجارات الفنادق في عمان تلقي بظلالها الثقيلة عليهم.يشكل الحدث المأساوي تحدياً جماعياً. أحمد يعمل في احدى الفنادق المستهدفة، وبينما كان يعتقد ان سقوط مدنيين في العراق هو ثمن طبيعي للمقاومة، فقد كاد هو يذهب ضحية للتفجيرات وقد ساءه أن المستهدفين هم مسلمون والفاعلون مسلمون. اللبناني زياد البستاني حل في أحد الفنادق التي هددت وكان ينتظر رجاء وقد حضر لغاية التقدم للاقتران بها. غيث وصديقه موسى تواعدا على اللقاء في أحد الفنادق التي هددت لاتمام صفقة مشتركة بينهما. أما السوداني عثمان فكان قادماً الى احد الفنادق على موعد مع شخص عراقي، ليتم اتفاقه معه بشأن العمل سائقاً عند الأسرة في بغداد.لم يقع أحد من هؤلاء ضحية التفجيرات المأساوية الشهيرة في ثلاثة فنادق.لكنهم وقعوا ضحية الصدمة المروعة. وبدت رغباتهم المشروعة في ذلك الخريف مهددة وهم مهددون بفعل قوة عمياء تدعي أنها تملك حلولاً لكل المعضلات.ليست رواية ليلى الأطرش مسيسة رغم أن حدثا ً"سياسياً" كاد يودي بحياة نسبة كبيرة من أبطالها.فهؤلاء يبحثون عن فرص لتحقيق رغباتهم والارتقاء بحياتهم ،والموازنة بين قيود مجتمع محافظ ما فتىء يزداد محافظة، وبين تطلعات شخصية بريئة في إطار حياة مدنية في المدينة. لا ينشطون سياسياً باستثناء أحمد الذي ينخرط جزئيا ًودعوياً مع إحدى جماعات الإسلام السياسي.علاوة على هذه الرؤى التي تنبض بها الرواية، فهناك شخصيات ثانوية برعت المؤلفة في رسمها. عمة غيث المعلمة التي استشهد عريسها ليلة زفافها وترفض الزواج من بعده، وكانت اختارته رغم أنه ينتمي لدين آخر وبالضد من رغبة أهلها،( هناك شخصيتان أخريان تزوجتا بإرادتهما الحرة: رجاء وأمها محاسن) مما اضطر الأسرة للجلوة. لم يحدث ذلك في أيام الناس هذه، بل قبل عقود من الزمن. وبعد أن تشتبك مع أهلها فإنها تشتبك ثانية مع أهل العريس الذين لم يحتسبوها زوجة لابنهم ولا يحق لها أن تنال نصيبها من الميراث. ولما كان طيفه لا يفارقها فقد رأت صورته ذات يوم في عامل نظافة يتردد عليهم.. تحنو عليه بالمال والطعام، فتكون النتيجة أن تنشأ علاقة بينه وبين عاملة المنزل الأندونيسية وتحمل هذه منه!.هناك أيضاً شخصية أبو محمود العامل المكتهل والمنضوي سابقاً في حزب يساري، والذي يتصدى لأولئك الذين يُبسطون الأمور وخاصة احمد ابن صديقه المرحوم، ويصنفونها بين أبيض وأسود ويدعون امتلاك الحلول لكل شيء. وهناك قبل ذلك وبعده تعاقب أطوار الحياة وضغوطها على بلد تنعكس عليه مباشرة أحداث العالم، وعلى مجتمع يراوح بين المحافظة والزحف نحو المال والتشبث بالطابع المديني، ولعلها ليست مفارقة أن نساء الرواية( هبة، محاسن، رجاء والعمة) ينجحن في تحقيق ذواتهن بأفضل مما يجترح الرجال ذلك.
27 نيسان, 2010
مزيد من التعمية
مزيد من التعمية محمود الريماوي بدا انعقاد مؤتمر الأمن النووي الأول في واشنطن، خطوة نوعية في الاعتراف بالمخاطر النووية التي تهدد كوكبنا ، وقد جاء انعقاده في اعقاب تحركات روسية اميركية جديدة لتخفيض مستوى الترسانتين النوويتين الأكبر في عالمنا.وكان الرئيس اوباما اعلن في مستهل عهده انه عازم على المضي في بناء عالم بلا اسلحة نووية وهو الحلم الذي يراود البشرية، ولم يكن اعلان الرئيس المتربع حديثا في البيت الابيض آنذاك بغريب على نزعنه التحررية ذات الافق الانساني التي تبدت في اثناء حملته الانتخابية.انعقد المؤتمر في اجواء شبه احتفالية مفعمة بالآمال الكبيرة والوعود الكبرى التي تبحث عن فرصة للتحقق.وحظي المؤتمر قياساً الى طبيعته بمشاركة واسعة ضمت ممثلي 47 دولة، عدد كبير منها لا يمتلك أسلحة أو منشآت نووية وذلك للتدليل على أن حلم إخلاء العالم من أسلحة الدمار الشامل يشمل الجميع، وأن هناك دولاً لا تحوز على هذه الأسلحة وتحظى بالأمن ومهابة الجانب.وبينما تدارس المؤتمر سبل السيطرة على المواد النووية، وأعد برنامجاً طموحاً لذلك حظي بموافقة عامة،الا ان المؤتمر رغم طموحاته المعلنة لم يبرأ من تسييس مسألة الأمن والسلم الدوليين. فقد غلبت على المؤتمر قضية راهنة تتعلق بالملف النووي الايراني والسعي لفرض عقوبات مشددة على هذا البلد. وبالنظر للتطورات التي لا تتوقف على هذا الملف فإنه يستحق البحث حقاً.غير ان تداوله تم في اطار سياسي وليس من منظور امني استراتيجي شامل ومتوازن.لم تدع طهران للمؤتمر لا هي ولا بيونغ يانغ لسماع وجهات نظر ممثليهما وكي يسمع هؤلاء ملاحظات دول العالم.على خلاف ذلك دعيت تل ابيب وشاركت بوفد منخفض على مستوى وزاري بعدما كانت اعلنت انها ستشارك على مستوى عال. تخفيض مستوى المشاركة تم كما قالوا تفاديا ل"حرف المؤتمر عن مساره" اما الحرف المقصود فهو ما انطوت عليه تصريحات تركية لرئيس الوزراء رجب طيب اردوغان في باريس بان انقرة تعتزم طرح الملف النووي الاسرائيلي على مؤتمر واشنطن.خبراء أتراك ومصريون أومأوا الى ذلك في مؤتمر عقد في القاهرة قبل أسبوع من عقد مؤتمر واشنطن.غير ان اعمال المؤتمر لم تنبىء بشيء من ذلك.جرت التعمية مجددا على الملف الاسرائيلي وهو ما اثار بهجة وزير الاستخبارات دان مريدور رئيس وفد حكومته الذي وصف المؤتمر بأنه "جرى في أجواء طيبة ولم يتطرق احد لذكرنا". مصادر متطابقة تقدر ما تمتلكه تل ابيب من رؤوس نووية بين 200 و300 رأس نووي حربي.أضافة الى اسلحة نووية تكتيكية مثل الالغام والقذائف، مع قدرة مقاتلات إف 16 الاميركية التي تنفرد تل ابيب بامتلاكها على التزود بصواريخ نووية وكذلك الحال مع بعض الغواصات التي تمتلكها.يعود المشروع النووي الاسرائيلي الى بداية خمسينات القرن الماضي، وبعد بضعة أعوام على نشوء الدولة الصهيونية على أرض فلسطين وتفرض تل ابيب تكتما حديديا عليه لا تُنكر مع هذا التكتم وجوده.وقد فتحت هذه السابقة سباقا للتسلح النووي شمل الهند وباكستان، مع طموحات ايرانية بالمضي قُدُما في تخصيب اليورانيوم وفي إضفاء غموض على مستقبل هذا الملف. مع ذلك تستثني واشنطن وبقية المعسكر الغربي الملف الاسرائيلي من البحث. وكان الاعتقاد ان فنح الملف النووي الايراني يمثل فرصة لتعزيز التطلع لإخلاء منطقتنا من اسلحة الدمار الشامل ، لكن الذي حدث ويحدث ان التعامل الغربي مع التطورات الايرانية اسهم في المزيد من التعتيم على القدرات النووية الاسرائيلية.مع نشر انطباعات مضللة وبالغة الخطورة بأن تل ابيب هي عضو غير رسمي في نادي الكبار النوويين الذين تضمهم العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهي بالتالي غير مدعوة للتخلص من اسلحتها. وهذا هو المقصود بتسييس مؤتمر واشنطن.الذي وضع الأمن والسلم الدوليين في أسر مصالح سياسية.مع ذلك لم يجد المؤتمر في ختام اعماله الثلاثاء الماضي 14 نيسان الجاري مناصاً من دعوة جميع دول العالم التي لم توقع على اتفاقية حظر الانتشار النووي لعام 1970 للتوقيع عليها وتسهيل مهمات المفتشين الدوليين لوكالة الطاقة الذرية، بما ينسجم مع أدبيات المؤتمر وديباجته. وقد سارعت تل أبيب في اليوم التالي لإصدار تصريح على لسان وزير الحرب باراك أفاد فيه بما انهبما ان تل ابيب لم تنضم لتلك الاتفاقية، فهي ليست ملزمة بإثبات عدم امتلاكها لأسلحة نووية، أو السماح لمفتشين دوليين بدخول منشآتها النووية.بهذا فإن الأمر لا يقتصر على تخفيض مستوى المشاركة في محفل دولي، بل يتركز على التنصل من اتفاقيات ذات طابع أممي ورفض التوقيع عليها او الالتزام بمندرجاتها. وهو موقف لا تقول بمثله كوريا الشمالية أو الهند أو إيران أو باكستان، وذلك في سياق نهج "اسرائيلي" أعم يقوم على إدارة الظهر لما تم التواضع عليه بأنه شرعية دولية أو قانون دولي. ولعل محمد البرادعي المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية والمرشح غير الرسمي لانتخابات الرئاسة في بلاده ،يتطوع لشرح لغز استثناء تل ابيب من الخضوع للمعايير الدولية بما يتعلق بالمنشآت النووية.اما سبب إقصاء الملف الاسرائيلي عن البحث في مؤتمر واشنطن، وتبديد هذه الفرصة في وجود تركيا وأطراف عربية في المؤتمر فهو ما لم تتضح تفاصيله حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
19 نيسان, 2010
عن رفض الحوار مع الجوار
عن رفض الحوار مع الجوار محمود الريماوي الرفض الذي قوبل به اقتراح عمرو موسى في قمة سرت العربية، بخصوص إجراء حوار عربي مع دول الجوار، ما زال يبحث عن معنى له.الحجة الأساسية التي سيقت لرفض الفكرة ذهب أصحابها للتساؤل: على ماذا نتحاور مع ايران وهي تمارس نفوذها في العراق وفلسطين ولبنان ودول أخرى؟.وذهب عن المعترضين أن غياب الحوار على مستوى جماعي او على مستوى الجامعة، لم يحل على امتداد عقد على الأقل دون تحقيق هذا النفوذ. علماً أن نحو عشرين دولة عربية ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع طهران، فكيف تكون العلاقات وتبادل السفارات مع الجمهورية الإسلامية مقبولة، ويكون الحوار معها مرفوضاً؟.في واقع الأمر هناك هو ما اسوأ من التمدد والنفوذ، فايران تحتل أراضٍ عربية( الجزر الإماراتية)، غير أن هذا الأسوأ لا يُملي حُكما وبالضرورة القطيعة، فثمة تاريخ بات يُحتسب بالعقود من المفاوضات العربية المباشرة وغير المباشرة مع دولة العدو الصهيوني، يؤطره الشعار الأكثر تداولاً: السلام خيار استراتيجي. فكيف يصح الحوار والتفاوض هنا ويجري نبذه هناك؟.من الواضح ان دعوة أمين عام الجامعة لم تكن تقتصر على الجوار الايراني بل تشمل التركي ودول افريقية متاخمة لدول عربية. غير ان التركيز تم على دولة واحدة. وكان الأجدى أن يتم تثمين فكرة الحوار من ناحية المبدأ ،وأن توضع آلية ومحددات للحوار العتيد حتى يكون مثمرا ويحقق اهدافاً ومصالح مشتركة، كأن يتم الشروع في حوار مع الجار التركي نزوعا نحو طمأنة مشتركة حول النظرة للعراق وسيادته ووحدة أراضيه والتفاهم على تقسيم المياه مع سوريا والعراق، بدل نبذ الفكرة من أساسها. على أن الحوار قائم عملياً مع تركيا وهناك تفاهمات وثيقة بين كل من أنقرة من جهة ودمشق وعمّان وبيروت، فضلاً عن غالبية العواصم العربية الأخرى مما يجعل التساؤل مشروعا حول معنى رفض إقامة حوار جماعي مع الدولة الجارة.أما الدول الإفريقية مثل تشاد ومالي والسنغال فلا مشكلة في التعامل معها، أو الحد من هذا التعامل حين تقتضي الظروف لدى غالبية المجموعة العربية. والراجح ان الرفض يذهب الى العزوف عن أية مباحثات جماعية، فسائر الأطراف العربية تؤثر صيغة التحرك الثنائي مع دول أخرى في الجوار وغير الجوار، وذلك باستثناء بعض مستويات العلاقات الخليجية مع دول في العالم والتي ينظمها مجلس التعاون. والتاريخ القريب على الأقل للجامعة يشهد انها لم تعد مُرحباً بها لتأطير أي عمل جماعي، باستثناء تنظيم اللقاءات الوزارية الدورية وتنظيم مؤتمرات القمة، أما التحركات الأخرى للأمانة العامة للجامعة فهي غير ملزمة لأي دولة عضو.وهكذا فإن جذر رفض بعض المواقف والمقترحات ومنها الحوار مع دول الجوار، يقوم على نبذ فكرة العمل الجماعي، التي يرى البعض فيها قيداً يحد من حركته حاضراً ومستقبلاً ويلزمه بمواقف لا يرغب أن "تلتصق" به وإن كان لا يعارضها مبدئياً، أو طمساً لأدواره ومساواة "غير مقبولة" بينه وبين من هو "أقل شأناً".في ما مضى كان يتم على نطاق واسع تداول تعبير "العمل العربي المشترك"، ورغم أن التعبير كان ينطوي على مبالغة وعلى محاولة لارضاء الرأي العام واستمالته، بأكثر مما يعكس واقع الحال، الا أنه كان يمثل أحد الطموحات المعلنة والمتفق عليها وإن كانت غير متحققة. الآن بات التعبير جزء من الماضي ومادة للتندر. ومرد ذلك الى تعظيم كل ما هو ذاتي ووطني، والانتقال من ذلك الى ما هو ثنائي مع هذه الدولة أو تلك في العالم العربي او خارجه.غير انه الى ما تقدم يبرز واقع جديد في الإقليم ويتمثل في ان مواقف الدولتين الجارتين الكبيرتين: تركيا وايران، على ما بينهما من اختلاف في السياسات، باتتا تتخذان مواقف اكثر تقدما من "متوسط" المواقف العربية، وبالذات في موضوع الصراع والتسوية مع تل ابيب.وإذا كان الموقف الايراني ستند الى منطلقات ايديولوجية وينزع نحو "الجذرية" التي يتأباها عالم السياسة ، فإن مواقف الجار التركي التي تزداد وضوحا واستقامة،تستند الى علاقات ما زالت قائمة مع الدولة العبرية. دون ان يمنع ذلك انقرة من التحذير من اي اعتداء اسرائيلي جديد على قطاع غزة، او الامعان في تهويد القدس.وصولا الى ما عبر عنه رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان في باريس قبل أيام بأن "اسرائيل باتت تشكل الخطر الأكبر على السلام".كان الطموح في الماضي أن تنضم دول الجوار الى العالم العربي، في الوقوف ضد العدوانية وضد التوسع الاسرائيلي. الآن بات الطموح أن يلتحق العالم العربي بموقف كالموقف التركي ازاء قضية عربية، وليس حيال قضية قومية خاصة بالجار التركي. ربما بالتمعن في هذا الواقع الاقليمي الناشىء، إضافة الى ما تقدم من طرح فكرة العمل الجماعي جانباً، يستطيع المرء أن يدرك المغزى الكامن وراء رفض إدارة حوار جماعي من موقع الصداقة مع انقرة ومن موقع "الجيرة" مع طهران. فيما يتحسن الوزن الاقليمي للدولتين الجارتين بحوار مع العرب أو بدونه.
09 نيسان, 2010
عن رواية "من يؤنس السيدة"
عن رواية "من يؤنس السيدة" محمود الريماوي* وقع اختياري على عجوز بطلة لهذه الرواية، لكوني مشدوداً الى عالم كبار السن. أرى أن الحياة تتمرأى أوضح ما تكون في مرآة الشيخوخة، كما تظهر على أصدق صورة وانعكاس في مرآة الطفولة.السيدة حسيبة البطلة من جيل النكبة ، الجيل الذي تفتحت مداركه على واقعة سلب الأرض والتشريد عن الوطن واللجوء الى الجوار. لقد طال العهد على النكبة وتقدم ذلك الجيل في العمر كما هو حال حسيبة ام يوسف.وقد رغبت أن تكون الشاهدة على الأحداث سيدة لا رجلاً . ونعلم أن النكبات والفظائع تقع بصورة أشد وقعاً على النساء في مجتمعاتنا.علاوة على ما يتوافر لدى النساء من عمق عاطفي ورهافة روحية، لا تتوافر دائماً لدى الرجال الذين يتوافرون على امور أخرى إيجابية وسلبية.اما اختيار سلحفاة كبطلة أخرى، فقد كان مبعثه التأشير على الحياة الفقيرة إنسانياً، التي باتت تخلو من التواصل البشري الاجتماعي، مما يجعل استئناس امرأة وحيدة وأرملة بحيوان زاحف وصغير خياراً واقعياً ضمن منطق الرواية. فضلاً عن المزاج الخاص بهذه السيدة، التي يعوزها الانفتاح السهل والميسور على أصناف شتى من البشر. وهناك الى ما تقدم بخصوص هذا الاختيار قناعة الراوي والكاتب بوحدة الوجود أو الوحدة بين الكائنات الذي بات مفتقداً في المدن. في حياة الريف وبعض جوانب الحياة في الصحراء، لا تنتصب حواجز بين البشر والنباتات والطيور والحيوانات.واتصال البشر وثيق مع الأرض وكل ما عليها ومع السماء والطبيعة. والمفارقة أن أبناء المدن حالياً هم في غالبيتهم من أصول ريفية وبدوية، لكنهم انفصلوا عن جوانب حياتهم السابقة دون أن ينتجوا أو يندمجوا في حياة مد ينية. وكما أزعم فالسلحفاة ليست ذات حضور هامشي أو ضمني في الرواية. وقد تم استنطاقها مرة أو مرتين في مقطعين غير قصيرين. فضلاً عن أنها حاضرة.. تنام وتصحو وتزحف على سطح الرواية وفي ثناياها ،وتحرك بعض أحداثها وتُحفز تداعياتها.تلي ذلك في الرواية حالة اندماج البطلة وعائلتها في المجتمع المحلي، من مخيم الحسين الى علاقة الجيرة المميزة في مدينة الزرقاء، مع سيدة متعلمة وليست عجوزأ. تلك العلاقة تمثل في اجتهادي ومعاينتي، نموذجاً للعلاقات الايجابية الطبيعية بين مكونات المجتمع المختلفة، التي لا تحدها حدود ولا تقف أمامها فوارق، والتي سادت هذا المجتمع لردح طويل من الزمن. وأكثر من ذلك فقد كان الناس البسطاء يتمتعون بحس انساني وديمقراطي راقٍ وإن كان عفوياً، كان بسطاء الناس على قدر من التنور والتمدن بما جعلهم ينبذون بصورة شبه فطرية شتى اشكال التعصب، والنظرة الدونية للمرأة. ويكفي القليل من المقارنة بين هذه المفاهيم التي كان يعتنقها ويمارسها بسطاء الناس، وبين ما نلحظه راهناً من شطحات وممارسات فئوية وضيقة الأ فق لدى شرائح واسعة من المتعلمين والمثقفين، كي ندرك مدى الهناء الذي نرفل به. الى جانب البطلة الرئيسية هناك شخصية الجارة سلوى أم عوني. معلمة سابقة متعلمة في اواخر خمسينات عمرها، لكن حياتها محدودة لاصطدامها بحياة تقليدية من حولها. ليست راضية وليست ثائرة لكنها تتمتع بالذكاء شأن جارتها ولا تتردد في ابداء النقد للمظاهر الاجتماعية السلبية او الراكدة، وهذا هو حال قطاع واسع من هذه الشريحة النسائية. يتم في الرواية إضاءة جوانب من حياة أسرتها وموقع النساء في العائلة وتروي هذه البطلة الاحداث من وجهة نظرها في النصف الثاني من الرواية.هناك استعادة لأحداث سياسية ، ونظرات ذات طابع سياسي في الرواية ، وذلك أمر موضوعي فالاحداث تقوم على خلفية النكبة واللجوء ووحدة الضفتين وهذه تطورات سياسية مفصلية. غير أن الرواية ليست ذات طابع سياسي. فالحياة أوسع من السياسة على اهمية هذه الأخيرة.والرواية أقصر من ان تتناول معالجات سياسية محددة.تبقى إشارة لعلها ذات أهمية وتتعلق بما تتضمنه الرواية من تباسط ومن تراسُل ساخرين بين البطلة الأولى ، وكل من السلحفاة والبطلة الثانية. تقوم السخرية هنا على رؤية شبه فلسفية، على إدراك حالة العبث والغرابة في الاستئناس بحيوان صامت غريب عن البيئة ويصعب التعامل معه. ثم على محدودية الحياة الاجتماعية وضيق فُرص النساء في اختيار أنماط حياتهن، مما يثير الغيظ والسخرية من الذات والآخرين . وبهذا فإن السخرية تعكس هنا من جهة شقاء العقل وصحوته أمام مظاهر لاعقلانية، ومن جهة ثانية الروح الحيوية والايجابية وقوة الإحساس بالحياة لدى البطلتين، وقد رغب الكاتب أن تنبثق بهجة السرد من بهجة روح الشخصيتين رغم قتامة الأحداث. · مؤلف الرواية الصادرة عن دار فضاءات عمان الأردن، وقد تم اختيارها على القائمة الطويلة لجائزة البوكر.
02 نيسان, 2010
لا تجد من يضع حداً لشرورها
دولة لا تجد من يضع حداً لشرورها محمود الريماوي هل يذهب المرء بعيداً بالخلوص أن الصراع العربي الاسرائيلي وما يحف به، يمثل عنصر اختلال في موازين السياسية الدولية ، ومصدر تهديد للسلم العالمي؟.لينظر المرء نظرة سريعة الى أحداث الاسابيع القليلة الماضية: دولة في الشرق الاوسط تغتال شخصاً في دولة شرق أوسطية أخرى وتقوم بتزوير جوازات تابعةلعدة دول غربية. في ظروف عادية يتم قطع العلاقات او سحب السفراء مع هذه الدولة المعتدية.ل كن مسؤوليها يبدون زهواً مفرطاً لما يتوفرون عليه من مهارات في ارتكاب جرائم عابرة للحدود.الولايات المتحدة معها دول الاتحاد الاوروبي والصين وروسيا وبقية دول العالم تدين الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، مع ذلك يقف العالم عاجزاً عن فعل شيء لوقف ما هو موضع إدانة.معهد زغبي الأميركي للاستطلاعات يفيد في استطلاع أجراه مؤخراً أن 81 بالمئة من الأميركيين يرون أن الصراع العربي الاسرائيلي يضر بالولايات المتحدة، وأن الدولة العظمى مهددة بفقد هيبتها نتيجة عجزها عن التعامل وفق سياسة معتدلة مع هذا الصراع. لا تمثل هذه النتائج انقلاباً لدى الرأي العام الأميركي، فما زال هناك 65 بالمائة من الأميركيين يناصرون الدولة العبرية.غير أنه من الواضح أن الفجور الاسرائيلي بات مصدر حرج متزايد لأصدقاء تل أبيب، ففي المملكة المتحدة الراعية التاريخية لنشأة الكيان الصهيوني، تصدر مذكرات توقيف بحق مسؤولين "اسرائيليين" ويتم طرد دبلوماسي "اسرائيلي" عُلِم أنه عضو في الموساد. مواقف تنم عن الضيق البالغ ، لكن هذا التبرم الشديد لا يذهب الى مداه الطبيعي. لا عقوبات، لا طرد او استدعاء سفير من تل أبيب،لا ضغوطات اقتصادية وكما هو الحال في الأزمات التي تقع بين الدول.ثمة جرثومة تتسلل الى الجسم السياسي والإعلامي الغربي تحول دون وقوع تفاعلات طبيعية.أوباما يحقق نصراً داخلياً باعتماد التأمين الصحي ل95 بالمئة من الاميركيين ويهزم أصحاب المصالح ومع ذلك يعجز حتى عن تظهير خلافه مع بيبي نتنياهو ، والأخير يحاربه بسلاح الكذب من قبيل القول إن البناء في القدس مثل البناء في تل أبيب، وقد ارتفع صوت للحزب الشيوعي الاسرائيلي شبه الهامشي الأسبوع الماضي قائلاً، إن البناء في القدس هو مثل البناء في رام الله وبيت لحم وكل أرض محتلة.يستند العرب في خطاباتهم وتحركاتهم الى المجتمع الدولي.حسناً ولكن هذا المجتمع لن يكون عربياً، ولا يؤرقه أن ينتزع الحقوق ويعيدها الى أصحابها. الارتخاء يعقد الأزمة ويقوم بترحيلها من جيل الى جيل.على العرب إذا كانوا معنيين بدوام وحسن علاقاتهم مع المجتمع الدولي، أن يبقوا الأزمة عند مستوى ساخن على نحو يدفع الآخرين دفعاً للتدخل، حتى لا يبدو المجتمع الدولي وكأنه يحمل راية العرب، فيما العرب يرددون أناشيد محفوظة عن مبادىء العدالة والشرعية، وبما يتيح لدهاقنة تل أبيب القول إن هذه الدولة أو تلك منحازة للعرب.أبعد من ذلك فإن التسخين يسهم في حل أزمة التردد والمراوحة الممتزجة بالضيق لدى المجتمع الدولي، بما يتعلق بالصلافة الاسرائيلية التي لا تقف عند حد، والتي بلغت في أطوارها الأخيرة محاولة توريط دول عديدة في ارتكاب جريمة ارهابية مع العبث بجوارزات السفر، وهي الوثيقة الدولية التي تحفظ أمن الأفراد وكرامتهم كما كرامة الدول وأمنها، وحتى اختراق المجال الجوي لدولة أوروبية وبدون سابق إنذار هي هنغاريا، والكذب بشأن هذا الاختراق وتصويره على أنه متفق عليه. ثم الامناع عن استقبال أرفع مسؤول دولي هو الأمين العام للأمم المتحدة ،في رسالة واضحة يفهم منها أن احترام الشرعية وأحكام القانون الدولي، التي يمثلها بان كي مون هي آخر ما يشغل الحاكمين في تل أبيب. وخلافاً للتدخلات ومحاولات الاختراق، التي كانت تتم في زمن الحرب الباردة للتسلل الى هذه الدولة أو تلك من الدول المؤتلفة مع المعسكر الآخر، فإن الدولة العبرية لا تتورع عن توريط واستباحة دول صديقة لها، وهذه من بعض مآثر الدولة المارقة ذات النشأة غير الطبيعية.والحال أن التهاون العربي يبث رسائل بأن الوقوف في وجه الشذوذ السياسي "الاسرائيلي" متعذر، فإذا كان الضحايا والمتضررون بصورة مباشرة ودائمة من الأذى "الاسرائيلي" يجنحون للسلامة بأي ثمن، ويتوسلون للدولة المارقة أن تحد من منسوب أذاها، فكيف ستكون تبعاً لذلك مواقف بقية الدول البعيدة عن التأثر المباشر بمجريات الصراع.؟.قد يراهن البعض على استفزازات تل ابيب لأصدقائها وحلفائها، بحيث تتطور ردود فعل هؤلاء الى مناوأة واجراءات عقابية.غير ان التباعد العربي عن التأثير في مجرى هذه التطورات لا يفيد. وسيجعل التفاعلات بين تل ابيب ودول العالم، محكومة بأولويات الآخرين وحساباتهم ومصالحهم.ولا يكفي ان تقول القمة العربية كلاما صائبا، فالمهم هو السياسات الفعلية التي تتخذ ويتم العمل بمقتضاها، وما إذا كانت هذه السياسات محكومة بمصلحة الامن الجماعي العربي ام بمصالح ثنائية فحسب. وما إذا كان سيتم استثمار صورة الدولة الشريرة التي تحيط بدولة الاحتلال أم سيتم ايكال استعادة الحقوق العربية للمجتمع الدولي. تلك هي بعض الأسئلة التي ينطق بها الحال السياسي الراهن.