24 آب, 2008
عيد السمك
عيد السمك محمود الريماوي*وصف أحد الكتاب التونسيين البارزين (الصافي سعيد) بلاده بأنها لا تشكو من مشكلات حادة. الأمر هو كذلك.فقبل نحو أسبوعين كان التونسيون يحتفلون بعيد السمك في منطقة حلق الوادي قرب العاصمة تونس وسط عدد هائل من الجمهور، وعلى مقربة منهم كانت فرق شعبية تحيي حفلات مسائية للجمهور، وذلك كجزء من خدمات المجلس البلدي.وغير بعيد عن هؤلاء كانت فرق شبابية تحيي حفلة اخرى، أمام المسرح البلدي في الشارع الطويل ( نهج بورقيبة) الذي حظر فيه مرور العربات.كان الظن بأن أهل مصر ولبنان هم أكثر الشعوب العربية إقبالاً على الحياة. التونسيون وبعد المعاينة القريبة يبزون أقرانهم في المشرق.أعداد هائلة من الجمهور تبارح البيوت في أمسيات الصيف ،وتسهر حتى مطلع الفجر في المطاعم والباحات والمقاهي. الأرصفة العريضة التي يزيد عرضها على عشرة أمتار ،تغص بالمقاهي التي ترتادها العائلات بما في ذلك الشرائح المحافظة ،وأفراد من سن العشرين الى الثمانين عاماً.خلال ذلك لا يسمع الزائر زعيقاً ولا مشادات ولا يشهد عركات، رغم أن مزاج التونسيين عموماً ليس بارداً.غير أن ثقافة احترام الآخر سائدة ومرعية، أياً كانت هيئته أو زيه أو عمره أو جنسه، وعلى مدار الساعة في الليل أو النهار على السواء.سمع كاتب هذه السطور نادلاً في مقهى يشكو من محاباة القانون عندهم للمرأة ، لدرجة أنه تزوج من مغربية لا من بنت من بنات جلدته .غير أن المتحدث وعلى افتراض صحة كلامه وهو غير صحيح، يغفل المحاباة التاريخية وعلى مدى الدهر للرجل، والتي تجعل أية محاباة ناشئة ومزعومة لصالح المرأة،مجرد تعديل طفيف على سياق تاريخي صلد.يمنع القانون التونسي تعدد الزوجات.في رأي مثقفة تونسية أن ذلك ينسجم مع مقاصد الشريعة : «ولن تعدلوا..» ولا يخالفها. الإناث أكبر عدداً من الذكور على مقاعد الدراسة، غير أن حجم عمالة النساء هو نحو ثلث حجم مشاركة الرجل. هناك مظاهر من التحرر الزائد في الأزياء، يفسره مثقف تونسي بمجاورة الأوروبيين جغرافياً والتدفق السياحي الى هذا البلد.لكن أكبر عدد من السائحين هو لأبناء البلدأانفسهم (تعداد التونسيين عشرة ملايين) وعدد سكان العاصمة أقل من مليونين.لا يطيقون البقاء بين جدران البيوت في اشهر الصيف، فيتدفقون على الشوارع والشواطىء والمهرجانات الصغيرة منها والكبيرة بأزياء رياضية، لا تلقى تشنيعاً أو حتى التفاتاً من أي أحد.يتعلق التونسيون بوطنهم ونمط حياتهم، ويحتفلون بالغريب ويرسلون للمشرق العربي نظرة رومانسية تنم عن احترام وفضول شديدين. يشترطون على سائق المركبة أن يكون سجله العدلي نظيفاً تماماً، وذلك لما ينقله من صورة الى الغير عن البلد.هناك حرارة عالية نسبياً ورطوبة في الأجواء،يسهل تجاوزها في الأماكن المكيفة وفي نمط الحياة اللطيف المنشرح حتى يخال المرء نفسه خارج العالم العربي السعيد.* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
18 آب, 2008
لا بد منه وقد فعلها
لا بد منه.. لقد فعلها محمود الريماوي* "عِـمِـي مساء، واتركيني الآن كي أخلو إلى الموت و..نفسي"محمود درويش دأب ابن قرية البروة الفلسطينية على محاورة الموت: مداعبته والهزء به وتحدّيه والاعتراف بسلطانه. وواصل في الآن نفسه احتفاله بالحياة: على هذه الأرض ما يستحق الحياة. بين هذين الحدين، وفي هذا البرزخ، عاش الشاعر العقد الأخير من حياته في عمّان، وكتب قصائده ونصوصه، وخاض تأملاته وحيداً في شقته النظيفة.بغيابه يفقد محبّوه الكثُر سبباً من أسباب الاحتفال بالحياة، على خلاف منطوق قصيدته الشهيرة المحكمة. لقد أشاع الإحساسَ القوي بالجمال عبر مئات النصوص الخارقة: جمال الوطن وأرض البشر والطبيعة وعموم الكائنات. بغيابه ينطفئ مصدر للإشعاع، ويبدو الموت بارداً: قاتل يؤدي مهمته ببرود مطلق واحتراف تام، يتربص بسائر الكائنات وينتقي ضحاياه بالقرعة السرية، ويفاجئ الأحياء في كل مرة يضرب فيها ضربته."لقد فعلها.. وقد يمنعني من الخلوّ إلى نفسي كما أحب". محمود الساخر بوسعه أن يقولها الآن في غيبوبته الوردية قبل العودة إلى تراب أحمر. لن يتيسر لأحد من أصدقائه سماعه يسخر من موته. سوف يُحرمون من تلك المتعة. ذات مرة في استذكار رحيل جوزيف سماحة سمع درويش من كاتب هذه السطور امتداحاً للموتة الهانئة التي غاب فيها سماحة سادراً في نومه. فعقب درويش بأنها ميتة لا بأس بها "إذا كان الموت لا بدّ منه".يبدو أنه لا بد منه يا صديقي. فيعود المرء القهقرى من حيث أتى. وأنت في غيابك الطارئ تعود وقد أضناك السفر وجمال الكوكب وكائناته إلى الموطن الأول للجمال، وقد تلقت الأم حورية منذ أمد طويل اعتذارك المسبق، إذا ما عدتَ إلى حضنها "أخجل من دمع أمي". سوف تزغرد لك، فأنت عريسها، الابن العريس الدائم.نحن الأحياء حتى تاريخه، نخجل من البشاعة المقيمة: بشاعة الغزاة والطغاة، بشاعة الجوع والذعر، وركاكة مناهضة القتلة: "عدوي صامد في النصر، وأنا صامد في الهزيمة"، كما عبّرتَ عن ذلك ساخراً في وقت مبكر.العزاء أن بعض قرائك -بعضهم فقط، وهم ليسوا قلة- سيحتفظون جيداً بوديعتك ويعقدون مواعيد دائمة للتبشير بالجمال ودعوة البشر لاكتشافه، خاصة ذلك الكامن في النفوس وتزدريه الكثرة الكاثرة.. تزدري هذا الكنز، من فرط انغماسها المسعور في التشاطر والنهش وطول الإقامة خارج مملكة البراءة.لك أن تسخر من الموت وتواصل الاختلاء بنفسك. نحن الموتى الأحياء نكاد نفقد قدرتنا على السخرية مما يسوؤنا، ومما لا يستحق حتى اللعنات.لك أن تكتب على هواك قصيدة لا تنتهي، لا يداهم تدفقها وسيولتها ما يعيقها. سوف نحرم من قراءتها. قد لا نكون نستحقها. قصائد درويش الجديدة منذ الآن ليست للنشر. ذلك سبب آخر لافتقادك. أما القصائد المنشورة بلا عدد تقريباً فتبقى مدرسة في الهواء الطلق يتعلم فيها من يشاء مقاومة الظلام، وكيف تشرق النفس بالحب. والكلمة الأخيرة يمقتها أمراء الظلام.* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
11 آب, 2008
قد يكفي التنهد!
قد يكفي التنهد !محمود الريماوي* لا يملك من يقصد بلدا في سفر قصير او طويل ، سوىالمقارنة بين الحال في بلده وبين ما يراه ويلمسه في بلد الزيارة.تحدث المقارنة بصورة تلقائية مع انها تثقل على النفس .وتصبح دواعيها اكبر في السفر القصير الامد .زار كاتب هذه السطور مؤخراً ضمن وفد إعلامي أردني عاصمة اوروبية ، فكانت هذه الحصيلة الموجزة من الانطباعات.ـ المساحات الخضراء تزاحم المباني .وعدد الأشجار بالملاحظة العيانية لا يقل عن عدد البشر ._ يبلغ عدد سكان ذلك البلد عشرة ملايين ، بينهم مليون في العاصمة .ـ لا وجود لرجال الشرطة في الشوارع وأمام البنايات .ـ عدد سيارات التكسي قليل ، وينتظر سائقوها الركاب .ـ خارج قلب العاصمة التجاري الشوارع شبه خالية من الناس، فهؤلاء يتحركون تحت الأرض في تنقلهم السلس والسريع والمنظم عبر شبكة الاندرغرواند .على السطح هناك حافلات انيقة نصف فارغة نصف ممتلئة بالركاب .ـ لا صوت إطلاقا لزمامير العربات .ـ لا أصوات بشرية عالية في اي مكان . الصوت العالي معيب ويخدش راحة الآخرين .ـ هناك بشر من أصول مختلفة بعضها أميركي لاتيني وبعضها إفريقي ، وهؤلاء هم ابناء للبلد .ـيضم المجلس التنفيذي لبلدية العاصمة، أعضاء من مختلف الأصول. نائب الريس من أصل مغربي وهناك أعضاء في المجلس من اصول تركية وسورية واسبانية .ـالناس الذين يحترمون بعضهم احتراماً مطلقا ،يمحضون الاحترام نفسه للأشجار والحمام الذي تتمشى أسرابه على الأرصفة باعتداد بالغ .ـ في العاصمة عشرات المساجد التي يؤمها مؤمنون . ـ تحفل المدينة بأعداد هائلة من المطاعم يرتادها رواد على مدار الساعة من الجنسين . اما البقالات ومحال بيع الخضار فأعداددها قليلة ، وتفسير ذلك ان المطبخ ليس مملكة المرأة هناك فمملكتها عملها وحياتها كند وشريك للرجل .ـ عدد المشردين قليل جدا ووجودهم غير ملحوظ .وأقل منهم المتسولون وحتى هؤلاء يتحدثون بصوت خافت وسرعان ما ينصرفون بغير إلحاح.البلد المقصود هو بلجيكا وعاصمته بروكسيل .لا تتوفر البلد على مواد اولية خام ، باستثناء الغابات ،وتتقن البلد في المقابل تدوير التجارة بالاستيراد وإعادة التصدير .الناس يبدون جميعهم في الشوارع كأبناء طبقة وسطى .لا تبدو عليهم مشاعر السعادة ولا الكآبة . و"يغيظ" الزائر الشرقي أن أحداً رجلا كان أو امرأة لا يلتفت الى الآخر .كل يوجه انظاره الى أمامه فقط : دع الخلق للخالق . التدخين ممنوع في كل مكان مسقوف ، مسموح به في كل مكان مفتوح بما في ذلك في المقاهي والمطاعم على الأرصفة. يمكن للزائر التدخين في غرفته في الفندق ، بعد اختيار غرفة يسمح بها بممارسة هذه الآفة.النهار في الصيف يمتد لما بعد التاسعة والنصف مساء.المقارنة بيننا وبينهم إذا كان هناك من داع لها ، تتحدث عن نفسها بنفسها دونما حاجة لتعليق . قد يكفي التنهد ..*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
05 آب, 2008
مجتمع الكراهية؟
مجتمع الكراهية؟محمود الريماوي*سمع كاتب هذه السطور قبل ايام من مسؤول سابق وصفاً قاسيا لمجتمعنا ،بأنه "مجتمع الكراهية" . لم يفاجأ أحد من الحضور وكان عددهم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة هذا الوصف . لم يعترض أو يصحح أحد .يصعب لا شك قياس وتصنيف العواطف العامة، الشائعة والمتبادلة بين الناس.غير أنه يمكن الاستدلال على ذلك بوسائل متاحة منها : النظرات التي يتبادلها سائقو مركبات لا يعرفون بعضهم بعضاً، لدى توقف مركباتهم امام إشارة حمراء أو لهنيهات على مدخل دوار . وطبيعة الحوار الذي ينشأ بين سائقين لدى وقوع أي احتكاك بين مركبتين.ومنها ما يتبادله رواد مرافق كالمطاعم والمخازن الكبرى وحتى الحدائق العامة على قلة عددها من نظرات ناطقة .ومنها يحمله بعض الشرطيين من تعبيرات على الوجه، لدى استقبال شخص يقصد مركز أمن .ومنها عدد هائل من تعليقات يكتبها متصفحو الانترنت ، خاصة تلك التي تكتب بمفردات عامية ،في التعليق على موضوع ما ينشره موقع ما .في بلاد الغرب يمشي الناس ويصوبون أنظارهم إلى الامام، لا يلتفت أحد منهم الى الآخر مع ما في ذلك من قسوة ، بالتجاهل التام لوجود الكائن الإنساني العابر. عندنا يتبدى الأمر بصورة أشد قسوة ، فهناك نظرات الشزر والضيق من مجرد وجود شخص يجاورنا في المكان ، رغم أنه لا تربطنا به أدنى معرفة .تتفاوت هذه العواطف بين منطقة وأخرى ، بين تجمع سكاني وآخر .كلما ابتعد المرء عن العاصمة وبالذات عن غربها وشمالها ، ثم عن المدن المزدحمة كلما تأنسنت أو تحيدت العواطف .كذلك الحال كلما انخفضت أعمار الناس عن الثلاثين عاماً ..فالراشدون الناضجون أكثر ميلاً لمنح الآخرين ،فيضاً من كراهية دفينة ومجانية لا سبب لها.للأسف هذه انطباعات عيانية لا تسندها استبيانات واستطلاعات رأي .التحولات السلوكية والقيمية في اختلاط شرائح الناس ، لا تحظى بدراسات متخصصة منشورة .الراجح أن شطراً كبيراً من الناس الوافدة الى المدن من الريف والمخيمات والبوادي ، قد هجرت سلوكياتها وعواطفها السابقة ، ولم تتمتع بسلوكيات وذهنية أهل المدن .يتم ملء هذه المنطقة "الفارغة" في النفس ، بمشاعر الحذر والتربص والتشكك في الآخرين من قبيل الدفاع الذاتي ، وتحت ضغط الرغبة في التفوق على الآخر ،حتى لو كان الآخرون جيراناً أو زملاء قدامى في مهنة واحدة.الجموح الاستهلاكي الناشىء عن ثقافة التلفزيون ،ومحاولة التشبه بنمط الحياة الخليجية أو الغربية ، وتذرر العائلات والتحاسد ما بين أفرادها ، وصولاً الى عبادة المال ، تشكل أسباباً أخرى للتقوقع في الذات ، وإقامة مصدات من العداء المسبق للآخر وبث مشاعر التوتر. قد لا يكون دقيقاً أو مبالغاً فيه وصف مجتمعنا بأنه مجتمع الكراهية .على أنه يصعب اعتبار العلاقات التي تسود أفراد مجتمعنا بأنها سوية وخاصة لدى الفئات الأكثر ثقافة وتعلماً ويسر حال.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
26 تموز, 2008
تل أبيب وطهران
تل أبيب وطهرانمحمود الريماوي* يثير إعلان كوريا الشمالية البدء بتفكيك برنامجها النووي مشاعر شتى ومتباينة. فهذا القرار قابل للتفسير على التو بأنها انتصار للتوجه الغربي الأميركي خصوصا، بمنع هذا البلد من بناء أسلحة دمار شامل ، وهو ما حعله يصنف كأحد محاور " الشر " .يثر القرار أيضا تساؤلات قد تكون مصحوبة بالشعور بالصدمة لأن كوريا الشمالية تخلت عن موقف الممانعة ، وعن تعهدات قاطعة سبق ان أطلقتها بتنمية قدراتها العسكرية ، والتعامل مع الغرب من موقع الندية ( سبق أن أسقطت بيونغ يانغ طائرة أميركية أعادتها كقطع خردة مجمعة في حاويات الى بلد المنشأ ..) .غير أن هذه الانطباعات ليست دقيقة تماما. فواقع الأمر أن حلفاء "طبيعيين" لبيونغ يانغ مثل بكين وموسكو ، شاطرت دول أخرى في العالم ضرورة تخلي هذه الدولة عن أسلحتها الفتاكة وهو ما يفسر انضمام الدولتين الكبيرتين إلى اللجنة السداسية التي فاوضت على مدى الأعوام الماضية كوريا الشمالية ، إلى جانب اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية( الشمالية نفسها عضو في اللجنة) .التخلي عن السلاح النووي لا يعني بالضرورة إضعافا للقدرات العسكرية ، فإيران كانت قوية قبل أن تنخرط في برنامج يعلم الله مداه ، وكذلك تركيا غير النووية ودول أخرى في عالمنا .أميركا حاضرة في العراق كدولة محتلة بأسلحتها التقليدية المتطورة لا بأسلحة نووية . وعليه فإن التخلي عن هذا البرنامج لا يشكل بالضرورة انحدارا لقدرات هذه الدولة . وإذا كان صراعها قائما بالدرجة الأولى مع الجار الجنوبي التوأم ، فإن هذه الدولة ليست نووية ، ومن المشكوك فيه إلى درجة بعيدة أن تكون القوات الأميركية المرابطة على أراضي كوريا الجنوبية ذات قدرات نووية .هناك تراجع معنوي وربما اعتبره البعض هزيمة معنوية مؤكدة، للطموحات الكورية الشمالية المعلنة . غير أن المرء يشك أن تكون تلك هي مشاعر ملايين الكوريين بالضبط .فمنذ عقد من الزمن على الأقل يعاني الكوريون الشماليون من أوضاع غذائية صعبة ، اضطرت هذا البلد لقبول مساعدات غذائية من الغرب . والأولى أن تتحرك مشاعر الكرامة القومية في مثل هذا الظرف ، ولا ريب أن منح أولوية لبرامج أسلحة الدمار الشامل قد تم على حساب تأمين برامج تنموية وتلبية حاجات حيوية للمواطنين .فضلا عن العزلة عن العالم فلا يمكن للكوريين السفر الى الخارج حتى إذ سمح لهم بذلك ، مع افتقادهم لوسائل الاتصال الحديثة بقرار من السلطات ثم لضعف قدراتهم الشرائية .لن يشكل التراجع عن الملف النووي خطرا استراتيجيا على بيونغ يانغ ، مع تمتعها بعلاقات وثيقة مع بكين وموسكو ،وهي علاقات قابلة للتطوير بما في لك في مجال التعاون العسكري في حقبة خلو البلاد من أسلحة الدمار الشامل .بل إن هذا التخلي هو ما يسمح للدولتين بتنمية العلاقات في مختلف المجالات مع هذه الدولة . وكانت بينونغ يانغ سلمت الصين حليفتها الرئيسية وثيقة خطها النووية ، بما يعنيه ذلك من أن الدولة الكبرى تشكل الضامنة لسلامة وسيادة كوريا الشمالية .معلوم الآن أن هذا التخلي مرتبط بتقديم سلسلة من المعونات الاقتصادية والتقنية ، يسبقها رفض العقوبات عن هذا البلد .وربما يشكل ذلك مكسباً لكوريا الشمالية من بناء منشآتها النووية ، ثم التخلي عنها بعد مناورات طويلة ، وكان يفترض الإقدام على الخطوة الأخيرة مع نهاية العام الماضي 2007 ! .وكان رئيس وكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي أعلن في ختام العام الماضي أن بيونغ يانغ أغلقت مفاعلها النووي .تمثل هذه الخطوة التي توجت بهدم برج كبير للتبريد أمام ممثلي وسائل الإعلام ، سابقة تضاف إلى سابقة تخلي طرابلس عن خطوات أولية لبناء قدرات نووية .وبوسع من شاء الاستخلاص ان طهران مدعوة للمضي على هذا الطريق .غير أن المرء يشك بصحة هذا الاستخلاص .فإيران ليست دولة فقيرة ككوريا الشمالية .ولا تعاني من عزلة إقليمية كتلك عانتها كوريا الشيوعية .الاستخلاص الصائب هو المضي على طريق نزع أسلحة الدمار الشامل أينما وجدت .إيران من هذه الدول ، والدولة العبرية منها ، كما هو حال الهند وباكستان . إيران من جهتها لا ترفع هذا المطلب الصحيح : إخلاء دول آسيا من هذه الأسلحة ، غير أن تل أبيب تفعل الأمر ذاته وأسوأ منه، إذ تعتبر نفسها عضوا في النادي الدولي الذي يضم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن . أما الهند وباكستان فلا تملكان الممانعة أمام المجتمع الدولي لو ترسخ التوجه نحو جعل المنطقة خالية من الأسلحة الفتاكة . وبهذا فإن طهران وتل أبيب تستثمران كل منهما رفض الطرف الآخر للتخلي عن أسلحته ومنشآته ، من أجل المضي على هذا الطريق .وهناك من يعتبر أن بناء قدرات نووية إيرانية هو السبيل الوحيد لإجبار تل أبيب للانصياع إلى رغبة الأسرة البشرية . هذا الرأي لا يجانبه الصواب تماما.فتوازن الردع والرعب هو ما يسمح في النهاية بالاحتكام إلى العقل واحترام عقول الآخرين .وإذ يجد العرب أنفسهم محشورين بين دولتين نوويتين مستقبلا ، مع ما لذلك من مخاطر ظاهرة ومؤكدة ، فعليهم لوم أنفسهم أولاً، لتبديد أوراق القوة لديهم .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
20 تموز, 2008
القاعدة الاجتماعية أوسع بكثير
القاعدة الاجتماعية أوسع بكثيرمحمود الريماوي*يتردد بين آونة وأخرى تعبير "القاعدة الاجتماعية للنظام " . الأزمات الاقتصادية والتحديات الأمنية هي من المناسبات التي يتم فيها تداول هذا التعبير ، وذلك للتدليل على أهمية حفظ القاعدة الاجتماعية والحرص على توسيعها .التعبير لا يخلو من لبس .فقد جرت العادة ان تتحدث مؤسسات حزبية وأهلية عن قواعد أي عن جمهور لها ، فيقال إن للحزب الفلاني قاعدة واسعة ، أو ان مؤسسة اقتصادية ما تحظى بقاعدة عريضة من المستهلكين .أما قاعدة الدولة او النظام فهي الشعب كله : المواطنون جميعا ، حماة وبناة الوطن معا . وفي بلدان أخرى يتم استخدام تعبير الناخبين أو دافعي الضرائب ، للتدليل على مجموع الناس الذين يشكلون القاعدة الاجتماعية والمادة البشرية للدولة وبالذات من الناشطين والمنتجين .عندنا في الأردن يتم في الغالب، استخدام التعبير للإشارة الى مجموعات بعينها و ربما مناطق بذاتها . ويتساءل المرء عن التسويغ "العلمي" لتشخيص الأمور على هذا النحو . وهناك من تأخذه الحماسة والغلو فيتحدث عن تقلص وحتى تآكل القاعدة الاجتماعية للدولة في بعض المحطات ، وذلك في محاولة للتهويل وفرض أجندة معينة .فيما يتم استبعاد مكونات المجتمع الأخرى عن الاندراج في القاعدة الاجتماعية المفترضة والمزعومة ، فلا يهم.. تقلصت تلك المكونات أم زادت .لعل منبت التعبير المستخدم يعود الى قوى اجتماعية تشكلت منها أنوية جيش الإمارة في عشرينات القرن الماضي، وقوى أخرى بايعت الأمير عبدالله المؤسس. غير أنه منذ ذلك التاريخ ، فقد ضم جيش الإمارة ( الجيش العربي ) مكونات شتى ،وبدأت تتسع باطراد القاعدة الجماهيرية للدولة وتضم سائر المواطنين بمن فيهم المعارضين السياسيين. في زماننا الراهن ، ومنذ بدء مرحلة التحول الديمقراطي فقد خلا المجتمع خلواً شبه تام من راديكايين انقلابيين ، وبات أشد المعارضين تطرفا في مراحل سابقة جزء من نسيج اجتماعي قوي يؤمن ايماناً راسخاً بشرعية الدولة والنظام ويمارس حركه تحت مظلة القانون ، وتلك من مزايا الديمقراطية التي تشيع مناخاً يذوي فيه التطرف.هذه الحالة العامة التي يرتضي فيها الجمهور بشرعية الدولة والتداول السلمي على السلطة التنفيذية ، هي التي تمثل القاعدة الاجتماعية للنظام وتضم سائر العاملين في السلك المدني والعسكري والناخبين ومؤسساتهم التمثيلية ومن منتجين، وسواهم من طلبة وعاملين في قطاعات مختلفة ومن أجيال متعاقبة.القاعدة الاجتماعية للدولة الأردنية أوسع بكثير مما تشي به بعض الكتابات ، وهي ثابتة على العموم وغير متقلبة . درجة الرضى العام عن السياسات الحكومية ، هي القابلة للتقلص أو الاتساع بين مرحلة وأخرى ، وليس من سداد الرأي الخلط بين هذه وتلك .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
12 تموز, 2008
التقاء الأصوليات
التقاء الأصولياتمحمود الريماوي*تجذب تركيا مزيداً من الاهتمام بها في العالم العربي ، ويكتشف العرب الرسميون وغير الرسميين أن تركيا بلد جار وبالغ الأهمية . بلد صناعي وعضو في حلف الاطلسي ، ويقود البلاد حزب ذو جذور إسلامية .على المستوى السياسي ، شهدت أنقرة منذ شهور مفاوضات سورية اسرائيلية غير مباشرة ، برعاية تركيا ، وهي أول مفاوضات بين الجانبين منذ نحو خمسة عشر عاماً . على صعيد آخر هناك الإقبال المتزايد من الناس في غير بلد عربي على زيارة بلد أتاتورك ، وعلى شراء سلعه المنتشرة في الاسواق ، وصولاً الى متابعة مسلسلات تركية (مدبلجة بالعربية ) ، بما يدلل على المكانة التي تحظى بها بلاد الأناضول ، رغم إرث من عدم الرضى على الحقبة العثمانية الطويلة التي امتدت لأربعة قرون .منذ اسابيع تشهد تركيا حراكا داخليا يتمحور حول الموقف من حزب التنمية والعدالة ، صاحب الأغلبية البرلمانية ، والذي يقود السلطة التنفيذية ( رجب طيب أردوغان ) ورئاسة الجمهورية ( عبدالله غل ) . ربما كان وصف الحراك تعبيراً ملطفاً ، فواقع الأمر أن المؤسسة العسكرية والسلطة القضائية تنظران في مشروعية حزب التنمية ، وهناك مخاوف جدية من قرار قضائي قد يصدر بحظر الحزب ، وذلك بعد نقض قرار سابق كان يبيح استخدام الحجاب في الجامعات .ذلك يدلل على ان قوى نافذة ترفع راية العلمانية ، لم تتكيف بعد وربما لم ترتض نتائج الانتخابات النيابية والرئاسية، التي وضعت ممثلي حزب ذي جذور اسلامية على رأس الحكم .يذكر ان هذا الحزب يقر بالدستور التركي الذي ينص على علمانية الجمهورية التركية .وقد شدد اردوغان وعبدالله غل ، غير مرة على التزامهم بالدستور .محاذير هذا الصراع تكمن في أمرين اساسيين . الأول هو الالتفاف على المقتضيات الديمقراطية ، والقيام بما يشبه انقلاب بعد أن ولى زمن الانقلابات العسكرية . بما يشكل خطوة كبيرة الى الوراء ، ويبث رسالة سلبية الى الخارج مفادها ان الديمقراطية قابلة للتراجع عنها والانقلاب عليها .المحذور الثاني يتمثل في التعامل الخاطىء وغير الدستوري مع حزب اسلامي النزعة ،هو حزب التنمية الذي يتمتع في الوقت نفسه بطابع عصري وإصلاحي وليس أدل على ذلك من تمسك قادته بانضمام البلاد الى الاتحاد الاوروبي ، فيما يرفض ذلك بعض القوميين المتشددين ،الذين يدعون العصرية والعلمانية .تركيا سوف تخسر تجربة واعدة وخلاقة يمثلها هذا الحزب ،كما ستلحق الخسارة بالعالم الاسلامي الذي يبحث عن نموذج يصلح لاستلهامه ،بعيداً عن نموذج القاعدة والتكفيريين عموماً ، وعن حزب ولاية الفقيه وما شاكله من تنظيمات .من هذه الزاوية فإن الصراع الدائر يهمنا في العالم العربي ، وسط حالة الضياع وانسداد الآفاق التي نعيش .إذ ان أي استهداف لحزب التنمية والعدالة من طرف علمانية أصولية ، سوف يبهج كل الأصوليين في العالم الاسلامي الذين ينظرون بعين الريبة والتوجس الى حزب أردوغان وعبداله غل في بلاد الأتراك .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
04 تموز, 2008
أمسية المغنية
أمسية المغنيةمحمود الريماوي* المغنية الجميلة تصدح بالغناء في ليل الفندق ، برفقة عازف على الغيتار . صوتها العذب يتناهى إلى مسامعي رغم بعض الضجيج حولي ، حيث كنت أبدد الوقت بصحبة صديق في صالة مجاورة . المغنية شابة في منتصف الثلاثنينات ورفيقها على العزف أكبر سناً منها ، وأول وكل ما يظهر منه هو لحيته الوافرة كشأن الفنانين وغير الفنانين في زماننا. يعزف بتلقائية وبقدر ملحوظ من الاحتراف بل بروتينية ، ويرمق رفيقته بين برهة وأخرى بنظرات من هو مسؤول عنها . نظرات أبوية ومهنية في الوقت نفسه.تغني المغنية عن الحب أو في الحب ، وهو فحوى الأغنيات السائرة هنا وهناك .لقد علمت أنها بولندية ( لم أسأل مدير الصالة عن جنسية رفيقها وقد خمنت أنه من التابعية نفسها ، فهم يأتون من بلدانهم ويتعاقدون مع الفنادق جماعات ) .المغنية التي لم أعرف اسمها تغني بالانجليزية ، لمطربة اسمها بيونسيه أغنية "عيد ميلادي " لجمهور عربي في عمان ، وقد غنت قبل ذلك بالعربية لإليسا ، فاتضح مدى غربتها عن هذه اللغة وإيقاعاتها . الأمر سابق على العولمة . فهذا هو حال فرق فنية تتنقل من قارة إلى أخرى ، وتؤدي خدماتها حيثما تهب رياح الفرص والقبول .كان غناؤها حاراً .تغني كما تخاطب أعز الناس . غناء شخصي داخلي ، هذا هو الانطباع الذي تتركه في نفس سامعها . أما السامعون العشاق أو من مروا بتجربة عشق ، فلهم أن يستحضروا في مثل هذه المناسبة عبر الصوت والإيقاع والكلمات ، ما يشاؤونه من استذكارات حميمة فيتحقق التفاعل المنشود .هذا دأب المغنين وجمهورهم .العجوز حين يسمع سواء كان ثرياً أم لا ، له أن يخاطب نفسه بأن زمن الحب .. حبه وحب أخريات له قد مضى تقريباً ، وأن من المهم في هذه المرحلة ضبط ارتفاع ضغط الدم ، وإحكام إغلاق أبواب البيت قبل الخلود إلى النوم ، وعدم إنفاق النقود كيفما اتفق . ولا بأس خلال ذلك من سماع صوت جميل لمطربة فاتنة قادمة من وراء البحار ، لإنعاش ما يمكن إنعاشه .الشاب حين يحضر.. له أن ينفعل ويصادق على صوابية ما يقال وما يسمعه ، فالحب حلو ولاذع ، والحياة لا تستحق أن تعاش بدونه . لا بأس بالمبالغة في هذا المضمار وبالذات مع وجود شابة مرافقة للشاب ، حينها فإن جدراناً بينهما تتهاوى بفضل الصوت الصداح للمغنية واشتراكهما في الإصغاء للصوت ، وأجمل منه النظرات والمداعبات المتبادلة وكذلك تخصيص المغنية بنظراتها لهما ، مما يملأهما نشوة ورضى وهو ما لا يُنسى بعدئذ .أما حين يتحلق ثلاثة أو أربعة معاً على المنضدة ، فقلما يصغي هؤلاء للغناء . ثرثرة المجتمع الذكوري تأخذهم ، وكل منهم يتفادى الاستغراق في السمع حتى لا يبدو منفصلاً عن رفاقه ، وحتى لا يتكشف شيء من مكنوناته إذا ما تفاعل على سجيته . ومهما يكن فالعبث بأجهزة الموبايلات الشخصية ، والمحادثات المتعمدة والمتزيدة مع النادلات ، كفيل بأن لا يضعهم في منزلة سامعين متذوقين . وهو ما تدربت مغنيات ومغنو الفنادق على توقعه وتحمله .الغناء العذب والرقراق الذي كان يصدر من الصالة المجاورة والمستطيلة لمغنية الفندق ، شد انتباهي وانتباه رفيقي ، حين سادت برهة من الصمت طالت بعض الشيء بيننا .قال صديقي إنهم في فندق الأربعة نجوم حيث كنا ، يتقاضون سعراً أعلى للمشروبات في تلك الصالة وذلك نظير "الخدمة الإضافية" . لكن الفرق بين السعرين ليس كبيراً كما تبين لنا .كانت المطربة الشقراء تقف ببنطلون جينز شورت مثلم ومشلع الحواف ، بساقين مكتنزتين وصلبتين بلون شبه نحاسي ، وببلوزة لم أتبين لونها في الإضاءة الخافتة ، تصدح بأعلى درجات الانسجام ومحياها الصبوح محمر من شدة الانفعال . تغني باستغراق وكذلك باندفاع واستبسال شأن المطربات الشابات الطموحات . لمحتني واقفاً على مدخل الصالة أهز رأسي نصف الأشيب لها ، أحاول الظهور بمظهر أفضل من هيئة شخص فضولي ، وقد خصتني بنظرات طيبة باسمة . أما رفيقها فقد بدا للحق على شيء من التبرم والحنق ، ربما لأنه عزف هذه الأغنية مئات المرات من قبل ، أو لأسباب وجيهة تخصه . كان صوتها يمخر ويندفع في الفضاء (سقف الصالة لم يكن عالياً ..) ويتهادى الصوت كغيمة أحلام وهيام . تتمايل مع اللحن بصورة طفيفة ومحسوبة ، ثم تصدح بملء روحها بجماع طاقة صوتها ، وبتفاني من يؤدي أنبل الواجبات ، ولا يعيقها شيء لا شيء يعيق تقدمها أبداً .. ، بما في ذلك خلو الصالة حيث تغني خلواً تاماً في تلك الأمسية ، من أي أحد من الرواد . *من المجموعة القصصية "رجوع الطائر" الصادرة حديثا للكاتب عن دار فضاءات للنشر في عمان ـ الأردن
29 حزيران, 2008
تحصين إنسانية الإنسان
تحصين إنسانية الإنسان محمود الريماوي * يتصور الإنسان السوي أن الجريمة لا وجود لها . فهو ينفر أشد النفور منها ، لم يقترفها يوماً ولا يفكر بارتكابها ، وغالبا ما يكون وسطه الاجتماعي على شاكلته : نابذاً للجريمة وغريباً عنها ، يقدس الأمن والأمان ، ويمقت العنف .الجريمة تقع في مكان بعيد على أيدي اشخاص لا يعرفهم . في بيئة غريبة يصعب فهمها أحياناً ،وكلما وقعت فوجىء بها ، حتى لو كانت "بسيطة " وتصنف على أنها جنحة أو حتى مخالفة .لا يتعايش السوي على أي وجه مع الجريمة .ومن فرط انقطاعه عنها ، تبدو له مجرد حدث إعلامي تصنعه وسائل الإعلام . او مسلسلاً تلفزيونيا . فيلم سينمائي ، رواية ، قصة قصيرة .وحتى هذه لا يستسيغها دائما .فالأصل هو الامتناع عن العنف والجنوح الى السلم ، حتى لو قتل قابيل هابيل " في فجر الخليقة " .قانون السلم ونبذ العنف هو ناموس مدني.يتصل بالقناعة ان الدولة وحدها تحتكر العنف وتحت مظلة القانون .وأبعد من ذلك فدور الدولة وقائي بمنع وقوع العنف لا معاقبة فاعليه ومخططيه فحسب . والصورة الأكثر قرباً للجريمة هي الإعتداء والإيذاء وصولا الى القتل .الرفض التلقائي للقتل وصعوبة تصديقه ، لا ينم عن روح "مثالية " بقدر ما يمثل تحصيناً لإنسانية الإنسان ، وعاصماً معنوياُ وعاماً من الوقوع في البربرية .من المفارقة أن قتل فرد واحد يثير النقمة أكثر من سواه . لعل السبب يعود إلى أن متلقي الخبر الفرد، يسعه تخيل فداحة الجريمة بالقياس عليه هو، إذ يسهل حينها تصورنفسه في موقع الضحية . كذلك الامر حين يكون القاتل معلوما ، فالنقمة تشتد على الفاعل المعلوم المتعين ، لكنها لا تجد مسرباً لها حين يكون القاتل مجهولاً . تصعب النقمة على شبح .على هذا فالناس يتعاطفون مع ضحايا الجرائم الفردية ممن تحفل وسائل الإعلام بأخبارهم . اما الجرائم الجماعية التي يسقط فيها أعداد اكبر ، فإن ارتفاع الرقم يمنع من التشخيص ، من التجسد في المخيلة ، فيبقى الرقم هو العالق .يقرأ القراء خبراً عن جريمة قتل ،تقع في عائلة أو حي أو بين أرباب مهنة واحدة ، فتثور النقمة على المرتكبين .لكن ضحا يا المجازر والحروب الكثر فيتحولون الى ارقام بلا اسماء ولا هوية . الاسرائيليون انتبهوا لهذا الأمر ويقال إن متحف الهولوكست في تل ابيب يضم أعدادا هائلة من أسماء الضحايا وصورهم ، لإنقاذهم من التعمية ومن الرقمية ، ولضمان التعاطف معهم. وعقب وقوع عمليات تفجيرية كان يرتفع نصب في المكان عليه أسماء من سقطوا وأعمارهم . باستثناء أصحاب اسماء معروفة أودت بهم آلة القتل الإسرائيلية ،فلا أسماء ولا هوية محددة لضحايا الصهيونية الذين سقطوا وما زالوا يسقطون منذ ثمانية عقود . ضحايا الاحتلال والعنف في العراق هم كذلك ضحية تجهيل اسمائهم وهوياتهم . البشر الأسوياء وهم الكثرة الكاثرة ، ينفرون أشد النفور من الجريمة . يتعذر عليهم حتى تخيلها .* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
24 حزيران, 2008
ما يراه الزائرون وما لا نراه
ما يراه الزائرون وما لا نراه محمود الريماوي*في بلاد الدنيا يهجر الناس المدن وبالذات العواصم في الصيف، صوب البحر والجبال والريف ، أما عمان فتستقبل عشرات الآلاف من المصطافين القادمين من بلدان "ملتهبة " ، نسبة كبيرة منهم من الأردنيين المقيمين في دول الخليج ،علاوة على طلبة ومقيمين في أصقاع الدنيا يعودون لقضاء إجازاتهم بين الأهل في عمان.هذه خصوصية أخرى لعمان التي يزيد عدد القاطنين فيها في الصيف ، ويرتفع عدد المركبات في شوارعها بصورة ملحوظة، ويعتصم غالبية سكانها فيها لا يبرحونها إلا إلى اقرب المناطق في محيط العاصمة. الطبقة الوسطى العريضة لا تعرف تقليداً اسمه إجازات الصيف ، إما لضيق ذات اليد وهذا هو السبب الغالب والأعم ، أو لافتقاد فرص السياحة الداخلية "الشعبية " . المأمول أن تشهد السنوات العشرون المقبلة ، إقامة مرافق سياحية في شمال المملكة حيث المناخ اللطيف صيفاً.. وهي مناطق تشكو من عذرية سياحية، رغم سحر الطبيعة فيها . السياحة الداخلية عندنا شتوية ،صوب العقبة والبتراء ووادي رم والأغوار. أما في الصيف فيسوح الواحد في دخيلة نفسه وداخل ملابسه.. باتت عمان مقصداً للسياح العرب في الصيف، وهو تطور طيب وإن لم يكن جديداً تماماً . يرى الزائرون فيها ما لا يراه أبناؤها .قلما يلتفت الناس هنا ،الى صفاء ورخاء ليالي عمان في الصيف حتى حين لا يمكون هناك قمر في السماء ،أو إلى جودة فواكه الموسم ، أو إلى الحياة اليومية الآمنة ، أو الليل الذي بات مضيئاً وأنيساً يلبي رغبات عشاق السهرالطويل . الناس يلتفتون فقط ولهم الحق في ذلك الى الأسعار السياحية للسلع. الى الاكتظاظ الشديد في الشوارع. الى الشقق المفروشة التي أخذت تتكاثر في البنايات السكنية ( يشكو بعض الساكنين من الغرباء ولكأن الساكنين يعرفون جيرانهم !) . يلتفتون الى شاشة التلفزيون ويتسمرون أمامها ، وقد باتوا يضيقون بها كلما زادت مساحة الشاشة ، وكلما عدد القنوات الفضائية المتاحة !. ذهبت أيام زمان حين كان الواحد يطير فرحاً ، بالعثور على محطة تلفزيونية جديدة تضاف الى القنوات الثلاث التي يوفرها "الأنتينن" آنذاك، ويدعو لرؤية القناة الجديدة المكتشفة ضيوفه حتى يرون بأعينهم ما يراه .يوفر الصيف فرصة سانحة للشكاوى المحقة ،كما للتشكي الذي يجري مجري العادة ويعكس مزاجاً خاصاً ، بأكثر مما يجسد واقع الحال. الدليل أن الناس تضيق علناً ببرودة الشتاء وحرارة الصيف.رغم أن أيام الزمان لم تكن أقل برودة شتاء أو أقل حرارة صيفاً ، عما هي عليه في أيامنا. يقول المثل العربي السائر "في الصيف ضيعنا اللبن"،. أهل عمان أضاعوا اللبن (المخيض ) وفقدوا أموراً أخرى.عليه فإن الزوار وبعضهم من الأردنيين ، هم من يأخذون فرصتهم في التمتع بمزايا الحياة عندنا في الصيف ، بينما ننتظر نحن انقضاء الصيف وحلول الشتاء كي نغير في مفردات التشكي. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
20 حزيران, 2008
طرف غير اوروبي وغير مسيحي
طرف غير أوروبي وغير مسيحيمحمود الريماوي* دأبت تل أبيب على المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ،وقد تواكبت هذه المطالبة مع المطلب التركي بهذا الشأن . مؤخراً بعثت الوزيرة الصهيونية تسيبي ليفني بطلب جديد لانضمام دولتها إلى الاتحاد على لن يبدأ الأمر بصفة "شبه عضو" حسب رسالة الوزيرة . الراجح في ظروف التوازنات والتحيزات الأوروبية، أن تحقق تل أبيب بعض مطالبها ،فهناك أغلبية أوروبية تؤيد "الارتقاء بمختلف أشكال العلاقات مع الدولة العبرية" فلا يبقى للفلسطينيين والعرب وكما درجت العادة سوى اللوم والتشكي. وقد دأبت تل أبيب على ابتزاز الأطراف الأوروبية والتعريض بقادتها ورفض استقبالهم . ورفضت على الدوام أي دور سياسي مستقل للإتحاد الأوروبي في مساعي التسوية ، وجرى اتهام أوروبيين كثر بالانحياز غلى العرب والفلسطينيين لمجرد أنهم يطالبون بالاحتكام إلى القرارات الدولية ، أو لأنهم لا يبدون رضاهم عن حجم الجرائم الجماعية التي يرتكبها الاحتلال .انتهى الأمر ألى اقتصار الجهد الأوروبي على الدعم المالي المباشر للسلطة الفلسطينية ومساعدات أخرى بعضها إنسانية وبعضها الآخر يذهب إلى هيئات أهلية ( مؤسسات مجتمع مدني كما درجت التسمية) .فيما تم قبول الاتحاد الأوروبي عضواً في الرباعية الدولية ، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة .وقد نجحت واشنطن بالتواطؤ المكشوف مع تل أبيب في تحويل الرباعية إلى هيئة شبه استشارية ، لا تتمتع قراراتها بأية إلزامية ، وذلك مع الفصل التام بينها وبين الأمم المتحدة رغم أن المنظمة الدولية عضو فيها ورغم ان أعضاء الرباعية هم أعضاء دائمون في مجلس الأمن : فرنسا، بريطانيا ، روسيا ، الولايات المتحدة . يجري أحيانا من طرف واشنطن وتل أبيب استخدام بعض توصيات الرباعية للضغط على الطرف الفلسطيني ، أما انتقادا الرباعية الدائمة والروتينية للاستيطان، فتظل بمثابة مواقف إعلامية لا تقدم ولا تؤخر . ولا تثير حتى الفضول لقراءتها . انضواء الدولة العبرية في الاتحاد أو الفضاء الأوروبي ، حتى ولو بعضوية غير كاملة في بداية الأمر ، من شأنه منح مظلة لهذه الدولة المارقة كشريك في القارة الأوربية يمتع بالإعفاءات والامتيازات الاقتصادية والتجارية والمزيد من التعاون العسكري ، وحتى وجود ممثلين صهاينة في البرلمان الأوروبي .وهو ما يحد من صفة الدولة العبرية كرديف وامتداد أميركي في منطقة الشرق الأوسط .كل ذلك والدولة الأوروبية ليست جزء من أوروبا ، وإن كان يروق للصهاينة وصف دولتهم بأنها جزء من العالم الغربي و"قطعة من أوروبا" . التحفظات التي ثارت بخصوص انضمام تركيا ، تتراجع ويبتلع المعترضون ألسنتهم . ف"النادي المسيحي" ، بات قابلا هذه المرة لاستيعاب دولة "غير مسيحية" .الفروق الثقافية يتم القفز عنها، والدولة العبرية بوصفها دولة دينية يهودية تصبح مقبولة في فضاء علماني، أما تركيا وحتى قبل صعود حزب العدالة والتنمية فإنها تتوفر على شبهة اختلاف ديني.الأسوأ من ذلك هو البعد السياسي ، فالدولة العبرية القائمة باحتلال أراضي الغير منذ واحد وأربعين عاماً ، لا يجري تعريفها أو تحديد هويتها الجغرافية، بمعزل عن الأراضي التي تسيطر عليها بالسطوة المسلحة . التعامل معها هذا الأساس يشكل مكافأة للاحتلال كما تحدث مسؤولون عرب وفلسطينيون . والخشية أن يبلغ الأمر درجة إسباغ الشرعية على الاحتلال بصرف النظر عن مواقف أوروبية رافضة للاحتلال وداعية للسلام ذلك أن تفعيل ضم الدولة العبرية إلى هيئات الاتحاد ولو بالتدريج، سوف يجعل الاتحاد محكوماً بتعريف هذه الدولة ل"نفسها" ولعاصمتها : القدس المحتلة . وبما لا يترك "مبرراً " لعدم نقل سفارات أوروبية إلى مدينة محتلة .. تنأى دول أوربية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا عن تاريخها الاستعماري، وتعتبره حقبة ولت إلى غير رجعة حتى لو لم تعتذر بعد عن الملفات السوداء لذلك التاريخ. بالقبول الجزئي للدولة العبرية ، تتم العودة إلى قرون مضت ، بتشريع الاحتلال والاستعمار والاحتكام إلى منطق التفوق والغلبة .. أي العودة إلى حقبة بربرية ، لكن مع قدر أكبر من الخبث : القبول الفعلي بهذه الواقعة الشائنة ، مع الانتقاد اللفظي لها جنباً إلى جنب . لدى الأوروبيين مصالح هائلة مع العالم العربي غير قابلة للحصر . لا يجري تفعيل الوزن العربي لتفاهمات سياسية وثيقة مع الأوربيين ، ولربط هذه التفاهمات بخطوات سياسية محددة. وليس سراً أن غالبية الأوروبيين يحسبون حساباً لتل أبيب، بأكثر مما يفعلون مع العرب مجتمعين .والذريعة هي الابتزاز "الاسرائيلي" والحساسية تجاه المسألة اليهودية . أما حقبة الاستعمار البشعة والطويلة ، لمشرق العالم العربي ومغربه ، فلا تثير كما يبدو حساسية تاريخية تذكر لدى أوروبيين رسميين .ليس هناك ما يمكن تسميته ب"المسألة الاستعمارية" كمصطلح يختزن إرثاً من الذكريات والذنوب، في مقابل المسألة اليهودية التي تمنع حساسيتها الاعتراض على أية فظائع ، وهو ما يمكن ملاحظته بخفوت الأصوات وقد لا تكون قليلة العدد التي تعترض على تسلل الدولة العبرية إلى اتحادهم القاري.لدى الأوروبيين قوى عريضة مناصرة للحقوق العربية وبلادهم تتسع لملايين العرب المهاجرين ، هذا التداخل في المصالح لا يثمر رؤى استراتيجية مشتركة ، بينما تنجح في ذلك دولة مارقة تمثل قلعة العنصرية في الشرق الأوسط . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
15 حزيران, 2008
طريق سريعة لتنمية التخلف
طريق سريعة لتنمية التخلفمحمود الريماوي*قبل سنوات قليلة سادت توقعات بأنه سوف يكون بوسع من يريد ، إنشاء موقع خاص به أو مدونة شخصية أو صحيفة على الانترنت. صحت هذه التوقعات بأسرع من الموعد المستهدف لها ، ومن يستثيره فضول طاغ للإبحار عبر الشبكة ،سوف يصادف ما لا حصر له من مواقع شخصية ومدونات ومنتديات وملتقيات تقوم مقام صحف ومجلات .هذه المواقع حافلة جميعها بكتابات ومقالات وكذلك بمؤلفات.كان الرأي السائد الغالب، أن الانترنت فتح آفاقاً أمام أصحاب المواهب للتعبير عن أنفسهم بغير قيود ودون وسيط وبلا كلفة تذكر.كذلك اتاحت الشبكة للقراء والمتلقين، ان يتمتعوا بثمرات المواهب دون عناء وبغير حاجة لأن يقصدوا المكتبات .الذي حدث بعدئذ ان الشبكة باتت مسرحاً ومنبراً ، لما لا يحصى من ضعيفي المواهب يساندهم نقدة وكتبة ممن يجيدون الإملاء الصحيح ويحفظون عدداً من أبيات الشعر ، دون أية ملكات أخرى .لا سبيل الى رد ذلك ، فالفضاء مفتوح للمحلقين ولفيض بلا حدود من الثرثرة .المشكلة بعدئذ هي في إفساد الذائقة وتسطيح الوعي وتخريب الحس الإبداعي ، لدى الأجيال الجديدة من مستخدمي الانترنت وممن يتوفرون على مواهب دفينة .يتتلمذ هؤلاء دون أن يدروا على تفاهات ،مزركشة بكلام عامي ومفردات انجليزية وبلاغة جوفاء. ولن يطول الوقت قبل أن تدور دورة جديدة، يتم فيها إعادة إنتاج التفاهة عبر "مواهب جديدة" لا حظ لها من موهبة أو ثقافة أو ملكة عقلية ، يحف بها رهط من الناقدين والكتبة الذين يعيدون انتاج الإخوانيات بصورة مبتذلة .والمقصود بالإخوانيات الصداقات التي كانت تنشأ في ما مضى بين أدباء فيتراسلون ويكتبون عن أعمال بعضهم بعضاً .الآن يتم تبادل تحيات طائرة مفعمة بأطنان من المجاملات .ويتم حصر وأرشفة هذه التعليقات عبر محركات البحث، بذلك يتم مع الوقت بناء إرث فاسد تغتذي به الأجيال.من حسن الطالع أن الصحافة الورقية ما زالت حية( ظهرت تقديرات في الولايات المتحدة باان الصحافة الورقية سوف تظل على قيد الحياة حتى العام 2043) وهي في مجملها أو محصلتها تلتزم بحد أدنى من المعايير، فإذا اختلط لدى بعضها الحابل بالنابل وذلك يحدث فإن ذلك يكون ملحوظاً وتطاردها اللعنات وسوء السمعة المهنية ..خلافاً لما يجري في أدغال الانترنت من نشر عشوائي لا ضابط عليه ولا حارس له .إذا كانت هناك من خلاصة لهذا التعليق القصير فهي أن الانترنت يسهم في تحسين الحسن ، وفي زيادة السيء سوءاً .فحين تقع هذه التكنولوجيا المتقدمة على بيئة متخلفة، فهي تسهم في تنمية وتلوين التخلف بألوان زاهية ، فيما تزداد البيئات المتقدمة تقدماً وإن بأعراض جانبية سلبية .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
10 حزيران, 2008
إنسوا الخامس من حزيران!
إنسوا الخامس من حزيران!محمود الريماوي *يستذكر كثيرون هزيمة الخامس من حزيران كي ينسوها ، وكمن يتذكر دينا معدوماً .بدلا من ذلك تنتصب في الذاكرة صور محمود عباس وخالد مشعل واولمرت على خلفية من المباني الاستيطانية المتناسلة والفاخرة في بيت المقدس.لا أحد سواء في الوعي او اللاوعي ،يريد التخلي عن وطن محتل. غير ان السياسات القاصرة شوهت الصورة : عبثت بالأولويات وبددت التضحيات. فباتت مناسبة مفصلية مثل الخامس من حزيران ،مجرد شبح يطوف هائما بلا قوام في الذاكرة ، بينما تتقدم عليها في الاهمية مسائل مثل حكومة هنية وحكومة فياض والتهديد باقتحام معبر رفح باتجاه مصر ،بدل الضغط لفتح المعابر في غزة مع الضفة الغربية، ومؤتمر استثمار، ونفوذ ايراني، ومؤتمر عام لفتح ، واعتداء على مسيحيين من ابناء غزة ، واتفاق في مكة وآخر في صنعاء بين حماس وفتح وما لا يحصى من متفرعات.القضية الفلسطينية التي كانت عربية لم تعد كذلك . ولم تصبح في الوقت نفسه قضية وطنية ذاتية يقرر أصحابها مصيرها .باتت القضية مادة وورقة، للنفوذ والتنافس بين المشروعين الأميركي والإيراني على المنطقة .بسبب هذا التنافس تتعرض القضية لأبلغ الأضرار، تنخفض مكانتها ولا تتقدم . اميركا تريد الإجهاز على حماس ، وحماس تريد محو التاريخ الفلسطيني وتأديب وتربية الشعب على نهجها القويم، وبناء إمارة مدعومة من الظهير الإيراني . ومحمود عباس يخوض مفاوضات هي مجرد حوار ومداولات لا شكلاً من اشكال الصراع ، والدليل انه يعتصم في مكتبه وينجح نجاحا باهراً في تمويت الحركة الشعبية المدنية وإطفاء كل صوت احتجاجي مناوىء للاحتلال، مكتفياً باستقبال القناصل وإدمان السفر حول العالم ،بدل أن يتفقد أحوال شعبه في الخليل وجنين ونابلس و..رام الله التي يتخذ منها مكتباً لا غير. أما القدس فيتم التداول باسمها فقط ، ولا يسعى عباس حتى للصلاة في مسجدها "حتى لا يثير مشاكل فهو لا يحب المشاكل.. يحب المفاوضات فقط حبا جماً يمتلك عليه كل جوارحه، ولا ينازعه فيه حب آخر، فإذا لم يجد من يفاوضه أغلق باب مكتبه عليه، وانهمك في التفاوض مع ذات نفسه" .بين نهج بيرقراطي ثقيل ودبلوماسية تقليدية خاوية لهذا الرجل ، وبين نهج انتحاري واستدخال أطراف إقليمية وتمكينها من مد النفوذ والارتهان لوصايتها ، وبناء نموذج "عصري" لحكم طالبان في غزة كما تفعل حماس .. بين هذا وذاك لا يعود غريباً أن تتغول المشاريع الاستيطانية ، وأن يستمر اجتياح قطاع غزة واختطاف العشرات في الضفة الغربية ، فيبدو كل يوم خامساً جديدا من حزيران ويتراجع ذلك الخامس الذي تقادم عليه العهد منذ واحد وأربعين عاماً ، الذي تحل ذكراه هذه الأيام. الناس تشيح بأنظارها عن المناسية ، فالحاضر والمستقبل أدعى للاهتمام والنقمة. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
03 حزيران, 2008
عرب يهود يزورون بلدانهم كالفاتحين
عرب يهود يزورون بلدانهم ك"الفاتحين"محمود الريماوي* كان من المقرر أن يعقد في القاهرة قبل أيام مؤتمر للمصريين اليهود ، لكن اسباً ما ارجأت انعقاده. الحدث لافت رغم أنه ليس الأول من نوعه.فتوافد يهود من أصول مصرية ومغاربية على بلدانهم الأصلية يتواتر منذ مطالع ثمانينات القرن الماضي .في حالة تونس والمغرب لم يتطلب الأمر إبرام معاهدة سلام لاستقبال اسرائيليين تمتد جذورهم في هذين البلدين . السياحة الدينية ثم الاستثمار السياحي عموماً ،معطوفاً على أغراض سياسية وبالذات في العلاقة مع مؤسسات أميركية ، حمل على استقبال هؤلاء. ومع توقيع اتفاق المبادىء إعلان اوسلو عام 1993 وفتح مكاتب تجارية متبادلة رفع الحظر بصورة شبه كلية عن قدوم هؤلاء.مصر التي وقعت في مبكر معاهدة الصلح ،كانت سباقة في استقبال، هؤلاء مع من هم من أصول شتى ، كذلك فعل الأردن بعد توقيع المعاهدة الثنائية مع تل أبيب عام 1996 .غاية هذا المقال هي التأشير إلى استثمار الطرف الآخر لكل جوانب ومقدمات الصراع ثم جوانب التسوية لمصلحته ، مع تبديد الأطراف العربية لمثل هذه الفرص والمناسبات.ابتداء يجري التعامل مع هؤلاء من ذوي الأصول العربية ،باعتبارهم زواراً مميزين ينتمون لدولة أجنبية، وخلافاً لواقع الحال فجذورهم في البلدان التي يزورونها ، وقد اختار هؤلاء التخلي عن وطنهم ومجتمعهم ،والانتساب إلى دولة أخرى هي في حالة حرب مع بلدانهم الأم وبعضهم خاض حروباً ضد بلده الأصلي .يتم إغفال هذا الوقائع ، وبدل أن يحل هؤلاء وتعتريهم مشاعر الخجل ، فإنهم يفدون ك"الفاتحين" .في حالة تونس والمغرب لم يجر تميز ضد اليهود ولا حملوا على الهجرة ومع ذلك اختاروا ما اختاروه ، وكثير منهم قصد فرنسا والولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى .لا يتحدث الضيوف الكرام في بلدانهم الأصلية التي يزورونها عن تسوية يجب أن تتم، وسلام يؤمل أن يعقد بإطفاء المظالم واحترام مواثيق حقوق الإنسان والشعوب ، لكنهم يبشرون خلال زياراتهم الميمونة بتكريس الأمر الواقع الاحتلالي ويروجون للدولة العبرية التوسعية التي تستولي على بيت المقدس .لا يأتون على ذكر القضية الفلسطينية .في الغالب الأعم هم سفراء لليمين الأكثر تطرفاً .ويطلبون الترحيب بهم على هذا الأساس ، وينالون الكثير منه للأسف .بذلك يقدمون نموذجاً لا مثيل له : يمكن للمرء أن ينسلخ عن جذوره وأن ينضم لدولة دينه ،ثم يخوض حروباً ضد بلده وشعبه الأم ، وبدعئذ يلقى الترحيب حين يزور بلد الأجداد ويروج هناك للتفوق الذي يجيز الاستيلاء على أرض الغير وبذلك يكون هناك سلام...في مصر كما في العراق تعرض يهود كمسلمين ومسيحيين لاضطهاد في أيام الملكية وحتى بعد قيام ثورة 1952.تغير الحال بعئذ قي مصر : لا أحد يريد العودة إلى وطنه الأصلي مع تغير الظروف .يأتون كاسرائيليين يرطنون بلهجة مصرية هجينة ولا يعبأون بآلاف من السنين عاشها أسلافهم في الوطن المصري، ويجري احتسابهم على الطريقة الصهيونية على أنهم ولدوا في مصر ..فقط .يبحثون عن أملاك مصادرة لهم تستحق معالجتها وفق القانون المصري والقانون الدولي ،مع احتساب أنهم شاركوا أو أسهموا في حروب ضد بلدهم الأم وهو ما قد يستحق تعويضاً من طرف هؤلاء.في قوانين العديد من دول العالم يُسمح بازدواج الجنسية أو التخلي عنها واكتساب جنسية أخرى ، وما يستحق النظر بعدئذ هو : ماذا يترتب قانوناً على انضمام مواطنين إلى دولة في حالة حرب مع دولتهم الأصلية؟ .من الواجب تفحص هذا السؤال والتماس إجابة شافية عليه في ضوء فحوى القانون ، من أجل التعامل مع هؤلاء كما هم عليه في تباهيهم بتخليهم عن جنسية ومواطنية بلدانهم الأصلية ،ويطلبون مكافأة وتكريماً لهم على هذا "الإنجاز".حين تعمد الدولة العبرية إلى محاسبة أي يهودي في العالم، لا ينتمي لهذه الدولة وتفرض عليه مثل هذه المرجعية بصورة متعسفة لكنها فعالة ، فلماذا من طرفنا كعرب يتم التعامل مع مواطنين "سابقين " خاضوا حروباً ضدنا بتناسي هذه الوقائع غير القابلة للنسيان ، وبما يمهد عملياً لإطلاق أشكال من الابتزاز، هي في واقع الأمر امتداد واستئناف لحالة الحرب، وتحت ستار من تعزيز السلام والتمتع بثمراته.. وهي تتحول ثمرات سامة في أداء الإسرائيليين إزاء الدولة العربية الكبرى .وما هو أسوأ من ذلك في المضي بإشعال حروب قذرة ضد بلدان وشعوب شقيقة ،وأيضا تحت ستار من سلام أجوف.هناك حاجة لاحترام مقتضيات القانون، كما في حالة أملاك مصريين يهود تمت مصادرتها من قبل ، أو أية حقوق لأي مصريين آخرين وحتى لغير المصريين . غير أنه لا يمكن إغفال الجوانب السياسية ، أو الاستخفاف ب"خصوصية " وضع المصريين اليهود في السياق التاريخي للأحداث ،التي أحاطت بنشأة الدولة العبرية وتهديدها الدائم والذي لم ينقطع حتى أيام الناس هذه لمصر ولسائر محيطها.ومن أجل السعي لسلام عادل شامل يستحق مسماه ،ويتم حتى الآن الافتراء عليه وتفريغه من أي معنى من طرف الدولة العبرية التي تستخف بحقوق الآخرين وبعقولهم سواء بسواء. وتبلغ بها القحة درجة تطلب معها مكافآت على جرائمها، بدل أن تقوم هي بالاعتذار وأداء التعويض ( جرت محاولات لتدفيع سجناء فلسطينيين ثمن نفقات استضافتهم في سجون وراء الشمس) .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
26 ايار, 2008
مدينة قيد الإنشاء
مدينة قيد الإنشاء محمود الريماوي*وصف الشاعر أدونيس عمان ذات مرة بأنها مجموعة جزر لا رابط ولا تفاعل بينها . ومن حسن طالع الشاعر الذي زار العاصمة غير مرة أنها نجا من حملات "وطنيين" عليه ممن دأب بعضهم على تدبيج تعليقات في المواقع الإخبارية الالكترونية ، فلم يخاطبوه بالقول : إذا كانت عمان لا تعجبك فلماذا تزورها ؟ ،أو "تتلقى دعوات كريمة تقابلها بتوجيه الشتائم " أو : " أنت لا تعرف شيئا في الطوبوغرافيا ،فكيف تكون العاصمة مجموعة جزر وليس هناك بحر في عمان؟".أهالي عمان يعرفون أن مدينتهم كانت موحدة متجانسة حتى أواخر السبعينات ، ثم تناثرت ولم يعد لها مركز واحد يُعتد به ، فبات هناك عدد من المراكز للمدينة هي في الوقت ذاته مجموعة أطراف. وهناك من وصفها بأنها اشبه بحبات خضار نيئة أو طازجة ، لم تختلط ببعضها بعد ولم تطبخ معاً لتشكل وجبة واحدة! .الآن هناك توجه متجدد على أعلى المستويات لجعل شرق وجنوب عمان تكتسبان نضارة وجمالاً وبما يردم الفجوة بينهما وبين غرب وشمال العاصمة فلا تظل المدينة محض جزر متناثرة متباعدة .يحتاج الأمر لتوجيه القطاع الخاص لإقامة مراكز حضرية كمستشفيات وفروع بنوك ومولات هناك ،بحيث تجتذب رواداً أكبر من مختلف أنحاء العاصمة .لو أراد المرء التندر لدعا ا لتنظيم رحلات مدرسية بي شرق عمان وغربها تحت عنوان : إعرف مدينتك . إعرف وادي الحدادة وماركا الجنوبية والمقابلين وجبل المريخ. ليس من المبالغة في شيء، القول إن كثيراً من أبناء الجيل الجديد لم يقصدوا مناطق عديدة في العاصمة وبعضهم لم يسمع بها. ليس من قبيل الاستخفاف بتلك المناطق بل لأنهم لا يجدون سبباً او مناسبة لذهاب الى وادي الرمم أو جبل النظيف فليس لهم اقارب ولا أصدقاء هناك وليس ثمة "محلات" فيها تجتذبهم اليها .علماً بأن الشطر الغربي من العاصمة يضم أشتاتاً من الناس لا رابط يذكر ما بينهم .إنها مسألة تتعلق بالتوازن المختل وبالتخطيط العمراني السابق الذي جعل مناطق بذاتها مسرحاً لاكتظاظ السكاني وبقالات متجاورة وشوارع ضيقة، بينما الدوائر الحكومية والبنوك والمستشفيات والسفارات ومقرات الصحف والمولات والوكالات السياحية في غرب عمان .هناك مشروع لمدينة جديدة تتسع لمليون نسمة في شرق العاصمة. الخشية ان تقوم "جزيرة جديدة" تضاف إلى جزر متناثرة متجاورة، تزاحم بعضها بعضاًدون روابط اجتماعية وحضرية بينها .لو أن هذه المدينة تبنى الى الجنوب مثلا وعلى مسافة أبعد ، لأمكن انتظار نشوء مدينة جديدة متجانسة تحد من الضغط السكاني في العاصمة. مدينة تقوم على قدر من التجانس ، وتتيح لعمان القائمة بما هي عليه،بلوغ ترابط وتواصل أكبر ما بين أرجائها وأهلها.لكن ما العمل ، إذا كانت عمان على ما هي عليه من اتساع وضخامة ،ما زالت مدينة قيد الإنشاء منذ قرن كامل من الزمن حتى أيام الناس هذه، ولم يفرغ البناءون من بنائها بعد؟. .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"