مدونة محمد خروب

الاجتياح التركي لشمال العراق.. التوقيت والتوافقات السرية !

عاد العراق، الذي لم يغب اصلاً، الى صدارة جدول الاعمال الدولي ليس من باب ارتفاع حدة السجالات بين الكتل البرلمانية والحزبية حول كيفية توزيع كعكة الحكومة الجديدة التي يجري الحديث عنها منذ مدة طويلة، وليس حول اقتراب عدد القتلى من الجنود الاميركيين الى اربعة الاف (عددهم الآن وفق البيانات الرسمية 3984) دون احتساب القتلى من المتعاقدين الذين تم تجنيدهم تحت اغراءات الحصول على الكرت الاخضر السابق على الجنسية الاميركية وليس بالتأكيد افراد الشركات الامنية العاملة في العراق مثل سيئة السمعة والصيت بلاك ووتر ، التي ولغت في دم العراقيين وجعلت من شوارع مدنهم وبلداتهم ميادين تدريب بالذخيرة الحية لهؤلاء المرتزقة.

العراق عاد الى واجهة المشهد الدولي من البوابة التركية، حيث دفعت انقرة بأكثر من عشرة الاف جندي عمقاً، باتجاه معاقل حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) المتمركز في جبال قنديل، في احوال مناخية غير ملائمة لكنها - وهنا هو الأهم واللافت - تأتي في ظروف ومناخات سياسية ودبلوماسية ملائمة، تستدعي نظرية المؤامرة بامتياز وتستوقف المراقبين وعواصم المنطقة المعنية بالرسائل التي تنطوي عليها هذه الخطوة التي سيكون لها ما بعدها في ظل عملية المراجعة التي تقوم بها ادارة بوش في الشهور القليلة المتبقية على وجودها في البيت الابيض وعملية الهجوم الشامل السياسي والدبلوماسي وربما العسكري التي تحضر لها لاعادة ترتيب اوراق المشهد الاقليمي، وربما رسم خرائط جديدة اذا ما سمحت لها حقائق الميدان بذلك.

يمكن رصد عملية المراجعة او ترتيب اوراق المشهد الاقليمي في ثلاث محطات رئيسة، وهي اصلاً ساحات المواجهة المفتوحة بين الاطراف اللاعبة عليها، كالعراق الذي يحاول بوش ورايس انزاله عن جدول اعمال المعركة الانتخابية حول ترشيحات الحزبين الرئيسيين للرئاسة عبر جلب انتصار ما على الجبهتين اللبنانية او الفلسطينية والذي يأخذ طابعاً متصاعداً من الحدة على الاولى، فيما الثانية (الفلسطينية) باتت مرشحة اكثر من أي وقت مضى لعملية عسكرية واسعة النطاق تعيد فيها آلة القتل الاسرائيلية احتلال قطاع غزة ولا تنسحب الا بقدوم قوات دولية (لا مانع ان يكون معظمها من دول اسلامية وعربية) تتولى الفصل بين حدود القطاع مع اسرائيل وقد تكون مسلحة بالفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يسمح لذوي القبعات الزرقاء باستخدام القوة، ضد الذين يطلقون النار (باتجاه اسرائيل بالطبع) وهو امر ان تم سيكون مقدمة اولى وطبيعية لفرض حل دولي (اقرأ اميركي اسرائيلي) على الفلسطينيين في الضفة والقطاع يتجاوز كل ما يعلكه المسؤولون الفلسطينيون (وبعض العرب) حول الدولة المستقلة القابلة للحياة التي ستقوم وفق قرارات الشرعية الدولية وخارطة الطريق (لا تنسوا المبادرة العربية التي لا احد يتحدث عنها غير العرب)..

لم نذهب بعيداً عن شمال العراق، لكننا حاولنا ربط القضايا الثلاث في اطار سيناريو لا يحتاج المرء الى كبير عناء لاكتشاف الصلة الوثيقة بينها، ليس فقط في عملية التسخين والتصعيد الجارية على قدم وساق والتي بدأتها انقرة عبر الجبال المكسوة بالثلوج، والتي لم يقدم على مثلها أي جيش في العالم سوى ما دار في الحرب العالمية الثانية من معارك فرضتها طبيعة الاهداف وعناد المتحاربين وعدم جدوى التوصل الى وقف اطلاق نار بين الحلفاء ودول المحور حتى لا يستفيد العدو من عامل الوقت لتعزيز قدراته والتقاط الانفاس واعادة تنظيم صفوفه، حيث كان يظن كل طرف انه على وشك الحاق الهزيمة بالآخر، وانما ايضاً لأن المايسترو واحد وهو هنا الولايات المتحدة الاميركية المعنية الاولى مباشرة بما يجري وصاحبة القرار الاول والاخير في مسارات الاحداث والتي تكشفها الاشارات التالية:.

*ادارة بوش كانت على علم مسبق بموعد بدء العمليات العسكرية التركية وهو ما اكده الناطقون باسمها ولم تقع ضحية المفاجأة لأنها اولاً هي السلطة الفعلية في العراق ولأنها ثانية على علاقات وثيقة بأنقرة حكومة ومؤسسة عسكرية على حد سواء.

* هذا يعني - استطراداً - ان واشنطن ادارت ظهرها لحكومة اقليم كردستان (دع عنك حكومة المنطقة الخضراء فهي غير موجودة على جدول أعمال بوش اصلاً) وهو تطور خطير ازاء مستقبل المعادلات التي استقرت، أقله منذ خمس سنوات من الان بين واشنطن واربيل، ما يعني ان بوش قد سلك الطريق التي سار عليها بيل كلينتون عندما صرف النظر عن تدخل الجيش العراقي (جيش صدام) لصالح مسعود البرزاني، بعد ان لاحت هزيمته على يد قوات جلال طالباني في اواسط تسعينات القرن الماضي ما أدى الى تغيير عميق في التحالفات وشعور الاكراد بأنهم خُذلوا مرة ثانية على يد حليفهم الاميركي، لكن المشهد هذه المرة اكثر كارثية على المشروع الكردي برمته لأن تركيا لن تعود من شمال العراق إلاّ بعد تحقيق اهداف العملية هذه وهو تعبير يستخدمه الاميركيون في العراق منذ خمس سنوات، وبرع فيه الاسرائيليون في جنوب لبنان طوال ربع قرن.

* حكومة نوري المالكي كانت كعادتها دائماً، آخر من يعلم وكل من تابع وقائع الاجتياح كان يتوقف عند اعلان بليد يقول أن لا علم لبغداد باجتياح تركي لشمال العراق، وعندما بات الأمر حقيقة وغدت رسالة عبدالله غل لجلال طالباني بمثابة إخبار ببدء العملية، قيل ان رسالة احتجاج من حكومة المالكي قد تم ارسالها الى انقرة تشجب فيها تعريض سيادة ووحدة الاراضي العراقية للخطر.

ما يجري الان في شمال العراق يتجاوز بعده العسكري الى تداعيات السياسة التي ستتجاوز مسألة قتل او أسر عدد من مقاتلي حزب العمال، لأن تركيا وطوال ربع قرن لم تتوقف عن شن غارات وتوغلات كهذه، فالاجتياح الحالي أعاد ترتيب بعض الاولويات على اكثر من صعيد حيث نجحت حكومة اردوغان في تمرير قانون الحجاب وصادق عليه رئيس الجمهورية عبدالله غل في اليوم ذاته الذي اعطت فيه الضوء الاخضر للمؤسسة العسكرية، كي تدخل شمال العراق في عرض قوة لا يخلو من اشارة للعب دور في القرار السياسي وإن كان سيبقى دوراً محسوباً ومحدوداً.

الاجتياح شكل المسمار الاخير في نعش حكومة المالكي التي تم تجاهلها على نحو كامل وهي (وان رغبت) لا تستطيع ان تفعل شيئاً، أما الاكثر خطورة في تداعيات الخطوة التركية الاميركية المنسقة على أعلى مستوى، هو حدوث تصدع في حكومة اقليم كردستان وانخراط مسعود برزاني في المواجهة مع القوات التركية كاشارة على احتمال حدوث تفاقم (حتى لا نقول تواطؤ) بين انقرة والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني الذي لا يشارك برزاني رأيه في حزب العمال، ولا أيضاً في خطورة الخطوة التركية الراهنة على نحو يبدو انه اقرب الى الرأي الاميركي القائل بأنها عملية محدودة العمق والمدة منه الى رأي برزاني الذي يراها مقدمة لتخل اميركي عن الاكراد واقليمهم واجهاض حلمهم في دولة مستقلة او قريباً من صيغتها.

يحدث فـي لبنان اليوم.. ماذا سيحدث؟

ربما لم يكن توقيت اغتيال القائد البارز في حزب الله، والمطلوب اسرائيلياً وخصوصاً اميركياً، عماد مغنية، مقصوداً لذاته ليتزامن مع ذكرى الرابع عشر من شباط، التي ستضع لبنان اعتباراً من اليوم الخميس، أمام مفترق حقيقي، بعد ان تلقى حزب الله ضربة موجعة وقاسية، بل ومهينة، وبعد أن تحقق الاختراق الأمني، الذي كان يفاخر به عن حق، والذي سيكون موضع تندر وشماتة من قبل معارضيه في لبنان، الذين سيرون في ما حصل في رسالة واضحة، بأن امكانية توجيه ''صفعات'' للحزب باتت واردة، وستكون تعليقاتهم الساخرة أشد وطأة على دمشق، التي حصل فيه الانفجار وبالقرب من مركز استخباري سوري كبير، وسيعيدون التذكير بالغارة الاسرائيلية على ما وصف بالموقع ''النووي'' بالقرب من دير الزور في 6 ايلول الماضي، اضافة الى سلسلة الاغتيالات والغارات، كتلك التي تمت في عين الصاحب.

ليست مهمة صعبة او مستحيلة، الرد على مثل هذه المواقف التي تستدعي اولاً طبيعة الحروب الاستخبارية المحتدمة، على اكثر من ساحة وعبر اكثر من قارة وفي داخل اكثر من بلد على سطح المعمورة، ما بالك اذا كانت منطقة كمنطقتنا ودولة مثل لبنان، لم تتوقف حروب اجهزة الاستخبارات الاقليمية والدولية لحظة واحدة على ارضها؟.

سجل اولمرت نقطة ثمينة لصالحها، في صراع البقاء السياسي، الذي يخوضه منذ ان وضعت حرب تموز 2006 اوزارها، وخصوصاً بعد تقرير فينوجراد النهائي، والنقطة ''الثمينة'' ذاتها، شاركه فيها ايهود باراك وزير دفاعه والباحث عن أي انجاز، ليصد الانتقادات اللاذعة والمتواصلة التي توجهها احزاب المعارضة، كما في داخل حزب العمل الذي يرأسه، والاوساط الصحفية والاعلامية على قراره البقاء في الحكومة وعدم الاستقالة، كما كان وعد في خطابه الشهير، الذي تصفه الصحف الاسرائيلية بخطاب ''سدوت-يم''، والذي قال فيه (وقتذاك) انه اذا جاء تقرير فينوجراد النهائي قاسيا بحق اولمرت، فانه سيسارع الى سحب وزراء حزب العمل من الائتلاف الحكومي، اذا لم يقم اولمرت بالاستقالة، أو اذا لم يبادر حزب كاديما باستبدال اولمرت وانتخاب رئيس جديد له (كان يفضل تسيبي ليفني).

تَبَجّح آخر سيضاف اعتبارا من اليوم الى قاموس الثنائي اولمرت - باراك (مستر أمن)، وهو تصفية الحاج رضوان (عماد مغنية)، وستلوذ اسرائيل بالصمت وتضفي على عملية ''كفرسوسة'' غموضا واثارة، على الطريقة التي سارت عليها منذ عملية دير الزور (6 ايلول 2007)، والتي لا تستطيع الصحافة الاسرائيلية (حتى الآن) الاشارة اليها، إلاّ اذا اضافت اليها عبارة (وفق مصادر اجنبية)، دون ان تسمح لها بالخوض في التفاصيل.

وقائع التاريخ اللبناني الحديث وعلى وجه الدقة الذي بدأ في العام 1982، وهو عام الاجتياح الاسرائيلي الاكبر وعام احتلال بيروت وترحيل منظمة التحرير الفلسطينية الى المنافي، وايضا عام قيام حزب الله وبروزه كرقم صعب في المعادلة اللبنانية والاقليمية، تقول ان اسرائيل بتصفيتها لقائد في الصف الاول او الثاني، تحصل على من هو اكثر تشددا وشعبية منه، حدث هذا مع عباس الموسوي امين عام الحزب، والذي لم يكن خطيبا مفوهاً او شخصية كاريزمية، فجاء حسن نصرالله ليتصدر المشهد، كذلك الحال مع راغب حرب وبعض الكوادر القيادية، التي نجحت اسرائيل مباشرة او عبر عملائها الكثر في لبنان في تصفيتهم.

ما يعنينا هنا هو محاولة قراءة ما بعد تصفية عماد مغنية، الذي غدا شخصية اسطورية، بعد كل الاموال والجوائز التي رصدت لاعتقاله واغتياله، وبعد كل ما اثير حول قدراته التنظيمية والعسكرية وعقله الاستراتيجي، الذي يصل بين جنوب لبنان وبيروت والعاصمة التركية انقرة، الى بيونس ايرس في الارجنتين والتخطيط لخطف الطائرات والاختفاء في طهران، ثم ترحيل الاخيرة له خوفاً من الانتقام، ثم الكشف عن انه كان حارساً لياسر عرفات، الى الاقرار مؤخراً بأنه كان مهندس حرب تموز 2006، ومديراً لعمليات حزب الله ضد الجيش الاسرائيلي، والمخطط الكفؤ لحماية زعماء حزب الله وتوفير الامن لهم..

تصفية شخصية كهذه تدفع حزب الله الى اعادة قراءة المشهد اللبناني والاقليمي، وفق المعطيات التي افرزتها عملية كفرسوسة، وايضا في ظل ردود فعل ''الاكثرية'' على الضربة الموجعة التي تلقاها الحزب، والتي يمكن رصدها في التظاهرة الشعبية التي دعت اليها الموالاة ''اليوم'' في مناسبة الذكرى الثالثة لاغتيال رفيق الحريري، والتي هدفت الاكثرية من ورائها استعادة بعض الزخم الجماهيري، الذي فقدته عبر لجوئها الى التصعيد وتَقَصُّد اختيار لغة التهديد بالحرب والاستعداد لحرق الاخضر واليابس..

ذكرى الرابع عشر من شباط، رأى فيها وليد جنبلاط ''موعداً مع التجديد والتحدي''، وأعلن في غير مواربة، ان التعايش مع حزب الله لم يعد وارداً، واتهمه صراحة بأنه يريد اقامة دولة ''شيعية'' في المنطقة الواقعة الى جنوب طريق الشام.. فيما لوّح سمير جعجع وسعدالدين الحريري، براية المحكمة الدولية وقصاصها القريب..

قد تكون هذه التصريحات باتت جزءاً من ''الماضي''، رغم طزاجتها واصدائها التي كانت ما تزال تتردد الى ما قبل الكشف عن اغتيال عماد مغنية صباح يوم امس.

ما قد يحدث اليوم في ساحة الشهداء (حيث تتجمع الموالاة)، وقريباً من السراي الحكومي القريب (حيث تعتصم المعارضة منذ عام ونيف)، سيكون المؤشر على الطريق الذي سيذهب اليه لبنان، وخصوصاً انه اليوم الذي سيشيع فيه جثمان عماد مغنية أو الحاج رضوان.. ايضاً.

المركز الفضائي الايراني.. رسائل في عصر (السماوات) العربية المستباحة!

لن يقع العرب في ترف المفاجأة التي جاءت هذه المرة من ايران، بعد ان ادمنوا التثاؤب والانتظار، وبعد ان استقالوا من كتابة التاريخ (أي تاريخ؟) وراحوا يعدّون الايام، ويرفعون الاكف الى السماء ضارعين الى المولى عز وجل، أن يهزم الاعداء ويغيّر اوضاعهم الى ما هو افضل، متناسين عن عمد وسابق اصرار الآية الكريمة التي تقول: ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ..

لا يريدون صناعة التغيير بأيديهم لأنهم عاجزون ومستبدون، ولا يستطيعون إحداث أي نقلة نوعية في حياة شعوبهم، لأنهم رفعوا الاسوار وشيدوا السجون والمعتقلات وكمموا الافواه ومنعوا البحث العلمي، ولم يرصدوا شيئاً يذكر للتأسيس له، بل هم اسهموا بجدارة تُحْسبُ لهم ، في تهجير العقول العربية وتدجين الجامعات وتفريغ المناهج الدراسية، الجامعية والمدرسية، على حد سواء، من أي معايير وحوافز على البحث والقراءة النقدية وطرح الاسئلة، وزجوهم في غياهب التلقين والاساطير والخزعبلات والغيبيات والروايات التاريخية المزورة، اضافة الى انتهاك حقوق الانسان ومصادرة الحريات وازدراء كل ما يمت بصلة للقانون والدستور والدولة المدنية..

ماذا عن المفاجأة الايرانية؟.

يوم امس، وفي توقيت مقصود يتزامن مع بدء الاحتفالات بالذكرى 29 للثورة الاسلامية، دشنت ايران اول مركز فضائي، سينطلق منه القمر الصناعي الايراني الثاني الذي يحمل اسم أوميد أي الامل، ومحطة تحت ارضية للمراقبة ومنصة اطلاق .

ما من شك بأن للاعلان هذا، جانبه الدعائي والنفسي وبخاصة في ظل اقتراب صدور قرار جديد لمجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على ايران، وأيضاً بعد صدور تقرير فينوغراد الاسرائيلي والذي يضع المسؤولية كاملة على المؤسسة العسكرية في الفشل الذريع الذي لحق بعدوان اسرائيل على لبنان تموز 2006 والذي لم يخف مسؤولوه وعلى رأسهم رئيس الاركان غابي اشكنازي ووزير الدفاع ايهود باراك، ان جزءاً من عملية الترميم لقدرة الردع الاسرائيلية واعادة الاعتبار للجيش الرابع الاقوى في العالم (وفق تقرير فينوغراد) سيكون في لجم تهديدات البرنامج النووي الايراني، وأن تل ابيب ستعمل بمفردها ، اذا لم تستطع اقناع الادارة الاميركية بالخطأ الذي وقع فيه تقرير وكالة الأمن القومي الاميركي (تضم 16 وكالة استخبارات متخصصة) عندما قال التقرير ان ايران أوقفت نشاطاتها النووية في ايار عام 2003، فضلاً عن الملخص الذي استمع اليه بوش خلال زيارته التاريخية الاخيرة لاسرائيل في لقاء منفرد مع اولمرت.

ليس جديداً اذاً، ان يبقى العرب في وضع من يُرى ولا يَرى بعد ان غدا التنافس في مجال الاقمار الفضائية التجسسية (في المنطقة) مقتصراً على تل ابيب وطهران، فالأولى اطلقت سلسلة اقمار اوفيك (الافق) منذ اكثر من عقد ونيف من السنين، بل هي وقبل ثلاثة أسابيع اطلقت أكثر اقمارها التجسسية تطوراً من احد المراكز الهندية (جارة ايران) ولم يخف قادتها ومسؤولوها ان ايران هي الساحة التي تتركز عليها كاميرات (افق 7).

ايران من جهتها كانت تعد مفاجأة ربما لا تكون من العيار الثقيل في المجال العلمي الذي تتوفر عليه سلسلة اقمار افق الاسرائيلية الا انها مفاجأة بكل المعايير، بما تثيره من قلق في الاوساط الاسرائيلية وخصوصاً لجهة التطور الذي سيكون قد أكد على صناعة الصواريخ الباليستية الايرانية كون اطلاق القمر الصناعي يحتاج الى صاروخ باليستي متطور، يستطيع وضع القمر الصناعي في مداره المطلوب، وما يعني ذلك من قدرة هذا الصاروخ على الوصول الى مسافات بعيدة، سيكون كل اسرائيل في مرماها، ما يفرض على المراقب استدعاء الضجيج الاعلامي الاسرائيلي (والغربي) عالي النبرة والايحاءات، عن التجربة الناجحة التي اجرتها اسرائيل قبل اسبوعين على صاروخ باليستي بعيد المدى، قال محللون عسكريون انه قادر على حمل رؤوس نووية في رسالة واضحة لطهران، أنها لن تكون بمأمن إذا ما فكرت في مهاجمة اسرائيل او استهدافها.

الجديد في المفاجأة الايرانية (دع عنك المفاجآت الاسرائيلية المتلاحقة صواريخ باليستية وأقمار تجسس وصناعات عسكرية وترسانة نووية) هو أنها تأتي في سياق دبلوماسية، ترفض تقديم أي تنازل او الاستجابة لأي نوع من الضغوط الدولية، بل والاغراءات بحوار واسع وعريض وغير مشروط بين واشنطن وطهران كما قالت كونداليزا رايس في الاسبوع الماضي، اذا ما وافقت ايران على وقف (وليس تفكيك على غرار النموذج الكوري الشمالي) برنامجها النووي وخصوصاً عملية تخصيب اليورانيوم.

العرب كعادتهم وقد رفعوا عقيرتهم برفض الوقوع في الابتزاز النووي الاقليمي وأعادوا إنتاج تصريحاتهم واقتراحاتهم التي لم يأخذ احد بها في تحويل الشرق الاوسط منطقة خالية من الاسلحة النووية وباقي اسلحة الدمار الشامل، هددوا (يا للهول) باعادة الاعتبار لبرامجهم النووية السابقة (أين هي؟) وثم اوضحوا (حتى لا يخاف أحد) أنهم سيكرسونها للاغراض السلمية ولم تخف واشنطن ولا باريس (وخصوصاً تل ابيب) بل إن الرئيسين بوش وساركوزي خلال جولات المبيعات التي قاما بها لدول المنطقة (ساركوزي زار دول المغرب العربي ايضا) عرضا تزويد العرب بالمفاعلات النووية اللازمة وبأي حجم من الميغاواط يريدون.. فلا احد يخاف العرب ولا احد يحزن لحالهم.

المباراة إذاً ثنائية بين اسرائيل وايران والساحات التي تلعب عليها الدولتان لاحراز الفوز وقصب السبق والنفوذ، هي المنطقة العربية المفككة والمهزومة والخارجة من التاريخ دولها والشعوب على حد سواء، والمعارك المندلعة الان بينهما تتجاوز جدول الاعمال الذي يظهر على السطح، لان ثمة قوى دولية عديدة ذات مصلحة في تغليب هذا الطرف او ذاك، اضافة الى ان استمرار مثل هذا الاحتقان يخدم مصالح معظم عواصم القرار الدولي في مراكمة وتعظيم مصالحها وخصوصا الوجود العسكري في بلاد العرب.

هل يفعل العرب شيئا؟.

ليس للتفاؤل مكان فيما نحسب.

هل يفوز اردوغان في معركة الحجاب ؟


تركيا على ابواب مرحلة جديدة، من يحرز الفوز فيها، سيكون صاحب اليد الطولى في تقرير مستقبلها عقد من الآن.. على الأقل..

طرفا المواجهة الآخذة في السخونة هما كالعادة، الاسلاميون المعتدلون الذين ينضوون تحت راية حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة رجب طيب اردوغان، والعلمانيون الذين يتوزعون بين المؤسسة العسكرية وهي الاقوى ومجموعة الاحزاب القومية واليسارية واساتذة الجامعات والنخب المثقفة التي تبدي تخوفاً من الهيمنة المتزايدة للاسلاميين المعتدلين والذين يطبقون بمهارة، وصبر و تكتيكات فاعلة في التعامل مع ردود فعل المؤسسة العسكرية وحلفائها من العلمانيين، في التزام معلن بقواعد اللعبة الديمقراطية وفي غير انفعال او ارتباك بل وفي وقت من الاوقات لم يترددوا في ابداء الحزم الممزوج بالمرونة، ازاء تهديدات الجيش بالتدخل في مسار الاحداث والسيناريوهات التي بدأ حزب العدالة والتنمية تطبيقها، لا سيما بعد ان توفر على الاغلبية وحاول ايصال عبدالله غل لموقع الرئاسة خلفاً لأحمد نجدت سيزر المنتهية ولايته في نيسان الماضي، وحيث رضخ حزب العدالة والتنمية لقرار المحكمة العليا بضرورة توفر نصاب الثلثين لجلسات مجلس النواب الثلاث وليس الاولى فحسب، فان الثنائي اردوغان وغل لم يترددا في حسم الامور، والدعوة الى انتخابات مبكرة وظّفا فيها كل ما توفرا عليه من خبرة طوال السنوات الخمس الاولى التي حكموا فيها تركيا منفردين، وجاء فوزهم في تموز الماضي كاسحاً وصادماً لكل من المؤسسة العسكرية والاحزاب القومية الذين سلّموا بالنتيجة، وإن كانوا أبقوا ايديهم على الزناد في انتظار ظروف داخلية او اقليمية ملائمة اخرى، قد تمنحهم فرصة لاستعادة نفوذهم المتآكل والمتراجع امام الزحف البطيء ولكن الكاسح والواثق من نفسه الذي يقوم بها العدالة والتنمية .

كانت هجمات حزب العمال الكردستاني التركي ""PKK التي تصاعدت ضد الجيش التركي والحراس الاكراد في منطقة ديار بكر الصيف الماضي فرصة حاولت المؤسسة العسكرية استثمارها لاجتياح شمال العراق (جبال قنديل في اقليم كردستان) وربما الوصول الى كركوك لفرض أمر واقع جديد، قد تتورط فيه حكومة اردوغان وبالتالي تدفيعها الثمن السياسي والشعبي إذا ما وقعت خسائر فادحة في صفوف الجيش في حال اعتبرت حكومة اقليم كردستان العراق ان الاجتياح يشكل اعتداء عليها وبالتالي قامت بشن عمليات ضد الجيش التركي، الذي وفي سعي واضح من قيادته لتوريط اردوغان، قال رئيس اركانه الجنرال بيوكانيت انه يحتاج لقرار من المستوى السياسي.

دخلت واشنطن كما هو معروف على الخط وعقد بوش صفقة مع اردوغان خلال زيارة الاخير لواشنطن قبل اشهر تراجعت فيه حظوظ الاجتياح الشامل، لصالح قيام انقرة بغارات جوية على منطقة جبال قنديل مقابل معلومات وصور حديثة وفرتها الاستخبارات الاميركية للجيش التركي.

هدأت المواجهة بين الحزب الحاكم الذي نجح في ايصال غل الى القصر الرئاسي كأول اسلامي يجلس على مقعد كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، بعد ان استطاع تأمين النصاب المطلوب (الثلثين) ولم يكن يحتاج سوى الى عشر اصوات بعد فوزه العظيم الذي مكّنه من رفع حصته في البرلمان من 32% الى 44% تقريبا.. ثم جاءت الآن مسألة الحجاب لتعيد السخونة الى الساحة السياسية والحزبية والتي تتمثل في اندلاع مظاهرات في اكثر من عشرين مدينة تركية ضد مشروع القانون الذي ينوي حزب العدالة والتنمية طرحه قريباً للتصويت في البرلمان التركي يسمح لكل الفتيات التركيات بالدراسة في الجامعات بصرف النظر عن لباسهن (القانون الحالي لا يسمح بمن تضع الحجاب على رأسها بالدراسة في الجامعات).

العلمانيون وعلى رأسهم المؤسسة العسكرية التي ترى نفسها حارسة لإرث اتاتورك رأوا في مشروع القرار تهديداً للعلمانية، بل ان الجيش ما يزال يرى في الحجاب رمزاً سياسياً وليس مجرد لباس رأس او حرية شخصية..

المعركة الراهنة ستكون حاسمة ويبدو ان الطرفين يستعدان لذلك، ويدركان ان الهزيمة فيها تعني الاستسلام، وتراجع الدور والنفوذ، ولهذا يجب عدم التقليل من اهمية التوقيت الذي اختاره اردوغان لطرح مشروعه الاشكالي والذي اذا ما نجح في اقراره (وهو قادر على ذلك لامتلاكه الاغلبية البرلمانية المطلوبة) فانه سيحجّم الجيش ويبقيه داخل ثكناته، ويكرس تقليداً جديداً في المشهد التركي، وهو تبعية المؤسسة العسكرية الى المستوى السياسي المنتخب وليس العكس، كما كان يحدث طوال العقود الستة الاخيرة منذ اعدام عدنان مندريس بعد انقلاب العام 1960 حتى نهاية القرن الماضي وكيف تحولت النخب السياسية والحزبية وخصوصاً المنتخبة منها الى موظفين لدى جنرالات المؤسسة العسكرية..

اردوغان يدرك مخاطر السماح بالحجاب في الجامعات وخصوصاً على مستقبل مفاوضاته حول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، وبما قد تلجأ اليه مفوضية الاتحاد في هذا الشأن او ما قد يقره البرلمان الاوروبي في شأن المفاوضات كذلك، في ما قد يُقدم عليه الكونغرس الاميركي حول مذابح الارمن وان كانت المسألة الاخيرة تهم حزب العدالة تماماً كما المؤسسة العسكرية وانصارها من القوميين والعلمانيين.

الا ان مضي اردوغان في طرح مشروعه على البرلمان، يعني انه مستعد للمجازفة ودفع الثمن السياسي، رغم ان احتمالات نجاحه اكثر من احتمالات فشله وبذلك يكون حزب العدالة والتنمية قد بسط هيمنته على مفاصل وتفاصيل المشهد التركي البرلمان والحكومة والرئاسة ومعقل العلمانيين الاخير والاخطر وهو الجامعات..

- هل ينجح؟.

- دعونا ننتظر....
 
A service provided by Al Bawaba